المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كِتَابُ الْغَصْبِ الْغَصْبُ: هُوَ فِي اللُّغَةِ أَخْذُ الشَّيءِ ظُلْمًا مُجَاهَرَةً، وَفِي - عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج - جـ ٢

[ابن الملقن]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الصيام

- ‌بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ

- ‌كِتَابُ الاِعْتِكَافِ

- ‌كِتَابُ الْحَجِّ

- ‌بَابُ المَوَاقِيتِ

- ‌بَابُ الإِحْرَامِ

- ‌بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ زَادَهَا اللهُ شَرَفًا

- ‌بَابُ مُحَرَّمَاتِ الإِحْرَامِ

- ‌بَابُ الإحِصَارِ وَالفَوَاتِ

- ‌كتاب البيع

- ‌بَابُ الْرِّبَا

- ‌بابُ الْبُيُوع الْمَنْهِيِّ عَنْها

- ‌بَابُ الخيَارِ

- ‌بَابُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ

- ‌بَابُ التوْلِيَةِ وَالإِشْرَاكِ وَالْمُرَابَحَةِ

- ‌بَابُ الأصُولِ وَالثمَارِ

- ‌بَابُ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ

- ‌بَابُ مُعَامَلَاتِ الْعَبِيدِ

- ‌كِتَابُ السَّلَمِ

- ‌كِتَابُ الرَّهنِ

- ‌كتاب التفليس

- ‌بِابُ الْحَجْرِ

- ‌كِتَابُ الْصُّلْحِ

- ‌كِتَابُ الحوالةِ

- ‌كتاب الضمان

- ‌كِتَابُ الشِّرْكَةِ

- ‌كِتَابُ الْوَكَالةِ

- ‌كتاب الإقرار

- ‌كِتَابُ الْعَارِيَّةِ

- ‌كِتَابُ الْغَصْبِ

- ‌فُرُوعٌ مَنْثُورَةٌ نَخْتِمُ بِهَا الْبَابَ مُهِمَّةٌ

- ‌كِتَابُ الشُّفْعَةِ

- ‌كِتَابُ الْقراضِ

- ‌كتاب المُسَاقَاةِ

- ‌كتاب الإجارة

- ‌كتاب إحياء الموات

- ‌كتاب الوقف

- ‌كتاب الهبة

- ‌كِتَابُ الْلُّقَطَةِ

- ‌كِتَابُ الْلَّقِيطِ

- ‌كتاب الجُعَالةِ

الفصل: ‌ ‌كِتَابُ الْغَصْبِ الْغَصْبُ: هُوَ فِي اللُّغَةِ أَخْذُ الشَّيءِ ظُلْمًا مُجَاهَرَةً، وَفِي

‌كِتَابُ الْغَصْبِ

الْغَصْبُ: هُوَ فِي اللُّغَةِ أَخْذُ الشَّيءِ ظُلْمًا مُجَاهَرَةً، وَفِي الشَّرْعِ سَيَأْتِي، وَتَحْرِيمُهُ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُوْرَةِ (149).

هُوَ الاسْتِيلاءُ عَلَى حَقِّ الْغَيرِ عُدْوَانًا، هَذَا هُوَ الاخْتِيَارُ فِي حَدِّهِ لِيَدْخُلَ مَا لَيسَ بِمَالٍ كَالْكَلْبِ، وَالْحُقُوقِ وَالاخْتِصَاصَاتِ؛ وَخَرَجَ بِالْعُدْوَانِ الاسْتِيلاءُ عَلَى مَالِ

(149) * الْغَصْبُ: في اللغةِ أَخْذُ الشَّيء ظُلْمًا وَقَهْرًا، وفي عرف الفقهاء: هُوَ أخْذُ مَالٍ مُتَقَوَّمٍ مُحْتَرَمٍ مِنْ غَيرِ إِذْن مَالِكِهِ مُجَاهَرَةً. فَهُوَ اسْتِيلاءٌ عَلَى مَالِ الْغَيرِ بجهَةِ التعَدِّي. وَفِعْلُهُ سَبَبٌ لِلضَّمَانِ. والفرقُ بين الغَاصِبِ وَالسَّارِقِ، أَنَّ السَّارِقَ يَأْخُذُ مَال الْغَيرِ خِفْيَةً مِنْ مَكَان مَحْرُوزٍ، أمَّا الْغَاصِبُ، فَيَأْخُذُ مَال الْغَيرِ بِالتَّعَدِّي جِهَارًا مُعْتَمِدًا عَلَى قُوَّتِهِ أَوْ سُلْطَانِهِ، فَهُوَ أَخْذُ الشَّيءِ ظُلْمًا وَقَهْرًا.

* والأصلُ في تحريمِ الغصبِ من الكتاب العزير؛ قول الله عز وجل: {وَيلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [المطففين / 1 - 3]. وقال الله عز وجل: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة / 188] وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء / 29]. أمَّا الأصلُ في تحريم الغصب مِن السُّنَّةِ؛ ما جاء عن أبي بكرَة قال: خَطَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَال فِي خُطْبَتِهِ:[إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيكُمْ حَرَامٌ؛ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ]. وإسناده صحيح، رواه البخاري في الصحيح: كتاب الحج: باب الخطة أيام منى: الحديث (1741). ومسلم في الصحيح: كتاب القسامة: باب تغليظ تحريم الدماء: الحديث (29 و 30 و 31/ 1679).

ص: 879

الْكُفَّارِ بِالاغْتِنَامِ، وزاد القاضي جَهْرًا لِتَخْرُجَ السَّرِقَةُ، ولو حَبَسَ المالِكَ عن سقي ماشيته ونخيله فَتَلِفَا فالأصحُّ لا ضمانَ بخلاف فتح الزق عن جامدٍ وإذابت الشَّمْسِ مَا فِيهِ وَضَاعَ، لأَنَّهُ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِي الْمَالِ، فَلَوْ رَكِبَ دَابَّةً أَوْ جَلَسَ عَلَى فِرَاشٍ فَغَاصِبٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُلْ، لحصول غاية الاستيلاء وسواء قصد الاستيلاء أو لم يقصده كما صرح به في أصل الروضة، وَلَوْ دَخَلَ دَارَهُ، أي بأهلهِ على هيئةِ مَنْ يَقْصِدُ السُّكْنَى كما قَيَّدَهُ الرافعيُّ، وَأَزْعَجَهُ عَنْهَا، أَوْ أَزْعَجَهُ وَقَهَرَهُ عَلَى الدَّارِ، أي بالطريق الذي جعلناهُ قبضًا في بَيعِهَا، وَلَمْ يَدْخُلْ؛ فَغَاصِبٌ، أمَّا فِي الأُوْلَى: فسواء قَصَدَ الاستيلاء أم لا! لأنَّ وجودَ الاستيلاءِ يُغْنِي عَنْ قَصْدِهِ؛ وإذا اجتمعَ الإزعاجُ والدخولُ الْخَالِي عن هيئةِ السكونِ، فالأقربُ كما قاله صاحب المطلب: إنه غصبٌ، لأنه قرينةٌ دَالَّةٌ على الاستيلاءِ، وأمَّا في الثانية: فلأنها في قبضتِهِ عُرفًا؛ ولا بد من قصد الاستيلاء قاله الماوردي والإمامُ، وَفِي الثَّانِيَةِ: وَجْهُ وَاهٍ، أي أنه لا يكون غاصبا ما لم يدخل، وهذا مقتضى إطلاق الغزالي؛ وهو ما سلف للمصنف في حكايته كما قاله الإمام فأعلَمْهُ، وقوله (وَأَزْعَجَهُ وَقَهَرَهُ) احترز به عمَّا إذا لم يُوجد إلّا إزعاجٌ فقط؛ فإنه لا ضمانَ قطعًا كما قاله الإمام.

وَلَوْ سَكَنَ بَيتًا، وَمَنَعَ الْمَالِكَ مِنْهُ دُونَ بَاقِي الدَّارِ، فَغَاصِبٌ لِلْبَيتِ فَقَطْ، لقصور الاستيلاء عليه، وَلَوْ دَخَلَ بِقَصْدِ الاسْتِيلاءِ وَلَيسَ الْمالِكُ فِيهَا فَغَاصِبٌ، لحصول الاستيلاء في الحال، واحتَرزَ بالقصدِ عمَّا إذا دخلَ لا على قصدٍ، بل ينظر: هل تصلح له أو غير ذلك! فإنه لا يكون غَاصبًا، وَإِنْ كَانَ، وَلَمْ يُزْعِجْهُ؛ فَغَاصِبٌ لِنِصْفِ الدَّارِ، لاجتماع يَدِهِمَا واستيلائِهما، إلا أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا لَا يُعَدُّ مُسْتَوْلِيًا عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ، أي فإنه لا يكون غاصبًا لشيء منها لانتفاءِ الاستيلاءِ والحالةُ هذهِ.

فَصْلٌ: وَعَلَى الْغَاصِبِ الرَّدُّ، لقوله عليه الصلاة والسلام:[عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُوَدِّيَهُ](150)، فَإِنْ تَلِفَ عِنْدَهُ ضَمِنَهُ، بالإجماع، نعم؛ لو كان التالف لا قيمةَ

(150) تقدم في الرقم (144).

ص: 880

له كالسرجينِ ونحوه فلا ضمان، والحربيُّ لا ضمان عليه.

وَلَوْ أَتْلَفَ مَالًا فِي يَدِ مَالِكِهِ ضَمِنَهُ، بالإجماع أيضًا، وَلَوْ فَتَحَ رَأْسَ زِقٍّ مَطْرُوحٍ عَلَى الأَرْضِ فَخَرَجَ مَا فِيهِ بِالْفَتْحِ، أَوْ مَنْصُوبِ، فَسَقَطَ بِالْفَتْحِ، أي بأن حَلَّ وكاءَهُ، وَخَرَجَ مَا فِيهِ ضَمِنَ، أما في الأُولى: فلمباشرةِ الإِتْلافِ، وأما في الثانية: فلأنه نَاشِئٌ عَنْ فِعْلِهِ، وَإِنْ سَقَطَ بِعَارِض رِيحٍ لَمْ يَضْمَنْ، لأنه لم يُوجد منهُ الخروجُ بفعلهِ، واحترز بالعارضِ عن المقارنِ فإنهُ مِن ضمانِ الفاتح كما أَشعَرَ بِهِ كَلامُهُ؛ وعروضُ الزَّلْزَلَةِ؛ ووقوعُ الطائرِ عليهِ كالريح؛ وحكم حَلِّ السفينة كالزق.

وَلَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ وَهَيَّجَهُ فَطَارَ ضَمِنَهُ، بالإجماع، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْفَتْحِ فَالأَظْهَرُ أَنَّهُ إِذَا طَارَ فِي الْحَالِ ضَمِنَ، وَإِنْ وَقَفَ ثُمَّ طَارَ فَلَا، لأنه في الأول يشعر طيرانه بتنفيره، وفي الثاني يشعر باختياره، والثاني: يضمن مطلقًا، لأنه لولا الفتح لم يطر، والثالث: لا مطلقًا، لأن له اختيارًا.

وَالأَيدِي الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ أَيدِي ضَمَانٍ، وَإِنْ جَهِلَ صَاحِبُهَا الْغَصْبَ، لأَنَّ الْجَهْلَ لَيسَ مُسْقِطًا لَهُ وَقَدْ أَثْبَتَ يَدَهُ عَلَى مَالِ غَيرِهِ بِغَيرِ إِذْنِهِ، ثُمَّ إِنْ عَلِمَ، أي الثاني الغصبَ، فَكَغَاصِبِ مِنْ غَاصِبُ، فَيَسْتَقِرُّ عَلَيهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ عِنْدَهُ، أَي فَيُطَالبُ بِكُلِّ مَا يُطَالبُ بِهِ الْغَاصِبُ، وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ فِي يَدِهِ فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيهِ، وَكَذَا إِنْ جَهِلَ، يعني الثاني الغصب، وَكَانَتْ يَدُهُ فِي أَصْلِهَا يَدَ ضَمَانٍ كالعَارِيَةِ، لأنه دخل في العقد على الضَّمَانِ فَلا غرور، وَإِنْ كَانَتْ يَدَ أَمَانَةٍ كَوَدِيعَةٍ، فَالْقَرَارُ عَلَى الْغَاصِبِ، لأنه دخل على أَنَّ يَدَهُ نَائِبَةٌ عَنْ يَدِ الْغَاصِبِ، وَمَتَى أَتْلَفَ الآخِذُ مِنَ الْغَاصِبِ مُسْتَقِلًّا بِهِ، أي بالإتلاف، فَالْقَرَارُ عَلَيهِ مُطلَقًا، أي سواء كانت يَدُهُ يَدَ ضَمَانٍ أَوْ أَمَانَةٍ، لأنَّ الإِتْلافَ أَقْوَى مِنْ إِثْبَاتِ الْيَدِ العَادِيَةِ، وقوله (مُسْتَقِلًّا) احترز به عما إذا حُمِلَ عليهِ وسيأتي على الأثرِ، وَإِنْ حَمَلَهُ الْغَاصِبُ عَلَيهِ؛ بِأَنْ قَدَّمَ لَهُ طَعَامًا مَغْصُوبًا ضِيَافَةً فَأكَلَهُ؛ فَكَذَا فِي الأَظْهَرِ، لأنَّهُ الْمُتْلِفُ، والثاني: أن القرارَ على الغاصبِ، لأنَّهُ غَرَّهُ، وَعَلَى هَذَا، يعني: القولُ الأظهرُ، لَوْ

ص: 881

قَدَّمَهُ لِمَالِكِهِ فَأَكَلَهُ بَرِئَ الْغَاصِبُ، لما قررناه من تقديم المباشرة؛ وعلى الثاني: لا يبرأُ.

فَصْلٌ: تُضْمَنُ نَفْسُ الرَّقِيقِ بِقِيمَتِهِ، أي كَالْحُرِّ بقيمتهِ بالغةً ما بلغتْ وَلَوْ زَادَتْ عَلَى أَعْلَى الدِيَّاتِ، تَلِفَ أَوْ أُتْلِفَ، تَحْتَ يَدٍ عَادِيَةٍ، بتخفيف الياء، وَأَبْعَاضُهُ الَّتِي لَا يَتَقَدَّرُ أَرْشُهَا، من الْحُرِّ بِمَا نَقَصَ مِن قِيمَتِهِ، أي كذهاب البكارة، وَكَذَا الْمُقَدَّرَةُ، أي كاليد، إِنْ تَلِفَتْ، أي بآفة سماوية؛ لأن ضَمَانَ الْيَدِ سَبِيلُهُ لسَبِيلُ ضَمَانِ الأمْوَالِ، وإِن أُتْلِفَتْ، أي بالجناية عليها، فَكَذَا فِي الْقَدِيمِ، أي أنه يجب ما نقص من قيمته كسائر الأموال، وَعَلَى الْجَدِيدِ تَتَقَدَّرُ مِنَ الرَّقِيقِ، وَالْقِيمَةُ فِيهِ كَالْدِيَّةِ فِي الْحُرِّ، فَفِي يَدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ، لما ستعلمه في آخر الديات فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ أَعَادَهَا هُنَاكَ، وَسَائِرُ، أي باقي، الْحَيَوَانِ، يضمن، بِالْقِيمَةِ، لأنها لا تشبه الحُرَّ، وَغَيرُهُ، أي غير الحيوان من الأموال؛ يَنْقَسِمُ إلى: مِثْلِيٌّ وَمُتَقَوِّمٌ، أي بكسر الواو، لأنه إن كان له مثل فالمثليُّ وإلّا فالمتقوِّم، وللأصحاب عباراتٌ في حَدِّ المثليِّ لا نطول بذكرها، والأصح منها ما صحَّحهُ الْمُصَنِّفُ حيثُ قال: وَالأَصَحُّ: أَنَّ الْمِثْلِيَّ مَا حَصَرَهُ كَيلٌ أَوْ وَزْنٌ وَجَازَ السَّلَمُ فِيهِ، واحترز بالكيل والوزن عن المعدود والمذروع كالحيوان والثياب فليسا بِمِثْلَينِ وإنْ جازَ السَّلَمُ فيهما وخرجَ بجوازِ السَّلَمِ مَا لَا يجوز كالجواهر الكبار، وغيرها على ما سبق في بابه، ويرد على هذه العبارة القمحُ المختلطُ بالشعير فإنه لا يجوز السُّلَمُ فيه ويرد مثله؛ ثم ذكر المصنف لذلك أمثلة فقال: كَمَاءٍ، أي باردٍ، أما الحار فإنه متقوم لدخولِ النَّارِ فيه ودرجات حموهِ لا تَنْضَبِطُ، كذا ذكره صاحب المطلب في الإجارة، وَتُرَابٍ، أي ورمل لا القُمَامَاتِ التي تجتمع في الأراضي؛ فلا ضمان فيها؛ لأنها محقرة، وَنُحَاسٍ، أي وحديد، وَتِبْرٍ، أي وهو غير المضروب، وَمِسْكٍ؛ وَكَافُورٍ؛ وَقُطْنٍ، أي بعد إخراج حبه، أما قبله فيظهر القطع بأنه متقوِّم كما قاله صاحب المطلب، وَعِنَبٍ وَدَقِيقٍ، أي وكذا نخالة كما قاله ابن الصلاح، لَا غَالِيَةٍ وَمَعْجُونٍ، لأنهما مختلطان من أجزاءٍ مختلفة.

ص: 882

فَرْعٌ: قال الشافعيُّ: الصوف يُضْمَنُ بالمثلِ إن كان له مثلٌ، وهذا توقف منه في أنه مثليٌّ أم لَا! قال في البحر: وقيل: فيه قولان.

فَرْعٌ: قال القفال في فتاويه ومنها نقلتُ: بزر الدود لا مثل له، ولا يجوز السَّلَمُ فيهِ، لأَنَّ أَهْلَ الصَّنْعَةِ لَا يَعْرِفُونَ أَن هَذَا الْبَزْر يَكُونُ نَسْجُهُ أَبْيَضَ أَمْ أَحْمَرَ فَهُوَ كَالسَّلَمِ فِي الْجَوْهَر.

فَيُضْمَنُ الْمِثْلِيُّ بِمِثْلِهِ تَلِفَ أَوْ أُتْلِفَ، لأنه أقرب إلى التالف، ويستثنى من ذلك ما إذا غصب ماءً في بَرِّيَةٍ ثم ظفر به على الشط فإن المطالبة هنا تكون بقيمة البرية، فَإِنْ تَعَذَّرَ، أي إما لإعوازه وإمّا لوجوده بأكثر من ثمن المثل، فَالْقِيمَةُ، أي قيمة المثل كما صرح به في التنبيه، وقيل: قيمة المغصوب، أمَّا عِنْدَ الإِعْوَازِ؛ فَلأَنَّهُ الْمُمْكِنُ، وَأَمَّا عِنْدَ وُجُودِهِ بِثَمَنٍ غَالٍ؛ فَلأَنَّهُ كَالْمَعْدُومِ.

فَرْعٌ: لو اصطلحا على أخذ القيمة مع وجود المثل صح في الأصح قاله في البحر.

وَالأَصَحُّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَقْصَى قِيَمِهِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ إِلَى تَعَذُّرِ الْمِثْلِ، لأن وجودَ المثلِ كَبَقَاءِ عَينِ الْمَغْصُوبِ، لأَنَّهُ كانَ مأمورًا بِرَدِّهِ كما كانَ مأمورًا بِرَدِّ المغصُوبِ فإذا لم يفعل غرم أقصى قيمة في الْمُدَّتَينِ، ومقابل الأصح في كلام الشيخ أَحَدَ عَشَرَ وَجْهًا ذكرتُها في الشرحِ الكبيرِ فَرَاجِعْهَا مِنْهُ، ومنها أن الاعتبارَ بيومِ المطالبةِ لأنَّ الإعْوَازَ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ، ونقله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ عن الأكثرين.

وَلَوْ نَقَلَ الْمَغْصُوبَ الْمِثْلِيَّ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ فَلِلْمَالِكِ أَن يُكلِّفَهُ رَدَّهُ، أي إِذَا عَلِمَ مَوْضِعَهُ لإطلاق الحديث السالف [عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ]، وقولُ المصنف فيما مضى (وَعَلَى الْغَاصِبِ الرَّدُّ) يشمَلُ هذا وَغَيرَهُ، لعمومه المثليُّ والمتقوِّم وغيرهما بخلاف عبارته هنا، وَأَنْ يُطَالِبَهُ بِالْقِيمَةِ فِي الْحَالِ، للحيلولة ليقع الجبر بقدر الإمكانِ، وهذه القيمة يملكها الآخذ على الأصح، فَإذَا رَدَّهُ رَدَّهَا، أي وجوبًا لِزَوَالِ الْحَيلُولَةِ، قال الماورديُّ: ولو كان على مسافةٍ قريبةٍ لَمْ يُطَالبْ بِالْقِيمَةِ بَلْ

ص: 883

يُرَدُّ الْمَغْصُوبُ، فَإِنْ تَلِفَ فِي الْبَلَدِ الْمَنْقُولِ إِلَيهِ، طَالبَهُ بِالْمِثْلِ فِي أيِّ الْبَلَدَينِ شَاءَ، لتوجيه الطلب عليه بِرَدِّ العَينِ في الْمَوْضِعَينِ، فَإِنْ فُقِدَ المِثْلُ غَرَّمَهُ قِيمَةَ أَكْثَرِ الْبَلَدَينِ قِيمَةً، تغليظًا عليه، لأنه كان يجوز له المطالبة بالمثل فيها.

وَلَوْ ظَفِرَ بِالْغَاصِبِ فِي غَيرِ بَلَدِ التَّلَفِ؛ فَالصَّحِيحُ: أنَّهُ إِنْ كَانَ لَا مُؤْنَةَ لِنَقْلِهِ؛ كَالنَّقْدِ؛ فَلَهُ مُطَالبَتُهُ بالْمِثْلِ، وَإِلَّا فَلَا مُطَالبَةَ بِالْمِثْلِ، لما فيه من الضرر، بَل يُغَرَّمُهُ قِيمَةَ بَلَدِ التَّلَفِ، قطعًا للنزاع، والثاني: يطالب بالمثل مطلقًا، والثالث: المنع مطلقًا، وهو مُخَرَّجٌ من كلام الوسيط.

وَأَمَّا الْمُتقوِّمُ؛ فَيُضمَنُ بِأَقْصىَ قِيمِهِ مِنَ الْغَصْبِ إِلَى التَّلَفِ، لأنه في حالة زيادة القيمة غاصب مطالب بالرد، فإذا لم يرد ضمن بدله، وتجبُ قيمتُهُ من نقد البلد الَّذِي تَلِفَ فِيهِ، وَفِي الإِتلافِ بِلا غَصْبٍ بِقِيمَةِ يَوْمِ التَّلَفِ، أي إذا أتلفَ متقوَّمًا بلا غَصْبٍ لَزِمَهُ مَا ذَكَرَ، ووجهه: أنَّ ضمانَ الزائدِ في المغصوبِ إنَّما كَانَ بِالْيَدِ الْعَادِيَةِ وَلَمْ يُوْجَدْ هُنَا، فَإِنْ جَنَى وَتَلِفَ بِسِرَايَةٍ، فَالْوَاجِبُ الأَقْصَى أيضًا، أي إذا جنى وحصل التلف بتدرج وسرايةٍ واختلفت قيمته في تلك المدة، فإنْ جَرَحَ بهيمةً قيمتُها مائةٌ ثُمَّ تلفت وقيمتها خمسون لَزِمَهُ مائةٌ؛ لأنَّا إذا اعتبرنا الأقصَى في اليدِ العادِيَةِ فَلأنْ نَعْتَبِرَهُ في نفسِ الإتلافِ أوْلَى.

فَصْلٌ: وَلَا تُضْمَنُ الخَمْرُ، سواء كانت لِمُسْلمٍ أو ذِمِّيٍّ جازَ إِرَاقَتُهَا أَمْ لَا؟ إذ لا قيمة لها. والخنزير كالخمر، وكذا ما هو نَجِسُ الْعَينِ كالميتةِ؛ والنبيذُ كالخمرِ. وكذا الحشيشُ، إِنْ ثَبَتَ أَنَّهَا مُسْكِرَةٌ فِيمَا يَظْهَرُ، وَلَا تُرَاقُ عَلَى ذِمِّيٍّ، لأنهم مقرون على الانتفاع بها كذا علله في الكفاية، إلا أَن يُظْهِرَ شُرْبهَا أوْ بَيعَهَا، أي من مثله وكذا هبتها ونحو ذلك، لأنهُ عرَّضَها حينئذ لإراقتها، لأن عَقْدَ الذِّمَّةِ قَدْ جَرَى عَلَى مَنْع إِظهَارِهِمْ لَهَا، والإِظهَارُ: هُوَ الإِطِّلاعُ عَلَيهِ مِنْ غَيرِ تَجَسُّسٍ، قال الإمامُ: واستعمالهم للأوتار بحيث يسمعها من ليس في دُوْرِهِمْ إظهارٌ لها، وَتُرَدُّ عَلَيهِ إِنْ بَقِيَتِ العَينُ، أي إذا كان أخذها منه عند عدم الإظهار لما سبق من تقريرهم عليها،

ص: 884

فإن تَلِفَتْ؛ فلا. ونسبَ الإِمامُ إلى المحقِّقِينَ: أن الواجبَ التَّمْكِينُ لا الرَّدُّ.

وَكَذَا الْمُحْتَرَمَةُ إِذَا غُصِبَتْ مِن مُسْلِمٍ، لأن له إمساكها لتصير خلًا، واحترز بالمحترمة عن غيرها، فإنها إذا غُصبت من مسلمٍ لا تُرَدُّ عليهِ وَتُرَاقُ، وَالأَصْنَامُ، أي وكذا الصُّلْبَانُ، وَآلاتُ الْمَلاهِي، أي كالطنبورِ، لَا يَجِبُ فِي إِبْطَالِهَا شَيءٌ، لأنها محرمةُ الاستعمالِ ولا حُرْمَةَ لِتِلْكَ الصَّنْعَةِ وروى البيهقي عن أبي حَصِين (أَنَّ رَجُلًا كَسَرَ طُنْبُوْرًا لِرَجُلٍ فَرَفَعَهُ إِلَى شُرَيحٍ فَلَمْ يُضَمِّنْهُ)(151)، وَالأَصَحُّ: أَنَّهَا لَا تُكْسَرُ الْكسْرَ الْفَاحِشَ بَل تُفْصَلُ لِتَعُودَ كَمَا قَبْلَ التَّأْلِيفِ، لأنه إذا فَصَلَ الأجزاءَ كُلَّهَا زال الاسمُ وعسر العَوْدُ فكان أدْعَى إِلَى التَّرْكِ، والثاني: أنها تُكْسَرُ وَتُرَضُّ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى حَدٍّ لَا يُمْكِنُ إتِّخَاذُ آلَةٍ مُحَرَّمةٍ مِنْهُ. لا الأُوْلى وَلَا غَيرُهَا؛ لأنَّهُ أبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عنِ العَوْدِ، فَإِنْ عَجَزَ الْمُنْكِرُ عَن رِعَايَةِ هَذَا الْحَدِّ؛ لِمَنْع صَاحِبِ الْمُنكَرِ أَبْطَلَهُ كَيفَ تَيَسَّرَ، أي وإن زاد على ما قُلْنَاهُ إذا لم يمكن بما دونه.

فَصْلٌ: وَتُضْمَنُ مَنْفَعَةُ الدَّارِ وَالْعَبْدِ وَنَحْوهِمَا بِالتَّفْويتِ وَالْفَوَاتِ فِي يَدٍ عَادِيَةٍ، لأنها مضمونة بالعقد الفاسد فتضمن بالغصب كالأعيان، ورأيتُ في فتاوى القفال: أنه لو غصب عبدًا محترفًا بحرفتين لا يلزمه أن يضمن أجر مثلهما، وَلَا تُضْمَنُ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ، أي وهو الفرج، إلا بِتَفْويتٍ، أي وهو الوطء، فَيَضْمَنُهُ بمهر المثل على تفصيل يأتي آخر الباب، ولا تضمن بالفوات تحتَ الْيَدِ، لأنَّ الْيَدَ لا تثبت عليها، وَكَذَا مَنفَعَةُ بَدَنِ الْحُرِّ فِي الأصَحِّ، لأنه لا يدخلُ تحتَ اليدِ فمنافعُهُ تفوتُ تحتَ يَدِهِ، والثاني: أنها تضمن بالفوات أيضًا، لأنها تَتَقَوَّمُ بالعقد الفاسد فأشبهت منافع الأموالِ، وَإذَا نَقَصَ الْمَغْصُوبُ بِغَيرِ اسْتِعْمَالٍ، أي كعمي العبدِ وسقوطِ اليدِ بآفةٍ سماويةٍ، وَجَبَ الأرْشُ مَعَ الأُجْرَةِ، للنقص والفوات، وتجب أجرته سليمًا قبل حدوث النقصان، ومعيبًا لما بعد حدوثه، وَكَذَا لَوْ نَقَصَ بِهِ، أي بالاستعمال، بِأَنْ

(151) رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الغصب: باب من قتل خنزيرًا أو كسر صليبًا: الأثر (11748).

ص: 885

بَلَى الثَّوْبُ، أي باللبس، فِي الأَصَحِّ (•)، كما لو حصل النقصان بسبب آخر، والثاني: لا يجب إلّا أكثر الأمرين من أجرة المثل وأرش النقصان، لأن النقصان نشأ من الاستعمال وقد قوبل الاستعمال بالأجرة؛ فلا يجب له ضمان أحر، والقائل بالأول يقول الأجرة ليس في مقابلة الاستعمال؛ بل في مُقَابَلَةِ الفوات.

فَصْلٌ: ادَّعَى تَلَفَهُ وَأَنْكَرَ الْمَالِكُ؛ صُدِّقَ الْغَاصِبُ بِيَمِينِهِ عَلَى الصَّحِيح، لأنه قد يعجز عن البينة وهو صادق فَيَتَخَلَّدُ حَبْسُهُ، وهذا عند إطلاقه دعوى التلف؛ فإن قيده بسبب ظاهر فَلَا يَبْعُدُ أَن يُحْبَسَ حتى يُقِيمَ بَيِّنَةً بِالتَّلَفِ لإِمْكَانِهِ، والثاني: يُصَدَّقُ المالك، لأن الأصلَ البقاءُ، فَإِذَا حَلَفَ غَرَّمَهُ الْمَالِكُ فِي الأصَحِّ، لعجزه عن حقه بيمين الغاصب، والثاني: لا، لبقاء العين في زعمه، وَلَو اخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ، يعني مع الاتفاق على الهلاك، أَوْ فِي الثِّيَابِ الَّتِي عَلَى الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ أَوْ فِي عَيبٍ خَلْقِيٍّ، بأن قال ولد أكمه أو أعرج أو عديم اليد، صُدِّقَ الْغاصِبُ بيَمِينِه، أما في الأُولى: فَلأَنَّ الأصْلَ بَرَاءَةُ ذِمِّتِهِ عَنِ الزِّيادَةِ، وعلى المالك البَيِّنَةُ، وَأما في الثانية: فلثبوت يده، فإن العبدَ وما عليه في يد الغاصب، وأما في الثالثة: فَلأَنَّ الأصْلَ الْعَدَمُ وَتَمَكُّنَ الْمَالكِ الْبَيِّنَةَ، وخرج بالعبدِ الحرُّ الصغير الَّذِي يظهر تصديق الولي، لأن الأصح أن يد غاصبِ الحرِّ وسارِقُهُ لا تثبت على ثيابه، وَفِي عَيبٍ حَادِثٍ، أي كما إذا قال أقطع أو سارقًا، يُصَدَّقُ الْمَالِكُ بِيَمِينِهِ فِي الأصَحِّ، لأن الأصل والغالب السلامة، والثاني: يُصَدَّقُ الْغَاصِبُ، لأن الأصل براءة الذمة، وقوله (الأَصَحِّ) مُخَالِفٌ لِمَا في الروضة والرافعي فإن فيهما أنه أظهر القولين.

فَصْلٌ: وَلَوْ رَدَّهُ نَاقِصَ الْقِيمَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيءٌ، لأن الفائت رغبات الناس فقط، والمغصوب باقٍ بحاله، وَلَوْ غَصَبَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ، فَصَارَتْ بِالرُّخْصِ دِرْهَمًا، ثُمَّ لَبِسَهُ فَأَبْلاهُ، فَصَارَتْ نِصْفَ دِرْهَمٍ فَرَدَّهُ، لَزِمَهُ خَمْسَةٌ، وَهِيَ قِسْطُ التَّالِفِ مِنْ أَقْصَى الْقِيَمِ، لأن بالاستعمال انسحقَتْ أجزاءٌ مِن الثوبِ وتلكَ الأجزاءُ في هذهِ

(•) في نسخة (3): على الأصَحِّ بدل في الأصح.

ص: 886

الصورة نصفُ الثوبِ فَيَغْرَمُ النِّصْفَ بمثلِ نسبته من أقصى القيم كما يغرم الكل عند تلفه بالأقصى.

قُلْتُ: وَلَوْ غَصَبَ خُفَّينِ قِيمَتُهُمَا عَشْرَةٌ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا وَرَدَّ الآخَرَ وَقِيمَتُهُ دِرْهَمَانِ أَوْ أُتْلِفَ أَحَدُهُمَا غَصْبًا، أي له فقط، أَوْ فِي يَدِ مَالِكِهِ لَزِمَهُ ثَمَانِيَةٌ فِي الأصَحِّ، وَالله أَعْلَمُ، خمسةٌ للتالف لِتَلَفِهِ عندهُ وثلاثة لأَرش ما حصل من التفريق الحاصل عنده، والثاني: يلزمه درهمان؛ لأنَّهُ قيمةُ ما أَتْلَفَهُ، حكاه في الروضة عن التَّتِمَّةِ في الأُولى، وهو وَهْمٌ؛ فالذي فيها؛ إنما هو حكايةُ وجه بلزوم خمسة وهو وجه في الثانية أيضًا أعني لزوم خمسة، قال في الروضة: إنه الأقوى، وقوله (غَصَبَ خُفَّينِ) أي فردتين أي فكل واحدة تسمَّى خُفًّا.

فَرْعٌ: الحكم كذلك في أحد زوجي النعل ومصراعي الباب.

وَلَوْ حَدَثَ نَقْصٌ، يعني في المغصوب، يَسْرِي إِلَى التَّلَفِ؛ بِأَنْ جَعَلَ الْحِنطَةَ هَرِيسَةً فَكَالتَّالِفِ، لإِشرافهِ على الهلاكِ فيغرم بدل كل مغصوبٍ من مثل أو قيمةٍ، وَفِي قَوْلٍ: يَرُدُّهُ مَعَ أَرْشِ النَّقْصِ، قياسًا على ما لا سراية له، وليس للمالك إلا ذلك، وفي قول ثالث: أن المالِكَ يَتَخَيَّرُ في ذلك ويجعل كالهالك، قال الرافعي في الشرح الصغير: وهو أحسن، واحترز بقوله (يَسْرِي) عما لا سِرَايَةَ لَهُ؛ فإن على الغاصب أرشه ورد الباقي كما سَلَفَ.

فَرْعٌ: لو عفن الطعام في يده لطول المكث فقيل هو كالهريسة، والأصحُّ من زوائد الروضة: أنه يتعين أخذه مع الأرش قطعًا.

وَلَوْ جَنَى الْمَغْصُوبُ فَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ مَالٌ، لَزِمَ الْغَاصِبَ تَخْلِيصُهُ، لأنه نقصٌ حَدَثَ في يدهِ وهو مضمونٌ عَلَيهِ، بِالأقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَالْمَالِ، أي الواجبِ، لأنَّ الأقلَّ إنْ كَانَ هو القيمةُ فهو الَّذي دخلَ في ضمانهِ وإن كان هو المالُ المتعلقُ بالرقبةِ فهُوَ الَّذي وَجَبَ، فَإِن تَلِفَ، أي الجاني، فِي يَدِهِ، أي في يد الغاصب، غَرَّمَهُ الْمَالِكُ، أي أقصى القيم كغيره من الأعيان المضمونة، وَللْمَجْنِيِّ عَلَيهِ تَغْرِيمُهُ، أي

ص: 887

تغريم الغاصب، إن لم يكن غَرَّمَهُ، لأنها مضمونةٌ عليه، وَأَن يَتَعَلَّقَ بِمَا أَخَذَهُ الْمَالِكُ، أي المالكُ مِنَ الْغَاصِبِ لأنَّ حَقهُ كَانَ مُتَعَلِّقًا بالرقبة فتعلق ببدلها كما إذا أتلف المرهون كانت قيمته رهنًا، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمَالِكُ عَلَى الْغَاصِبِ، أي ثم إذا أخذ المجنيُّ عليه حقه من تلك القيمة رجع المالك. مما أخذه المجنيُّ عليهِ على الغاصب؛ لأنه لم يُسَلِّمْ له بل أخذ منه بحنايةٍ مضمونةٍ على الغاصب، فإن لم يأخذ وطلب المالك الأرش من الغاصب فلا يجاب، صرح به الإمام وإليه الإشارة بقوله (ثُمَّ)، وأما صاحب المطلب فخالفه وقال: لَهُ الْمُطَالبَهُ، وَلَوْ رَدَّ الْعَبْدَ إِلَى الْمَالِكِ فَبِيعَ فِي الْجِنَايَةِ رَجَعَ الْمَالِكُ بِمَا أَخَذَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيهِ عَلَى الْغَاصِبِ، لأن الجناية حصلت حين كان مضمونًا عليه.

فَصْلٌ: وَلَوْ غَصَبَ أرْضًا فَنَقَلَ تُرَابَهَا، أي كما إذا كَشَطَ وجهَ الأرضِ، أَجْبَرَهُ الْمَالِكُ عَلَى رَدِّهِ، أي إنْ كان باقيًا، أوْ رَدِّ مِثْلِهِ، أي إن كان تالفًا بهبوب ريحٍ أو سيلٍ، وإعَادَةِ الأرْضِ كَمَا كَانَتْ، أي من انبساط، وارتفاع أو انخفاض؛ لأن التراب من ذوات الأمثال كما سلف في موضعه، وَللْنَّاقِلِ الرَّدُّ وَإن لَمْ يُطَالِبْهُ الْمَالِكُ إِن كان لَهُ فِيهِ غَرَضٌ، أي بأن كان دخل في الأرض نقص يرتفع بالرد ويندفع عنه الأرش لدفع الضرر عنه.

فَرْعٌ: إِذَا رَدَّهُ فَمَنَعَهُ الْمَالِكُ مِنْ بَسْطِهِ لَمْ يَبْسُطْهُ، وإن كان في الأصلِ مَبْسُوْطًا.

وإِلَّا، أي وإن لم يكن له فيه غرض بأن نقله إلى موات، فَلَا يَرُدُّهُ بِلا إِذْنٍ فِفِي الأَصَحِّ، لأنه تصرف في ملك غيره على وجه الإتعاب بلا نفع وذلك سَفَهٌ، والثاني: لهُ رَدُّهُ، لأنه رد ملكه إلى محله، ومحل الخلاف إذا لم يَمْنَعْهُ الْمَالِكُ مِنَ الرَّدِّ فَإِنْ مَنَعَهُ فَإِنهُ لَا يُرَدُّ جَزْمًا، ويُقَاسُ بِمَا ذَكَرْنَا حَفْرُ الْبِئْرِ وَطَمُّهَا، أي فله الطم بترابه إن كان باقيًا وبمثله إن كان تالفًا على هيئته الأُوْلَى، ثُمَّ إِنْ أَمَرَهُ الْمَالِكُ بِالطِّمِّ لَزِمَهُ وإِلَّا فَلَهُ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِهِ لَيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ خَطَرَ الضَّمَانِ بِالسُّقُوطِ فِيهَا، فإنْ منعهُ فلهُ إنْ كان له فيه غرضٌ سوى دفع ضمان السقوط وإلا فلا، وإذَا أعَادَ الأَرْضَ كَمَا كَانَت

ص: 888

وَلَمْ يَبْقَ نَقصٌ فَلَا أَرْشَ، لعدم الموجب له، لَكِن عَلَيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمُدَّةِ الإِعَادَةِ، لوضع اليد عليه تَعَدِّيًا وكذا الرَّدُّ كما زادهُ في أصل الروضةِ، وَإِنْ بَقِيَ نَقْصٌ وَجَبَ أَرْشُهُ مَعَهَا، أي مع الأجرة لاختلاف سببهما وكما يضمن سائرَ صِفَاتِ المغصوبِ الفَائِتَةِ.

فَصْلٌ: وَلَوْ غَصَبَ زيتًا وَنَحْوَهُ، أي كَدُهْنٍ، فَأَغْلاهُ فَنَقَصَتْ عَينُهُ دُون قِيمَتِهِ، أي بأن غصب صاعًا قيمته درهم صار إلى نصف صاع قيمته درهم، رَدَّهُ وَلَزِمَهُ مِثْلُ الذَّاهِبِ فِي الأصَحِّ، إذ له بدلٌ مقدر وهو المثل، فصار كما لو خَصَى العبدَ والزيادةُ الحاصلةُ أثرٌ محضٌ لا ينجبر به النقصان كَمَا لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْغَاصِبُ شَيئًا إِذَا لَمْ يَكُنِ النُّقْصَانُ، والثاني: يَرُدُّهُ ولا شيءَ عليهِ إذ ما فيه من الزيادة والنقصان حصل بسببٍ واحدٍ فينجبرُ النقصانُ بالزيادةِ، وَإِن نَقَصَتِ الْقِيمَةُ فَقَطْ لَزِمَهُ الأرْش، جبرًا له، وَإن نَقَصَتَا غَرِمَ الذَّاهِبَ وَرَدَّ الْبَاقِي مَعَ أرْشِهِ إِن كان نَقْصُ الْقِيمَةِ أَكْثَرَ، أي مما نقص من العينِ كما إذا كان صاعًا يساوي درهمًا فرجع إلى نصفٍ يساوي أقلَّ من نصفِ درهمٍ فإن لم يكن نقص القيمة أكثر؛ بأن لا يحصل في الباقي نقصٌ فيغرم الذاهبُ ولا أرش للباقي.

فَرْعٌ: لو لم يَنْقَصْ واحد منهما فلا شيء عليه وأهمله المصنف لوُضُوحِهِ.

فَرْعٌ: غصب عصيرًا وأغلاه؛ فقيل: هو كالزيت فيضمن مثل الذاهب، وإن لم تنقصْ قيمته في الأصح، والأصح: لا؛ فلا يضمن المثل والحالة هذه، لأن الذاهبَ مَائِيَّتُهُ والذاهب من الزيتِ زيتٌ.

وَالأصَحُّ: أَنَّ السِّمَنَ لَا يَجْبُرُ نَقْصَ هُزَالٍ قَبْلَهُ، أي فيما إذا غصبها فهزلت في يده ثم سَمِنتْ وَعَادَت قِيمَتُهَا كما كانت، لأن السمنَ الثاني غيرُ الأولِ، والثاني: يجبره، كما لو جنى على عين فابيضت وزال البياض فلو كان السمن مفرطًا فزال ورجعت إلى الاعتدال ولم تنقص قيمتها لم يلزمه شيء، لأن السمن ليس له بدل مقدر، ولو انعكس الحال فكذلك أيضًا قاله القاضي أبو الطيب، وَأَنَّ تَذَكُّرَ صَنْعَةٍ

ص: 889

نَسِيَهَا يَجْبُرُ النِّسْيَان، أي فيما إذا غصبه وهو يحسن صنعة فنسيها ثم تذكرها أو تعلمها، لأن تذكرها لا يعد شيئًا متجددًا بخلاف السمن الثاني، والثاني: لا يجبرُ كالسمن، وَتَعَلُّمُ صَنْعَةٍ لَا يَجْبُرُ نِسْيَان أخْرَى قَطْعًا، أي وإن كانت أرفع من الأولى لانتفاء تخيل وجود المثل الصوري فيما رده، ولو تذكر في يد الغاصب فالذي يظهر الجبر كما قاله في الكفاية.

وَلَوْ غَصَبَ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ، ثُمَّ تَخَلَّلَ، فَالأصَحُّ: أَنَّ الْخَلَّ لِلْمَالِكِ، لأنه عين ماله، وَعَلَى الْغَاصِبِ الأرْشُ إِن كَان الخَلُّ أَنْقَصَ قِيمَةً، أي من العصير لحصوله تحت يده؛ فلو لم تنقص قيمته عن قيمة العصير اقتصر عليه، والثاني: يغرم مثل العصير، وقال الماوردي: يغرم قيمته، لأنه بالتخمر كالتالفِ وعلى هذا فالخل للمالك على الأصح، لأنه فرع ملكه.

وَلَوْ غَصَبَ خَمْرًا فَتَخَلَّلَتْ، أَوْ جِلْدَ مَيتَةٍ فَدَبَغَهُ، فَالأصَحُّ: أَنَّ الخَلَّ وَالْجِلْدَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، لأنهما فَرْعُ مِلْكِهِ، فإن تَلَفَا في يده غرمهما، والثاني: أنهما للغاصب؛ لحصولهما عنده بما ليس بمال، والثالث: الخل للمالك دون الجلد؛ لأنه صار ما لا يفعله، والرابع: عكسه؛ لأن جلدَ اليتةِ يُقْتَنَى بخلافِ الخمرِ.

فَرْعٌ: إذا قلنا بالأصح أنهما للمالك فلو أعرض المالك عنهما فأخذهما آخذٌ؛ فالأصح من زوائد الروضة هنا، وأصلها في الذبائح أنه ليس للمعرض الاسترداد.

فَصْلٌ: زِيَادَةُ الْمَغْصُوبِ إِن كَانَتْ أَثَرًا مَحْضًا كَقُصَارَةٍ فَلَا شَيءَ لِلْغَاصِبِ بِسَبَبِهَا، لتعديه، وَللْمَالِكِ تَكْلِيفُهُ رَدَّهُ كَمَا كان إِن أَمْكَنَ، أي كما لو اتخذ من النقْرَةِ دَرَاهِمَ لما قلناه من تعدية بما فعل، فإن لم يكن كما في القصارة فلا يكلف ذلك بل يرده بحاله، وَأَرْشَ النَّقْصِ، إن نقصت قيمته، وأرش النقص أي إذا رده ناقصًا لدخوله في ضمانه، وَإِنْ كَانَتْ عَينًا كَبِنَاءٍ وَغِرَاسِ كُلِّفَ الْقَلْعَ، وأرش ما نقص؛ لأنه عرق ظالمٌ، وَإِنْ صَبَغَ الثوْبَ بِصَبْغِهِ، وكان عينا لا تمويهًا، وَأَمْكَنَ فَصْلُهُ، أي بأن كان الصبغُ غيرَ معقودٍ، أجْبِرَ عَلَيهِ فِي الأصَحِّ، كما يملك إجباره

ص: 890

على إخراج الغراس، والثاني: لا لما فيه من الضرر بخلاف الغراس، فإنه لا يضيع بالإخراج، وهذا ما نسبه القاضي إلى عَامَّةِ الأصْحَابِ، وَإن لَمْ يُمْكِن، أي وهو الصبغ المعقود كما قاله الإمام، فَإِن لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ، أي بأن كانت قيمة الثوب عشرة فصارت بعد الصبغ عشرة؛ لا لإِنْخِفَاضِ سُوْقِ الثَّوْبِ بَلْ لأجْلِ الصَّبْغ، فَلَا شَيءَ لِلْغَاصِبِ فِيهِ، لأن صبغه كالمنمحقِ والحالة هذه، ولا شيء على ربِّ الثوب، وَإِنْ نَقَصَتْ، أي قيمته بأن صار يساوي خمسة، لَزِمَهُ الأرْشُ، كغيره من النقص الحاصل في المغصوب بفعل الغاصب، وَإِن زَادَتْ، أي بأن صار يساوي عشرين، اشْتَرَكَا فِيهِ، أي هذا بصبغه وهذا بثوبه، فإن اتفقا على إبقائه فذاك، أو على بيعه قسِّم الثمن بينهما بالسوية، ولو صارت القيمة خمسة فقط أطلقَ الأكثرونَ أنَّ النقصَ محسوبٌ مِنَ الصَّبغِ، وفي تعليق القاضي حسين وأبي الطب والشامل والتتمةِ: أنه إن كان النقص لانخفاض سعر الثياب، فالنقصُ محسوبٌ من الثوبِ، وإن كان الانخفاض من سعر الأصباغ فمن الصبغ، وكذا لو كان النقص بسبب العملِ؛ لأن صاحب الصبغ هو الذي عمل، قال الرافعي: ويمكن أن يكون إطلاق من أطلق منزلًا على هذا التفصيل. واحترز المصنف بقوله: أَوَّل المسألة بصيغة عن صورتين أوضحتهما في الشرح فراجعهما منه مع فوائد جمة يطول بذكرها؛ هذا المختصر.

فَصْلٌ: وَلَوْ خَلَطَ الْمَغْصُوبَ بِغَيرِهِ وَأَمْكَنَ التَّمْيِيزُ لَزِمَهُ وَإِنْ شَقَّ، أي سواء خلط بالجنس أو بغيره لإمكان رد عين ما أخذ، فإن لم يمكن تمييز جميعه وجب تمييز ما أمكن قاله ابن الصباغ، فَإِنْ تَعَذَّرَ، أي بأن خلط الزيت بالزيت، فَالْمَذهَبُ أَنَّهُ كَالتَّالِف فَلَهُ تَغْرِيمُهُ، سواءً خلطه بأَجودَ أو بِأَرْدَأَ أو بمثله؛ لأنه لما تعذر ردُّهُ أشبه التالِفَ، والثاني: أنهما يشتركان في المخلوط ويرجع في قدرِ حَقِّهِ منه، والطريق الثاني: القطع بالأول، والثالث: إن خَلَطا بالمثلِ اشْتَرَكَا وإلّا فكالهالك، وَلِلْغَاصِبِ أَن يُعْطِيَهُ مِنْ غَيرِ الْمَخْلُوطِ، لأنَّ الْحَقَّ قَدِ انْتَقَلَ إِلَى الذِّمَّةِ لأنا صَيَّرْنَاهُ كَالْهَالِكِ.

فَرْعٌ: لو خلط بغير الجنس كزيت بشيرج فالمغصوب هالكٌ لِبطلانِ فائدةُ

ص: 891

خَاصيَّتَّهِ بخلاف الْجَيِّدِ بالرَّدِئِ، وقيل: هو الخلاف في الاختلاط بالجنس.

وَلَوْ غَصَبَ خَشَبَةً وَبَنَى عَلَيهَا أخْرِجَتْ، أي ولو تلف على الغاصب بسببه أضعافَ قيمتهِ لتعدِّيه، وهذا إن لم تَعْفَنْ فإنْ عَفِنَتْ فهي هالكة، وحكم الآجُرَّ؛ وَاللِّبْنِ؛ وَالجُصِّ؛ حُكْمُ الْخَشَبَةِ، وَلَوْ أدْرَجَهَا فِي سَفِينَةٍ فَكَدَلِكَ، أي أنها تخرج لتعديه؛ اللَّهُمَّ إلَّا أنْ تَعَفَّنَ، إلا أن يَخَافَ تَلَفَ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ مَعْصُومَينِ، أي بأن كانت في لُجَّةِ الْبَحْرِ والخشبةُ في أسفلِها لِحُرمَتِهَا، وله أمدٌ ينتظر، وله المطالبة بالقيمة للحيلولة، أما إذا كانت السفينة على الشطِّ أو بقربه رقاق نزع، قاله الماوردي. ولو كان فيها مال للغاصب فالأصح عند الأكثرين كما في الروضة أنه لا ينزعُ، والمعصوم من المال يحترز به عن مال الحربي، وسَبَقَ بَيَانُ الْمُحْتَرَمِ مِنَ النفْسِ فِي التَّيَمُّمِ.

فَصْلٌ: وَلَوْ وَطئَ الْمَغْصُوبَةَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ حُدَّ، لأنه زنًا، وسواء كانت هي عَالِمَةٌ أوْ جَاهِلةٌ، وَإِنْ جَهِلَ، أي تحريمه كجهله بتحريم الزنا مطلقًا أو لتوهم حِلَّهَا لدخولها بالغصبِ في ضمانهِ وقبلنا قوله، فَلَا حَدَّ، لِلشُّبْهَةِ، وَفِي الْحَالينِ يَجِبُ المَهْرُ، أي في حالِ علمهِ دونها وجهلهِ مع جَهْلِهَا؛ لأنها ليست زانيةً والحالةُ هذهِ، إلا أنْ تُطَاوعَهُ فلا يَجِبُ عَلَى الصَّحيح، لِنَهْيِهِ عليه الصلاة والسلام عَنْ مَهْرِ البَغِيِّ (152) وَهِىَ الزَّانِيَةُ، والثاني: يجبُ، لأنَّهُ لِلسَّيِّدِ فلا تُؤَثِّرُ طَوَاعِيَتُهَا فِيهِ، وأجاب الأولُ: بِأَنهُ يُؤَثِّرُ صُنْعُهَا فِيهِ كَرْتِدَادِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَعَلَيهَا الحَدِّ إِنْ عَلِمَتْ، لِزِنَاهَا؛ فإنْ حَهِلَتْ فَلَا، وسكتَ المصنفُ عن أرش البَكَارَةِ، وقد صحح في الروضة هنا تبعًا للرافعي أنه يَلْزَمُهُ مَهْرُء ثَيبٍ وَأرْشَ بَكَارَةٍ.

وَوَطءُ الْمُشْتَرِي مِنَ الْغَاصِبِ كَوَطْئِهِ، أي كوطء الغاصب، في الحَدِّ وَالمَهْرِ،

(152) عن أبي مسعود الأنصاريِّ؛ (أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ؛ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلُوَانِ الْكَاهِنِ). رواه البخاري في الصحيح: كتاب البيوع: باب ثمن الكلب: الحديث (2237). ومسلم في الصحبح: كتاب المساقاة: باب تحريم ثمن الكلب: الحديث (39/ 1567). والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب البيوع: الحديث (11171).

ص: 892

لاشتراكهما في وضع اليدِ فيعودُ ما ذكرناه في حالتي العلم والجهل، إلّا أنَّ جهلَ المشتري قد ينشأ من الجهلِ بكونها مغصوبة أيضًا، فتقبل دعواهُ من غير اشتراط قرب عهده بالإسلام وكونه نشأَ بباديةٍ بعيدة، فَإِنْ غَرَمَهُ، يعني غَرَمَ الْمَالِكُ الْمُشْتَرِيَّ المَهْرَ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ، أي المشترى، عَلَى الغاصِبِ فِي الأظْهَرِ، لأنه باشر الإتلاف، والثاني: يرحع إذا جهل، لأن الغاصب قد غرَّهُ والبيعُ لا يقتضي ضمانَ المهرِ والخلافُ جارٍ في أرشِ الافتضاضِ إن كانتْ بِكْرًا، قال الرافعي: وعدم الرجوع به أظهر لأنه بَدَلَ جزءٍ منها أَتْلَفَهُ فَأشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهَا.

وَإنْ أَحْبلَ، أي الغاصبُ أو المشترى منه، عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، فَالْوَلَدُ رَقِيقٌ غَيرُ نَسِيبٍ، لأَنَّهُ زِنًا، وَإنْ جَهِلَ فَحُرٌّ نَسِيبٌ، للشبهة، والمشهور كما قال في المطلب: إِنَّهُ انْعَقَدَ حُرًّا لَا رَقِيقًا ثُمَّ عُتِقَ، وَعَلَيهِ قِيمَتُهُ، أي بتقدير رِقِّهِ لَتَفْويتِهِ رِقّهُ بِظَنِّهِ، يَوْمَ الإِنْفِصَالِ، أي إن انفصل حيًّا؛ لأن التقويم قبله غيرُ ممكنٍ، فإن انفصل ميتًا بغير جنايةٍ، فالأصحُّ: أنه لا شيء عليه؛ لأنَّ حَيَاتَهُ غَيرُ مُتَيَقَّنةٍ. وإن انفصلَ بجنايةِ الغاصبِ لَزِمَهُ الضَّمَانُ، وَيَرْجِعُ بِهَا، أي بالقيمةِ، الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ، لأنَّ الشِّرَاءَ لم يوجبْ ضَمَانَهُ، لأن مقتضاه أنْ يُسْلِمَ لَهُ الْوَلَدَ حُرًّا مِنْ غَيرِ غَرَامَةٍ.

وَلَوْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَغَرِمَهُ لَمْ يَرْجِعْ لِهِ، أي عالمًا كان أو جاهلًا؛ لأنَّ الشِّرَاءَ عَقْدُ ضَمَان، وَكَذَا لَوْ تَعَيَّبَ عِندَهُ، أي بآفة سماوية، فِي الأَظْهَرِ، كما لا يُرْجِعُ بالقيمةِ عندَ هلاكِ الكُلِّ تسوية بين الجملةِ والأَجْزَاءِ، والثاني: أنه يرجع، لأن العقد يوحبُ ضَمَانَ الْجُمْلَةِ وَلَا يُوْحِبُ ضَمَانَ الأَجْزَاءِ عَلَى الإِنْفِرَادِ، أما إذا تعيَّب بفعل المشتري فإنه يستقرُّ عليهِ ضمانُهُ فطعًا وكذا لو تلف الجميعُ.

وَلَا يَرْجِعُ بِغُرْمِ مَنفَعَةٍ اسْتَوْفَاهَا، أي كالسكنى والركرب واللُّبْسِ، في الأَظْهَرِ، هما القولان في الْمَهْرِ وَأرْشِ الْبَكَارَةِ وقد مَرَّ تَوْجيهِهِمَا، ويرْجِعُ بِغُرْمِ مَما تَلِفَ عِنْدَهُ وَبِأَرْشِ نَقْضِ بِنَائِهِ وَغِرَاسِهِ إِذَا نُقِضَ في الأَصَحِّ، أمَّا الأُولى: وهي منافعُ المغصوب إذا تلفت تحت يد المشتري ولم يستوفها فيضمنها للمالك بأُجْرَةِ مِثْلِهَا، وهل يرجع

ص: 893