الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كِتَابُ الشِّرْكَةِ
الشِّرْكَةُ: هِيَ بِكَسْرِ الشِّينِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ عَلَى أَفْصَحِ اللُّغَاتِ، وَأَصْلُهَا الامْتِزَاجُ، وهي في الشَّرْعُ ثُبُوتُ الْحَقِّ لاثنينِ فَصَاعِدًا فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ كَيفَ كَانَ، والأصلُ فيها قبل الإجماع قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ
…
} الآية (128) وقوله صلى الله عليه وسلم: [يَقُولُ الله تَعَالى أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَينِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَإِنْ خَانَ خَرَجْتُ مِنْ بَينِهِمَا] رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح الإسناد (129).
(128) الأنفال / 41. {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ}.
(129)
رواه أبو داود في السنن: كتاب البيوع: باب في الشركة: الحديث (3383). والحاكم في المستدرك: كتاب البيوع: الحديث (2322/ 193)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب الشركة: باب الأمانة في الشركة: الحديث (11613). ومدار الحديث على أبي حيان يحيى بن سعيد بن حيان؛ في نصب الراية: ج 3 ص 474: قال الزيلعى: أحد الثقات، لكن أبوه لا يعرف له حال، ولا يعرف مَن يروى عنه غير ابنهِ، ويرويه عن أبي حيان همام بن الزبرقان. فِي تهذيب التهذيب: الترجمة (2363): قال ابن حجر: سَعِيدُ بن حَيَّان التَّيمِيِّ روى عن علي، وأبي هريرة، والحارث بن سويد، وشريح القاضي، وروى عنه ابنه. ذكره ابن حبان في (الثِقات) وقال العجلي: كوفي ثِقَةً، ولم يقف ابن القطان على توثيق العجلي فزعم أنه مجهول. إنتهى.
قلت: وعلى هذا عُرف له حال وهو أنه ثِقَةٌ؛ فالحديث صحيحٌ كما قال الحاكم.
هِيَ أَنوَاعٌ، أي أربعة، شِرْكَةُ الأَبْدَانِ كَشِرْكَةِ الْحَمَّالِينَ، وَسائِرُ الْمُحْتَرِفَةِ، لِيَكُون بَينَهُمَا كَسْبُهُمَا مُتَسَاويًا أَو مُتَفَاوتًا مَعَ اتَّفَاقِ الصَّنْعَةِ أَو اختِلافِهَا، أي كنجار وخياط، وعليهما ما يعرِض أي بكسر الراء من غُرْمٍ.
وَشِرْكةُ الْمُفَاوَضَةِ لِيَكُونَ بَينَهمَا كَسْبُهُمَا، أي سواء كان بالبدن أو بالمال، وَعَلَيهِمَا مَا يَعْرِضُ مِنْ غُرْمٍ، من غير خلط مال.
وَشِرْكةُ الْوُجُوهِ بِأَنْ يَشْتَرِكَ الْوَجِيهَانِ لِيَبْتَاعَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمُؤَجَّلٍ لَهُمَا، فَإِذَا بَاعَا، كانَ الْفَاضِلُ عَنِ الأَثْمَانِ بَينَهمَا، وَهَذِهِ الأَنْوَاعُ بَاطِلَةٌ، لما في الأَوَّلِ وَالثَّانِي مِنَ الْغَرَرِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلأَنَّهَا شِرْكَةٌ فِي غَيرِ مَالٍ فَلَمْ تَصُحَّ، كالشركة على الاحتطاب، ولو استعملا لفظ المفاوضة، وأرادا شركة العنان جاز، نص عليه، وسميت مفاوضة من قولهم تفاوضا في الحديث إذا شرعا فيه جميعًا.
وَشِرْكَةُ العِنَانِ، أي بكسر العين، صَحِيحَةٌ، بالإجماع من عنان الدابة أو من عنّ الشيء إذا ظهر، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى الإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ، أي من كل واحد للآخر في نصيب نفسه، لأن المال المشترك لا يحوز لأحد الشريكين التصرف فيه إلّا بإذن صاحبه، ولا يعرف الإذن إلّا بصيغة تدل عليه، فَلَو اقْتَصَرَ عَلَى اشْتَرَكْنَا لَمْ يَكْفِ فِي الأَصَحِّ، لاحتمال كونه إخبارًا عن حصول الشركة في المال؛ ولا يلزم منه جواز التصرف بدليل الوارثين، والثاني: يكفي لفهم المقصُودِ عرفًا، وَفِيهِمَا، أي في الشريكين، أَهْلِيَّةُ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ، أي على ما سيأتي لأن كل واحد منهما موكل ووكيل وفي جواز عقد الشركة في مال المحجور عليه نظر لاستلزامها خلط ماله قبل العقد بلا مصلحة بل يؤثر نقصًا، ولو كان أحدهما المتصرف دون الآخر فيشترط في الإذن أهلية التوكيل وفي المأذون له أهلية التوكل حتى يصح أن يكون الأول أعمى دون الثاني، وَتَصِحُّ فِي كُلِّ مِثْلِيٍّ، بالإِجماع، دُونَ الْمُتَقَوِّمِ، أي بكسر الواو إذ لا يتحقق الخلط فيها، وَقِيلَ: تَخْتَصُّ بِالنَّقْدِ الْمَضْرُوبِ، كالقراض وفي جوازه في التِبْرِ وَجْهٌ.
فَرْعٌ: الأَصَحُّ في الروضة جواز الشركة في المغشوش إذا استمر رَوَاجُهُ.
فَرْعٌ: يشترط في المثلي التساوي في الصفات والقيمة.
ويشْتَرَطُ خَلْطُ الْمَالينِ بِحَيثُ لَا يَتَمَيَّزَانِ، لأنه إذا لم يحصل خلط وتلف أحد المالين قبل التصرف تلف على صاحبه فقط، وتَعَذُّرُ إثباتِ الشركة في الباقي، وَلَا يَكْفِي الْخَلْطُ مَع اخْتِلافِ جِنْسٍ، أي كدراهم ودنانير، أَوْ صِفَةٍ كَصِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ، لإمكان التمييز.
فَرْعٌ: ينبغي أن يتقدم الخلط على العقد، فإن تأخر؛ فالأصح: المنع إذ لا اشتراك حال العقد.
هَذَا إِذَا أخْرَجا مَالينِ وَعَقَدَا، فَإِنْ مَلَكَا مُشْتَرَكًا بِإِرْثٍ وَشِرَاءٍ وَغَيرِهِمَا، وَأَذِنَ كُلٌّ لِلآخَرِ فِي التِّجَارَةِ فِيهِ تَمَّتِ الشِّرْكَةُ، لأن المقصود بالخلط حاصل على وجه أكمل، وَالْحِيلَةُ فِي الشِّرْكَةِ فِي الْعُرُوضِ أَنْ يَبِيعَ كلُّ وَاحِدٍ بَعْضَ عَرْضِهِ بِبَعْضِ عَرْضِ الآخَرِ، أي كنصف بنصف وسواء تجانس العرضان أو اختلفا، وَيَأْذَنْ لَهُ، أي ثم يأذن له، فِي التَّصَرُّفِ، أي بعد تقابضهما وغيره مما شُرِطَ في البيع، قال الماوردي وغره: هذا إذا لم يشترطا في التبايع الشركة، فإن شرطاها فسد البيع، وقوله (كُلٌّ) لا حاجة إليه، ولا يشترط عِلْمُهُمَا بقيمة العرض عند المعاقدة على الصحيح في الروضة.
وَلَا يُشْتَرَطُ تَسَاوي قَدْرَ الْمَالينِ، أي بل تثبت الشركة مع التفاوت على نسبة المالين لأنه لا محذور فيه، وَالأَصَحُّ: أَنّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِقَدْرِهِمَا، أي بقدر المالين، أي بأن يعرف أن المال بينهما مثالثة أو مناصفة، عِنْدَ الْعَقْدِ، أي إذا أمكن معرفته من بعد كما قيده الرافعي لأن الحق لا يعدوهما وقد تراضيا، والثاني: يشترط وإلّا يؤدي ذلك إلى جهل كل واحد بما أَذِنَ فيه وبما أُذِنَ له فيه، وَيَتَسَلَّطُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى التَّصَرُّفِ بِلا ضَرَرٍ، كتصرف الوكيل، فَلَا يَبِيعُ نَسِيئَةً وَلَا بِغَيرِ نَقْدِ الْبَلَدِ وَلَا
بِغَبْنٍ فَاحِشٍ وَلَا يُسَافِرُ بِهِ وَلَا يُبْضِعُهُ، أي وهو دَفْعُهُ إلى من يعمل فيه متبرعًا وريعُهُ لِلْمَالِكِ، بِغَيرِ إِذْنٍ، هذا قيد في الكلِّ، فإن وُجِدَ جاز.
فَرْعٌ: لا يشتري بالغبن أبيضًا.
وَلِكُلٍّ فَسْخُهُ، أي فسخ عقد الشركة، مَتَى شَاءَ، كالوكالة، وَيَنْعَزِلانِ عَنِ التَّصَرُّفِ بِفَسْخِهِمَا، أي بفسخ كلٍّ منهما، لأن العقد قد زال، فَإِنْ قَال، أَحَدُهُمَا: عَزَلْتُكَ، أَوْ لَا تَتَصَرَّفْ فِي نَصِيبِي، لَمْ يَنْعَزِلِ الْعَازِلُ، أي بل المخاطب فقط إذا لم يوجد ما يقتضي عزله فينصرف في نصيب المعزول، وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وَبِجُنُونِهِ وَإغْمَائِهِ، كالوكالة وكذا بِطَرُوءِ السَّفَهِ.
وَالرِّبْحُ وَالْخُسْرَانْ عَلَى قَدْرِ الْمَالينِ تَسَاوَيَا فِي الْعَمَلِ أَوْ تَفَاوَتَا، أي سواء شرطاه أم لا عَمَلًا بقضية الشركة، فَإِنْ شَرَطَا خِلافُهُ فَسَدَ الْعَقْدُ، لأنه مخالف لموضوعها، فَيَرْجِعُ كُلُّ عَلَى الآخَرِ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ فِي مَالِهِ، أي في مال الآخر كما في القراض إذا فسد، وَتَنفُذُ التَّصَرُّفَاتُ، لوجود الإذن، وَالرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ الْمَالينِ، لأنه مستفاد منهما.
وَيَدُ الشَّرِيكِ يَدُ أَمَانَةٍ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ وَالْخُسْرَانِ وَالتَّلَفِ، كالمودع، فَإِنِ ادَّعَاهُ، يعني التلف، بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ بِالسَّبَبِ. ثُمَّ يُصَدَّقُ فِي التَّلَفِ بِهِ، أي بخلاف الخفي فإنه يقبل قوله لعسر إقامة البيّنة عليه بخلاف الظاهر، وَلَوْ قَال مَنْ فِي يَدِهِ الْمَالُ: هُوَ لِي، وَقَال الآخَرُ: مُشْتَرَكٌ، أَوْ بِالْعَكْسِ؛ صُدِّقَ صَاحِبُ الْيَدِ، عملًا بها، وَلَوْ قَال: اقْتَسَمْنَا وَصَارَ لِي؛ صُدِّقَ المُنْكِرُ، لأن الأصل عَدَمُهَا، وَلَو اشْتَرَى وَقَال: اشْتَرَيتُهُ لِلشِّرْكَةِ، أَوْ لِنَفْسِي، وَكَذَّبَهُ الآخَرُ صُدِّقَ الْمُشْتَرِي، لأنه أَعْلَمُ بقصده وسواء ادعى أنه صرح بالشراء للشركة أو نواه، والأول: يقعُ عند ظهور الخسران، والثاني: عند ظهور الربح.
فَرْعٌ نَخْتُمُ بِهِ الْبَابَ: إذا انفسخت الشركة وللشريك دُيُونٌ فاتفقا على أن يكون لكل منهما على بعض الغرماء حصة لم يصح، قال في الاستقصاء: لأنه بيع دَينٍ بِدَينٍ.