الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كِتَابُ الْلُّقَطَةِ
اللُّقَطَةُ: حَكَى ابنُ مالك فيها أَرْبَعَ لُغَاتٍ؛ فقال:
لُقَاطَةٌ وَلُقْطَةٌ وَلُقَطَةٌ
…
وَلَقْطٌ مَا لاقِطٌ قَدْ لَقَطَهْ
قال الأزهريُّ: وَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِغَيرِ الْحَيوَانِ، وَالْحَيوَانُ يُسَمَّى ضَالَّةً. والأصلُ فيها السُّنَّةِ الشَّهيرةِ، والإجماعِ. وهِيَ تَنَاوُلُ مَا لَيسَ بِمَحْفُوْظٍ لِلْحِفْظِ عَلَى صَاحِبِهَا، قاله الشيخ نصرُ المقدسيُّ، ومرادُهُ حَدُّ الالتقاطِ.
يُسْتَحَبُّ الالْتِقَاطُ لِوَاثِقٍ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ، لقوله تعالى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} (209)، وَقِيلَ: يَجِبُ، صيانةً لهُ، وهذا حكاهُ في الروضة تبعًا للرافعيِّ قولًا، وَلَا يُسْتَحَبُّ لِغَيرِ وَاثِقٍ، أي قطعًا لا يخاف من الخيانة، وَيَجُوزُ فِي الأَصَحِّ، لأنَّ خِيَانَتَهُ لم تتحقَّقْ فيأمره بالاحتراز، والثاني: المنعُ. وعبارة المصنف تبعًا للرافعي: عَدَمُ الْوُثُوقِ، وعبارة الغزالي: الْخَوْفُ عَلَى نَفْسِهِ؛ وبينهما فرق، فَإِنَّ الْخَوْفَ أَقْوَى فِي التَّوَقُّعِ مِنْ عَدَمِ الْوُثُوقِ.
فَرْعٌ: سواء قلنا بالوجوب أو بعدمه فلا تضمن اللقطة بالترك.
وَيُكْرَهُ لِفَاسِقٍ، كيلا تدعوه نفسه إلى إتلافها، وجزم الغزالي في وسيطه والشيخ نصر في تهذيبه وابن يونس بأنها كراهةُ تحريمٍ، وقال القاضي أبو الطيب: كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ.
(209) المائدة / 2.
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ الإِشْهَادُ عَلَى الالْتِقَاطِ، كالوديعة، والثاني: يجب وهو وجه، وقيل: قول للأمْرِ بِهِ كما أخرجهُ أبو داود، وغيرُهُ (210)، وحملَهُ الأول على النَّدْبِ، والطريق الثاني: القطعُ بالأولِ. وفي كيفية الإِشهاد أوجهٌ: أصحها في الروضة أنه يذكر بعض أوصافها ولا يستوعبها.
وَأَنَّهُ يَصِحُّ الْتِقَاطُ الصَّبِيِّ كاصطياده، والطريق الثاني: تخريجه على أن المغلَّبَ في اللقطة الولايةُ والأمانةُ فلا تصح؛ أو الاكتساب فيصح، وَالْفَاسِقِ، كاصطياده، والطريق الثاني: تخريجه على الأصل المذكور. والمراد بالفاسق الذي لا يوجب فِسْقُهُ حَجْرًا عليه في ماله، وَالذِّمِّيِّ فِي دَارِ الإِسْلامِ، ترجيحًا لمعنى الاكتساب، والثاني: لا؛ لأنه ممنوعٌ من التسليط في دار الإسلام، ألا ترى أنه لا يُحْيِي، والطريق الثاني: القطع بالأول. قال الرافعي: وربما شرط في التجويز كونه عدلًا في دينه، ثُمَّ الأَظْهَرُ أَنَّهُ يُنْزَعُ مِنَ الْفَاسِقِ وَيُوضَعُ عِنْدَ عَدْلٍ، لأن مال وَلَدِهِ لا يُقَرُّ في يدِهِ فكيفَ مالُ الأَجَانِبِ، والثاني: لا، لأن له حق التملك، نعم يض إليه عدلٌ مشرفٌ، وقيل: لا، وفي المعين عن البسيط: أنه هذا إذا لم تكن العين معرضةً للضياع، فإن كان مِمَّنْ لَا تُؤْمَنُ غَائِلُتهُ وذهابه بالمال؛ فإنه ينزع قطعًا.
وَأَنَّهُ لَا يُعْتَمَدُ تَعْرِيفُهُ بَلْ يُضَمُّ إِلَيهِ رَقِيبٌ، خشيةً من التفريط في التعريف، والثاني: يعتمدُ لأنهُ هُوَ الْمُلْتَقِطُ، ثم إذا تَمَّ التعريف فللملتقط التملك، قال الماورديُّ: ويشهدُ عليهِ الحاكمُ بغرمها إذا جاء صَاحِبُهَا، فإن لم يتملكها كانت في يد الأمين.
(210) عن عياض بن حمار؛ قال: قَال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: [مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ، أَوْ ذَوَي عَدْلٍ، وَلَا يَكْتُمْ وَلَا يُغَيب، فَإِنْ وَجَدَ صَاحِبَهَا فَلْيَرُدَّهَا عَلَيهِ؛ وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللهِ عز وجل يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ]. رواه أبو داود في السنن: كتاب اللقطة: الحديث (1709).
والنسائي في السنن الكبرى: كتاب اللقطة: باب الإشهاد على اللقطة: الحديث (5808/ 1). وابن ماجه في السنن: كتاب اللقطة: باب اللقطة: الحديث (2505) وإسناده صحيح.
فَرْعٌ: لو كان الملتقطُ أمينًا لكنَّهُ ضعيفٌ لا يقدر على القيام بها لم يُنتزع منهُ، وعضده الحاكمُ بأمين (•)، قاله الماوردي.
وَيَنْزِعُ الْوَلِيُّ لُقطَةَ الصَّبِيِّ، أي وجوبًا لحقِّهِ وحَقِّ المالك، وتكون يده نائبةً عنه كما نابتْ في مالِهِ، وعبارة الشافعي رضي الله عنه: ضمنها القاضي إلى وَلِيِّهِ، وفعل فيها ما يفعله الملتقطُ، وظاهرهُ اشتراط إذن الحاكمِ وهو أحوطُ كما قالهُ ابنُ الرفعةِ، وَيُعَرِّفُ، يعني الوليُّ؛ وللصبيِّ التعريفُ أيضًا، وَيتَمَلَّكُهَا لِلصَّبِيِّ إِنْ رَأَى ذَلِكَ حَيثُ يَجُوزُ الاقْتِرَاضُ لَهُ، لأن تمليك اللقطة كالاستقراض، فإن لم يرَ التملكَ حفظه أمانةً ويسلمُهُ إلى القاضي، وَيَضْمَنُ الْوَلِيُّ إِنْ قَصَّرَ فِي انْتِزَاعِهِ حَتْى تَلِفَ فِي يَدِ الصَّبِيِّ، مؤاخذةٌ له بتقصيره، هذا إذا شعر الوليُّ بها؛ فإنْ لم يشعرْ وأَتْلَفَهَا الصبيُّ ضَمِنَ، لا إن تلفتْ في يده في الأصحِّ.
فَرْعٌ: حكمُ لقطةِ الذِّمِّيِّ كالفاسقِ؛ قاله البغوي.
وَالأَظْهَرُ: بُطْلان الْتِقَاطِ العَبْدِ، أي إذا لم يأذن السيد فيه، لأنَّ اللقطةَ أمانةٌ، وولايةٌ ابتداءً وتمليكٌ انتهاءٌ، وهو لا يملكُ، وليس من أهلِ الولايةِ، والأمانةِ. والثاني: صِحَّتُهُ كاحتطابه واحتشاشه ورَجَّحَهُ الغزاليُّ، فإن أذِنَ السَّيَّدُ صَحَّ قطعًا، فَيُسْتَثْنَى من كلامه، وإن نهاهُ فلا يصح قطعًا قاله الإصطخري وقواها في الروضة، وَلَا يُعْتَدُّ بِتَعْرِيفِهِ، أي تفريعًا على الأظهرِ وهو البطلانُ، لأنَّهُ غَيرُ مُلْتَقِطٍ وهي مضمونةٌ عليه، فَلَوْ أَخَذَهُ سَيِّدُهُ مِنْهُ كَان الْتِقَاطًا، أي فيعرفها ويتملك؛ لأنَّ يَدَ العبد إذا لم تكنْ التقاط؛ كان الحاصل في يدهِ ضائعًا بعدُ، ولو لم يأْخُذهُ منهُ بل أَقَرَّهُ في يده ويستحفظهُ لِيُعَرِّفَهُ، فإن كان أمينًا جازَ ولا ضمانَ، وإلا فهو متعد بذلك.
قُلْتُ: الْمَذهَبُ؛ صِحَّةُ الْتِقَاطِ الْمُكَاتَبِ كِتَابَةً صَحِيحَةً، لأنه يملك ما بيده ويتصرف فيه، وله ذمة صحيحة يمكن مطالبتُهُ متى شاء المالِكُ، مع أن اللقطة
(•) في النسخة (1): بأجنبيٍّ.
اكتسابٌ يستعينُ بها على أداءِ نُجُومِهِ، والقول الثاني: إنه لا يصح التقاطه، لأنه يحتاج إلى الحفظِ حَوْلًا والى التعريفِ سَنَةً، وذلك تبرع ناجز وملكها موهومٌ، هذا أصح الطرق حكاية قولين، والثانية: القطعُ بالصحةِ كَالْحُرِّ، والثالثة: القطع بالبطلان بخلاف القِنِّ، فإنَّ السَّيِّدَ ينتزعُ منه، ولا ولاية للسيد على مالِ المكَاتَبِ مع نقصانه، واحترز بالصحيحة عن الفاسدة فإنه كالقن، وقيل: بطرد الخلاف.
وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، أي المذهبُ صِحَّةُ التقاطِهِ أيضًا، ومجموع ما حكى الرافعي فيه ثلاثة طرق: الصحَّةُ قطعًا، وثانيها: أنه على القولين في القِنِّ، وثالثها: الصحة في قدر الْحُرِّيَّةِ قطعًا، وفي الباقى الطريقان، قال: ولهذا قطع المتولي وأبداهُ الشاشِيُّ احتمالًا، ولم يرجح الرافعيُّ من ذلك شيئًا، وإيراد صاحب التنبيه يقتضي القطع بالأُولى، وَهِيَ لَهُ وَلسَيِّدِهِ، أَي يُعَرِّفَانِهَا وَيَتَمَلَّكَانِهَا بحسْبِ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ كشخصين الْتَقَطَا مالًا، فَإِن كَانَتْ مُهَايَأَةٌ، أي بالهمز وَهِيَ الْمُنَاوَبَةُ، فَلِصَاحِبِ النَّوْبَةِ فِي الأَظْهَرِ، بناءً على دخول الكسب النادر في المهايأة، ووجهُ مقابلِهِ عَدَمُ دخوله فيها، والاعتبارُ بوقت الالتقاط، وقيل: بوقت التملك، وَكَذَا حُكْمُ سَائِرِ النَّادِرِ مِنَ الأَكْسَابِ، أي كالوصية والهبة والصدقة والركاز، وَالمُؤَنِ، ففي دخولها في المهايأة القولان والأصح نعم، إِلَّا أَرْشَ الجنايَةِ، وَالله أَعْلَمُ، فإنه لا يدخل في المُهَايَأةِ قطعًا؛ لأنه يتعلق بالرقبة وهي مشتركة.
فَصْلٌ: الْحَيَوَانُ الْمَمْلُوكُ الْمُمْتَنَعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاع، كولد الذئب ونحوه، بِقُوَّةٍ كَبَعِيرٍ؛ وَفَرَسٍ أو بِعَدْوٍ كَأَرْنَبٍ؛ وَظَبْيٍ أَوْ طَيَرَانٍ كَحَمَامٍ، إِنْ وُجِدَ بِمَفَازَةٍ، فَلِلْقَاضِي الْتِقَاطُهُ لِلْحِفْظِ، لأن له ولاية على مال الغائبين ومنصوبة كـ هو، وَكَذَا لِغَيرِهِ، أي كآحاد الناس، فِي الأَصَحِّ، لئلا يأخذها خائنٌ فَتَضِيعَ، وهذا ما نَصَّ عليه في الأُمِّ، والثاني: لا، إذ لا ولاية للآحاد على مال الغير، وهذا في زَمَنِ الأَمْنِ، أما في زَمَنِ النَّهْبِ فيجوزُ التقاطُها قطعًا، وجعل الماوردي مَحِلَّ الخلاف إذا لَمْ يُعْرَفْ مَالِكُهَا، فإنْ عَرَفَهُ أخذها قطعًا لِيَرُدَّهَا عليه وتكونُ أمانةً في يَدِهِ.
وَيَحْرُمُ الْتِقَاطُهُ لِتَمَلُّكِ، لقوله عَلَيهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ في ضَالَّةِ الإِبِلِ [مَا لَكَ وَلَهَا دَعْهَا](211)، وَقِيسَ الباقي عليها وتدخل في ضمانه، فإنْ دَفَعَ إلى الحاكم بَرِئَ في الأصحِّ، وَإنْ وُجِدَ بقَرْيَةٍ، أي أو بموضع قريبٍ منها أو بِبَلَدٍ، فَالأَصَحُّ: جَوَازُ الْتِقَاطِهِ لِلتَّمَلُّكِ، لأنَّها في العمارة تضيعُ بتسليطِ الْخَوَنَةِ، والثاني: المنعُ كالمفازة لإطلاق الحديث، وعبارته في الروضة تبعًا للرافعي وجهان أو قولان، وهذا كله في زمن الأمْنِ، أما في زمن النَّهْبِ وَالْفَسَادِ فيجوزُ التقاطُها قطعًا؛ قاله المتولي، وَمَا لا يَمْتَنِعُ مِنْهَا كَشَاةٍ، أي وَكَسِيْرٍ وَعجولٍ وَفِصْلانٍ، يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ لِلتَّمَلُّكِ فِي الْقَرْيَةِ وَالْمَفَازَةِ، صيانةً لها، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الشاة [هِي لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ](212).
فَائِدَةٌ: الْمَفَازَةُ هِي الْمَهْلَكَة وَهِيَ مِنَ الأَضْدَادِ كَمَا قَالهُ ابْنُ الْقَطَاعِ.
وَيَتَخَيَّرُ آخِذُهُ مِنْ مَفَازَةٍ، فَإِنْ شَاءَ عَرَّفَهُ وَتَمَلَّكَهُ أَوْ بَاعَهُ؛ وَحَفِظَ ثَمَنَهُ؛ وَعَرَّفَهَا ثُمَّ تَمَلَّكَهُ أَوْ أَكلَهُ وَغَرِمَ قِيمَتَهُ إِنْ ظَهَرَ مَالِكَهُ، لأنه إذا لم يفعل ذلك وَاسْتَبْقَاهُ غيرُ متبرعٍ بِنَفَقَتِهِ ذَهَبَتْ قِيمَتُهُ في نفقته فَيَضُرُّ بالمالكِ، والخصلة الأُوْلَى أَوْلَى من الثانية، والثانية أَوْلَى من الثالثة، وقوله (وَعَرَّفَهَا) عَرَّفَ اللقَطَةَ، فإنَّ التعريف
(211) عن زَيدٍ بنِ خَالِدٍ رضي الله عنه؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ اللُّقَطَةِ؛ قَال: [عَرِّفْهَا سَنَةً؛ فَإنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا، وَوكَائِهَا؛ وَإِلَّا فَاسْتَنْفِقْ بِهَا] وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ؛ وَقَال:[مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأكُلُ الشَّجَرَ، دَعْهَا حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا] وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْغَنَمِ، فَقال:[هِيَ لَكَ؛ أَوْ لأَخِيكَ؛ أَوْ لِلذِّئْبِ]. رواه البخاري في الصحيح: كتاب اللقطة: باب مَنْ عَرَّفَ اللُّقَطَةَ: الحديث (2438). ومسلم في الصحيح: كتاب اللقطة: الحديث (5/ 1722) واللفظ له.
(212)
عن زَيدٍ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه؛ قَال: جَاءَ رَجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ؟ فَقَال: [اعْرِفْ عِفَاصَهَا؛ وَوكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً؛ فَإنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُكَ بِهَا] قال: فَضَالَّةِ الْغَنَمِ؟ فَقَال: [هِيَ لَكَ؛ أَوْ لأَخِيكَ؛ أَوْ لِلذِّئْبِ]. رواه البخاري في الصحيح: كتاب المساقاة: الحديث (2372).
لا يكونُ للثمنِ، وإنما يكون لِلُّقَطَةِ، ولذلك صحَّحَ المصنفُ بخطه على قوله (عَرَّفَهَا) وإنما أَنَّثَ عرفها من بين ما ذكرهُ خوف الالتباس من عودِهِ إلى الثمن، فَإِنْ أَخَذَ مِنَ الْعُمْرَانِ فَلَهُ الْخَصْلَتَانِ الأَوَّلَيَانِ لَا الثَّالِثَةُ فِي الأَصَحِّ، أي وهي الأكلُ لسهولة البيع بخلاف الصحراء، ويشقُّ نَقْلُهَا إلى العمران، والثاني: له كما في الصحراء هذا إذا كانت مأكولة، وكذا الجحشُ وَصِغَارُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ على الأصح؛ حتى يعرفها ستةً كغيرها، وإنما جازَ أكلُ الشَّاةِ للحديث، وقوله (عَلَى الأَصَحِّ) صوابُهُ على الأَظْهَرِ كما عبَّر به في الروضة.
وَيَجُوزُ أَنْ يَلْتَقِطَ عَبْدًا لَا يُمَيِّزُ، كسائر الأموالِ، فإنْ ميّز والزمن آمِنٌ لم يَأْخُذْهُ، أو نهب فنعم. قال الروياني؛ ومقتضى كلام الماوردي: أنه يتملكه في الحال، وفيه نظر عندي.
فَرْعٌ: الأَمَةُ التي لا تَحِلُّ كالمجوسِيَّةِ كالعبد فَيَتَمَلَّكَهَا، وإن كانت مِمَّنْ تَحِلُّ فعلى قولين كالاستقراض، وَيَلْتَقِطَ غَيرَ الْحَيَوَانِ، أي من النقود وغيرها، فَإنْ كَانَ يَسْرُعُ فَسَادُهُ كهَرِيسَةٍ فَإِنْ شَاءَ بَاعَهُ وَعَرَّفَهُ لِيَتَمَلَّكَ ثَمَنَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَمَلَّكَهُ فِي الْحَالِ وَأَكَلَهُ، كما سبق في الشاة، لكن سبق هناك خصلة ثالثة؛ وهي إمساكها؛ وهو متعذر هنا، وَقِيلَ: إِنْ وَجَدَهُ فِي عُمْرَانٍ وَجَبَ الْبَيعُ، لِتَيَسُّرِهِ فيه، والأصح: المنعُ كما لو وجدَهُ في الصحراء، وَإِنْ أَمْكَنَ بَقَاؤُهُ بِعِلاج كَرُطَبٍ يَتَجَفَّفُ، فَإِنْ كَانَتِ الْغِبْطَةُ فِي بَيعِهِ بِيعَ، أَوْ فِي تَجْفِيفِهِ وَتَبَرَّعَ بِهِ الْوَاجِدُ جَفَّفَهُ، وَإلَّا بِيعَ بَعْضُهُ لتَجْفِيفِ الْبَاقِي، احترازًا للحفظِ، ويخالفُ الحيوان حيث يباع جميعُهُ، لأنَّ النفقة تتكرَّرُ؛ فتؤدي إلى أنْ يَأْكُلَ نَفْسَهُ.
فَائِدَةٌ: لو وجدَ كلبًا التقَطَهُ، واختَصَّ بالانتفاع به بعدَ التعريف. والخمرةُ المحترمةُ تعرف كالكلبِ.
فَائِدَةٌ ثَانِيَةٌ: يُشترط في اللُّقَطَةِ غيرُ ما سَبَقَ، أن يكون شيئًا ضاع من مالكه لسقوطٍ أو غفلةٍ ونحوهما ليخرجَ ما إذا ألقت الريح ثوبًا في حجرة، وأن يوجد في
موات أو شارع أو مسجد ليخرج ما إذا وجد في أرض مملوكة فإنَّها للمالك، وهكذا حتَّى تَنْتَهِي إلى المحيِي، فإن لم يدعه فحينئذ يكون لُقَطَةً، وأن يكون فِي دار الإسلام أو دار الحربِ وفيها مسلمونَ، أما إذا لم يكن فيها مسلمٌ؛ فما يوجد فيها غنيمةٌ خُمسها لأهل الْخُمْسِ والباقي للواجدِ.
فَصْلٌ: وَمَنْ أَخَذَ لُقَطَةً لِلْحِفْظِ، أي وَصَحَّ الْتِقَاطُهُ، فَهِيَ أَمَانَةٌ أَبَدًا؛ فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى الْقَاضِي؛ لَزِمَهُ الْقَبُولُ، لأنه ينقلها من أمانة إلى أمانة أوثق منها وأصلح لصاحبها، وهذا بخلاف الوديعة من غيرِ ضَرورة لا يلزمُهُ القُبُولُ على الأصَحِّ، لأنه قادرٌ على الردِّ إلى المالِكِ، وَلَمْ يُوجِبِ الأَكْثَرُونَ التَّعْرِيفَ وَالْحَالُ هَذِهِ، لأنه إنما يجبُ لتحقق شرط الملك، والحديث إنما ألزمه بالتعريف لَمَّا جعلها له بعده، والمختارُ الوجوبُ لئلا يكون كتمانًا مفوِّتًا للحَقِّ على صاحبه، نعم؛ قد يقالُ الْكِتْمَانُ إِنِّمَا يَكُونُ إِذَا طَلَبَ مِنهُ فَكَتَمَ وَبِدُوْنِهِ لَا يَكُونُ كِتْمَانًا، ويبعد أن يجب عليه أن يعرف لأجلِ غيرِهِ، وينبغي أنْ يقال: الواجبُ عليه أَحَدُ أَمْرَينِ، إِمَّا التَّعْرِيفُ وَإمَّا رَفْعُ يَدِهَ عَنْهَا، فَلَوْ قَصَدَ بَعْدَ ذَلِكَ خِيَانَةً لَمْ يَصِرْ ضَامِنًا فِي الأَصَحِّ، كالمودع لا يضمن بِنيَّةِ الخيانَةِ على الأصح، والثاني: يصيرُ مضمونًا؛ لأنَّ سبَبَ أمانتِهِ مُجَرَّدُ نِيَّةٍ، وإلا فأخذُ مال الغير بغير إذنه؛ ورضاهُ؛ مما يقتضي الضمانُ؛ بخلاف المودع؛ فإنه مُسَلَّطٌ مُؤْتَمَنٌ من جهة المالك، وَإنْ أَخَذَهُ بِقَصْدِ الْخِيَانَةِ فَضَامِنٌ، عملًا بقصده، وَلَيسَ لَهُ بَعْدَهُ أَنْ يُعَرِّفَ وَيَتَمَلَّكَ عَلَى المَذْهَبِ، كما أن الغاصب ليس له التملك، قال في أصل الروضة: وبهذا قطع الجمهور، والطريق الثاني: فيه وجهان؛ وعليهما اقتصر الرافعي في الشرح الصغير أحدهما: هذا؛ والثاني: أنَّ لَهُ التَّمَلُّكَ لِوُجُودِ صُوْرَةِ الالْتِقَاطِ وَالتَّعْرِيفِ، وَإِنْ أَخَذَ لِيُعَرِّفَ وَيَتَمَلَّكَ فَأَمَانَةٌ مُدَّةَ التَّعْرِيفِ، كالمودع، وَكَذَا بَعْدَهَا مَا لَمْ يَخْتَرِ التَّمَلُّكَ فِي الأَصَحِّ، كما قبل الحول؛ لكن إذا اختار، وقلنا لا بد من التصرف فحينئذ تكون مضمونة عليه كالقرض، وقال الغزاليُّ وشيخُهُ: تكونُ مضمونةً عليه وإن لم يتملكها، لأنه صارَ مُمسكًا لنفسه فَأَشْبَهَ الْمُسْتَامَ، وَيَعْرِفُ جِنْسَهَا، أي أَذَهَبٌ هُوَ أَوْ غَيرُهُ، وَصِفَتَهَا، أي أَهُرَويَّة أَمْ مَرُويَّةٌ، وَقَدْرَهَا، أي بوزنٍ
وعددٍ، وَعِفَاصَهَا، أي وهو الوعاءُ من جلدٍ وغِره، وَوكَاءَهَا، أي وهُوَ الخيطُ الذي تُشَدُّ بِهِ، أما الوكاءُ والعفاص فلحديث زيد بن خالد الجهني [اعْرِفْ وكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرفْهَا سَنَةً] الحديث متفق عليه (213)، وأما الباقي فبالقياس بجامِع معرفةِ ما يتميزُ به ليعرف صدق واصفها، ولئلا يختلط بماله، ويستحب تقييدها بالكتابةِ خوف النسيانِ؛ وقوله (وَيَعْرِفُ) وهو بفتح الياء من المعرفةِ وهي العِلْمُ.
فَرْعٌ: يَعْرِفُ أَيضًا كَيلَ الْمَكِيلِ وَطُوْلَ الثَّوْبِ وَعَرْضِهِ وَرِقَّتِهِ وَصَفَاقَتِهِ.
ثُمَّ يُعَرِّفُهَا فِي الأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ، أي عند خروج الناس منها، لأنَّهُ أقربُ إلى وجودِ ربها، ولا يُعَرِّفُ دَاخِلَهَا، كما لا تُنْشَدُ الضالَّةُ فيها، واستثنى بعضهم من المساجدِ المسجدَ الحرامَ وصححه الماورديُّ والشَّاشِيُّ، وَنَحْوهَا، أي كَمَجَامِع النَّاسِ، لما ذكرناه من كونه أقربُ إلى وحودِ ربِّها، سَنَةً، للحديث المتقدم، والمعنى فيه أنَّ السَّنَةَ لا تتأخر عنها القوافل وتمضي فيها الأزمنة المقصودة من الْحَرِّ والْبَرْدِ وَالاعْتِدَالِ.
فَرْعٌ: وجد رجلان لقطة يُعَرِّفَانِهَا وَيَتَمَلَّكَانِهَا، وهل يعرفانها سنة جميعًا أو يعرف أحدهما نصفها والآخر نصفها، أو يعرف كل منهما سَنَةً، لأنه في النصف كملتقط كامل؟ فيه احتمالان لابن الرفعة قال: والأشبهُ الثاني.
فَرعٌ: أشبه الوجهين أنه لا تجب المبادرة بالتعريف على الفور لإطلاق الحديث، والمعتبر تعريف سَنَةٍ متى كان.
عَلَى الْعَادَةِ، أي ليس المعنى بتعريفها سَنَةً؛ استيعابَ السَّنَةِ بالتعريفِ، بَلْ يجرِي
(213) عن زَيدٍ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه؛ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ عَن اللُّقَطَةِ؟ فَقَال: [اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً؛ فَإنْ جَاءَ صَاحِبُهَا؛ وَإِلَّا فَشَأْنُكَ بِهَا] قال: فَضَالَّةِ الْغَنَمِ؟ فَقَال: [هِي لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ]. رواه البخاري في الصحيح: كتاب المساقاة: الحديث (2429). ومسلم في الصحيح: كتاب اللقطة: الحديث (1/ 1722): ح (11 - 12) ص 263.
في ذلك على العادةِ، يُعَرِّفُ أَوَّلًا كُل يَومٍ طَرَفَي النَّهَارِ ثُمَّ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً ثُمَّ كُلَّ أُسْبُوعٍ، أي مَرَّةً أو مَرَّتَينِ، ثُم كُل شَهْرٍ، أي بحيث لا ينسى أنَّ الأخيرَ تكرارٌ لِلأَوَّلِ ولا يُعَرِّفُ لَيلًا، وَلَا تَكْفِي سَنَةٌ مُتَفَرقَةٌ فِي الأَصَحِّ، أي بِأَنْ يُعَرِّفَ شَهْرًا وَيَترُكَ شَهْرًا كما صَوَّرَهَا ابن الصباغ وسليم وغيرهما، أو اثني عشر شهرًا من اثني عشر سنةً كما صورها القاضي أبو الطيب والقاضي حسين، لأن المقصود أن يبلغ الخبر للمالك؛ والتفريق لا يُحَصِّلُ هذا المقصود، ولأنَّ المفهومَ (•) مِن السَّنَةِ: التوالي؛ كما لو حلف لا يُكَلِّمُ زَيدًا سَنَةً. قُلْتُ: الأَصَح تَكْفِي، وَالله أَعْلَمُ، لإطلاق الخبر وكما لو نذر صوم سَنَةٍ يجوزُ تفريقها وصحَّحَهُ العراقيون.
فَرْعٌ: المالُ الموجودُ في دار الحرب إذا أمكنَ كونه لمسلمٍ وجب تعريفُهُ ثُمَّ، بَعْدَهُ هُوَ غَنِيمَةٌ، وقيل لِلْوَاجِدِ تَمَلُّكُهُ، وأما صفة التعريف، فقال الشيخ أبو حامد: يُعَرَّفُ يومًا أو يومين؛ وَيَقْرُبُ منه قولُ الإِمامِ: يكفي بلوغُ الأخبار إلى الأجناد إذا لم يكن هناك مسلم سواهم ولا ينظر إلى احتمال مرور التجار، وفي المهذب والتهذيب: يُعَرَّفُ سَنَةً، ذكره كله في أصل الروضة تبعًا للرافعي في السِّيَرِ، وَأَفْهَمَ كَلامُ الروياني ترجِيحَ الثاني.
فَصْلٌ: وَيَذْكُرُ بَعْضَ أَوْصَافِهَا، يعني في التعريف، لأنَّهُ أقربُ إلى الظَّفَرِ بالمالِكِ؛ وذلك مستحبٌّ؛ لا شرط في الأصحِّ، واحترز بقوله (بَعْضَ أَوْصَافِهَا) عن كلِّها، فإنه لا يستوعبها ولا يبالغُ فيها لئلا يعتمدها الكاذبُ، فإنْ فَعَلَ ضَمِنَ على الأصحِّ من زوائده في الروضة.
وَلَا يَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ التَّعْرِيفِ إِنْ أَخَذَ لِحِفْظٍ، أي إذا قلنا بوجوب التعريف والحالةُ هذه، بَل يُرَتِّبُهَا الْقَاضِي مِنْ بَيتِ الْمَالِ أَوْ يَقْتَرِضُ عَلَى الْمَالِكِ، أي أو يأمرَ الملتقطَ ليرجع كما في هربِ الْجَمَّالِ، فإن لم يوجبْ التعريف والحالة هذه فهو متبرِّعٌ إذا عَرَّفَ.
(•) في النسخة (1): المقصود.
وَإِنْ أَخَذَ لِتَمَلُّكٍ لَزِمَتْهُ، لقصد التملك، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَتَمَلَّك فَعَلَى الْمَالِكِ، لعود الفائدة إليه والأصحُّ أنها على الملتقطِ لما تقدم، ولو قصدَ الأمانةَ أوَّلًا ثم قصد التملك ففيه وجهان نظرًا إلى منتهى الأمرِ ومستقرِّهِ، وأفهم كلامُهُ تبعًا للرافعي: أنه إذا تملك فالمؤنة عليه قطعًا، ومحله إذا لم يظهر المالكُ، أما إذا ظهر فأطلق في الروضة تبعًا للرافعي فيه الخلاف؛ وظاهر ذلك أنه لو كان ظهورهُ بعد التملكِ. فلو عَبُّرَ بقوله وقيل إِنْ لَمْ يَظْهَرِ الْمَالِكُ فَعَلَيهِ لكانَ أحسنُ.
وَالأَصَحُّ: أَنَّ الْحَقِيرَ لَا يُعَرَّفُ سَنَةً، لأنَّ فاقدَهُ لا يدومُ على طلبهِ سَنَةً بخلاف الْخَطِيرِ، والثاني: أنه يُعَرِّفُ سَنَةً كالكبير لإطلاقِ الأخْبَارِ، بَلْ زَمَنًا يُظَنُّ أَنَّ فَاقِدَهُ يُعْرِضُ عَنْهُ غَالِبًا، أي ويختلف ذلك باختلاف المال، وَعَبَّرَ الأَئِمَّةُ عَنْهُ بِأَنَّهُ يُعَرِّفُ يومًا أو يومين وأكثرُهُ ثلاثة، قال الروياني: فدانقُ الفِضَّةِ يُعَرُّفُ في الحالِ ودانقُ الذَّهَبِ يُعَرَّفُ يومًا أو يومين أو ثلاثة، والوجه الثاني: أنه يكفي مَرَّةً؛ لأن يخرج بها عن حَدِّ الْكَاتِمِ، والثالث: يكفي تعريفهُ ثلاثةَ أيَّامٍ لحديث ضعيف فيه (214)، وفي وجه غريب: أنه لا يجبُ تعريف القليل، حكاه الماوردي وغيره، وكل هذا إذا لم يبلغ في القلَّة إلى حَدٍّ تسقطُ مَعَهُ القيمةُ فإن بلغَ ذلك كَالثَّمَرَةِ لم يجبْ تعريفُهُ، نعم؛ هل يزول ملك صاحبه عنه إذا وقع منه؟ وفيه وجهان في الوافي.
فَرْعٌ: الأصَحُّ في ضَابِطِ الْحَقِيرِ: أَنَّهُ مِمَّا يَقِلُّ أَسَفُ فَاقِدِهِ عَلَيهِ غَالِبًا.
(214) عن يَعْلَى بن مُرَّةً؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: [مَنِ الْتَقَطَ لُقَطَةً يَسِيرَةً؛ حَبْلًا أوْ دِرْهَمًا أَوْ شِبْهَ ذَلِكَ، فَلْيُعَرِّفْهُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ فلْيُعَرِّفْهُ سِتَّةَ أَيَّامٍ]. رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب اللقطة: باب ما جاء في قليل اللقطة: الحديث (12333)، وقال: تفرد بن عمرو بن عبد الله بن يعلى، وقد ضعفه يحيى بن معين، ورماه جرير بن عبد الحميد بشُرْبِ الْخَمْرِ. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: باب اللقطة: ج 4 ص 169: رواه أحمد من طريق عمرو بن عبد الله بن يعلى، فإن كان عمرو فلا أعرفه، وإن كان عمر فهو ضعيف. وقال: رواه الطبراني في الكبير وفيه عمر بن عبد الله بن يعلى وهو ضعيف. قلتُ: رواه الإِمام أحمد في المسند: ج 4 ص 173. وفيه [فَلْيُعَرفهُ سَنَةً].
فَصْلٌ: إِذَا عَرَّفَ سَنَةً لَم يَمْلِكْهَا حَتَّى يَخْتَارَهُ بِلَفْظِ كَتَمَلَّكتُ، أي ونحوه؛ لأنَّهُ تمليكُ مال بِبَدَلٍ فافتقرَ إلى لفظٍ كالتملك بالشراء، وَقِيلَ: تَكْفِي النِّيَّةُ، لأنَّ اللَّفْظَ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ حَيثُ يَكُونُ إِيجَابٌ، وَقِيلَ: يَمْلِكُ بِمُضِيِّ السَّنَةِ، وإن لم يرضَ بالتملك، إذا كان قصدٌ عند الأخذ التملك؛ بعد التعريف؛ لأنَّهُ جاء في روايةٍ رَوَاها مسلمٌ [فَإنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ](215)، واستثنى الإمام على هذا الوجه ما إذا التقطها للحفظ الدائم أو للتملك، ثم أراد الحفظ الدائم؛ فإنه لا يملكُ بمضي حول التعريفِ؛ قال: ولو أطلقَ الالتقاطَ احتملَ أنْ يَمْلِكَ إِنْ غَلَّبْنَا الْكَسْبَ، فَإِن تَمَلْكَ فَظَهَرَ الْمَالِكُ وَاتَّفَقَا عَلَى رَدِّ عَييهَا، أي التخلية بَينَهُ وَبَينَهَا؛ فَإِنَّ الواحِبَ عليهِ، فَذَاكَ، وَإِنْ أَرَادَهَا الْمَالِكُ؛ وَأرَادَ المُلْتَقِطُ الْعُدُولَ إِلَى بَدَلِهَا؛ أُجِيبَ الْمَلِكُ فِي الأصَحِّ، كما في القرض، والثاني: يُجاب الملتقطُ كما قيل به في القرض وهو ضعيف لقوله عليه الصلاة والسلام [فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدَّهَا إِلَيهِ] متفق عليه (216)، وَإِنْ تَلِفَتْ غَرِمَ مِثْلَهَا، أي إن كانت مِثْلِيَّةٌ، أَو قِيمَتَهَا يَوْمَ التَّمَلكِ، لأنَّ وقت ثبوتها في ذمته، وَإِنْ نَقَصَتْ بِعَيبٍ فَلَهُ أَخْذُهَا مَعَ الأَرْشِ. فِي الأصَحِّ، لأنَّ الكُلَّ مضمونٌ عليه، فكذلك البعض، والثاني: يقنعُ بها ولا يغرمه الأرش، لأن النقصان حصل في ملكه فلا يضمنه.
وَإِذَا ادَّعَاهَا رَجُلٌ! وَلَمْ يَصِفْهَا؛ وَلَا بَيِّنَةَ لَمْ تُدْفَع إِلَيهِ، لقوله عليه الصلاة والسلام: [لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ
…
] الحديث (217)، اللَّهُمَّ إلا أن يعلم الملتقطُ
(215) رواه مسلم في الصحيح: كتاب اللقطة: الحديث (6/ 1722) ولفظه [فَإنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرف عِفَاصَهَا وَعَدَدَهَا وَوكَاءَهَا فَأَعْطهَا إِيَّاهُ وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ].
(216)
رواه البخاري في الصحيح: كتاب العلم: باب الغضب في الموعظة: الحديث (91).
ومسلم في الصحيح: كتاب اللقطة: الحديث (5/ 1722) واللفظ له. والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب اللفطة: باب اللقطة: الحديث (12283).
(217)
* الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَال: [لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالهُمْ، وَلَكَنَّ اليَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيهِ]. =
أنها له فيلزمه الدفع إليه، وَإِنْ وَصَفَهَا وَظُنَّ صِدْقُةُ جَار الدَّفْعُ، عملًا بظه لكن يَضْمَنُهَا، وَلَا يَجِبُ عَلَى المَذهَبِ، لأنه مُدَّعٍ فيحتاجُ إلى البَيِّنَةِ، والثاني: فيه وجهان؛ أحدهما: يحب لظاهر الحديث السالف وفي رواية لأبي داود [فَإنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فيعرف عِفَاصَهَا وَوكَاءَهَا فَادْفَعْهَا إِلَيهِ] ثم قال: ليست بمحفوظة. قال البيهقي: وهو الأشبه، وأنكر ابن حزم ذلك على أبي داود (218)، ووافق الظاهرية وأصحابه في وجوب الدفع بالوصف، ولأن إقامة البينة على اللقطة قد تعسر، والثاني: لا؛ لما سلف، واحترز بقوله (وَظُنَّ صِدْقُهُ) عما إذا لم يغلب على الظن صدقه، فإنه لا يجوزُ الدفعُ اتفاقًا؛ وكذا لا يجوزُ على المشهور.
= رواه مسلم في الصحيح: كتاب الأقضية: باب اليمن على المدعى عليه: الحديث (1/ 1711). ورواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الدعوى: الحديث (21801).
* عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: قَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: [لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ؛ لَذَهَبَ دمَاءُ قَوْمٍ وَأَمْوَالُهُمْ]. رواه البخاري في الصحيح: كتاب التفسير: باب (3): الحديث (4552). والبيهقي في السنن الكبرى: الحديث (11637).
(218)
* عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، قال: وَسُئِلَ (أي رسول الله صلى الله عليه وسلم عَنِ اللُّقَطَةِ،
فَقَال: [تُعَرِّفُهَا حَوْلًا، فَإنْ جَاءَ صَاحِبُهَا دَفَعْتَهَا إِلَيهِ، وَإِلَّا عَرَفتَ وكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا؛ ثُمَّ أفْضِهَا فِي مَالِكَ؛ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيهِ، رواه أبو داود في السنن: الحديث (1707).
* وقال في الحديث (1708) وزاد فيه: [فَإن جَاءَ بَاغِيهَا فَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَعَدَدَهَا فَادْفَعْهَا إِلَيهِ، وقال حماد أيضًا: عن عبيد الله بن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله؛ قال أبو داود: وهذه الزيادة إلى زادها حماد بن سلمة في الحديث: [فَإنْ جَاءَ بَاغِيهَا فَعَرَفَ عِفَاضهَا وَوكَاءَمَا فَادْفَعْهَا إِلَيهِ] ليست بمحفوظة.
* أما إنكار محمد بن حزم على أبي داود؛ قال: وهذا لا شيء ولا يجوز أن يقال فيما رواه الثقات مسندًا: هذا غير محفوظ
…
وقال: بل هي مشهورة محفوظة.
ينظر: المحلى لابن حزم: احكام اللقطة: ج 5 ص 265.
* قال البيهقي في السنن الكبرى: كتاب اللقطة: الحديث (12347): وهذه اللفظة ليست في رواية أكثرهم، فيشبه أن تكون غير محفوظة كما قال أبو داود.
فَرْعٌ: لو وصفها جماعةٌ؛ قال القاضي أبو الطيب: أجعنا على أنها لا تُسَلَّمُ لهم.
فَإنْ دَفَعَ فَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً بِهَا حُوِّلَتْ إِلَيهِ، عملًا بها؛ فإنَّ البَيِّنَةَ أَولى، فَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ؛ فَلِصَاحِبِ الْبَيِّنَةِ تَضْمِينُ المُلْتَقِطِ وَالمَدْفُوعِ إِلَيهِ وَالْقَرَارُ عَلَيهِ، يعني على المدفوع إليه لتلفهِ عليه، ولأنه ظالم بزعمه فلا يرجع على غير ظالمه، وإنما يكون القرارُ على المدفوع إليه إذا لم يقر الملتقط له بالملك، فإن أقَرَّ فلا رجوعَ لهُ عليه مؤاخذة بقولهِ؛ وهذا إذا دفع بنفسه، أما إذا ألزمه الحاكم الدفع فليس لصاحب اللقطة تضمينه.
قُلْتُ: لَا تَحِلُّ لُقطَةُ الْحَرَمِ لِلتَّمَلُّكِ عَلَى الصَّحِيح، أي بل للحفظ أبدًا لقوله عليه الصلاة والسلام [لَا يَلتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلا مَنْ عَرَّفَهَا] متفق عليه (219)، وفي رواية البخاري [لَا تَحِلُّ لَقَطهَا إِلا لِمُنْشِدٍ](220) والمراد به الواجِدُ، والمعنى فيه أنَّ مكَّةَ شرفها الله تعالى مثابة للناس وأمنًا يعودون إليها مرة بعد أخرى، فربما يعود من أضَلَّهَا أو يبعثُ في طلبها، والثاني: تحل لأنها نوع كسب فاستوى فيها الحل والحرم غيرها، والمراد بالخير: أنَّه لا بد من التعريف بسائر البلاد لكلا يتوهم أن تعريفها في الموسم كافٍ لكثرة الناس، وَيَبْعُدُ العَوْدُ في طلبها من الآفاق، وقيل: المراد به إيجاب
(219) عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: [إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَامْ حَرَّمَهُ اللهُ؛ لَمْ يَحِلَّ فِيهِ الْقَتْلُ لأحَدٍ قَبْلِي، وَإِنَّهَا أحِلَّتْ لِىَ سَاعَةً؛ فَهُوَ حَرَامٌ حَرَّمَهُ الله إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُنَفَّرُ صَيدُهُ وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إلا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ] فَقَال الْعباسُ: إلا الإذْخِرَ، فَإنَّهُ لَبُيُوْتِهِمْ؟ فَقَال:[إلا الإِذْخِرَ]. رواه البيهقي في السنن الكبرى: الحديث (12354)، وقال: رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن رافع. قلتُ: رواه مسلم في كتاب الحج: باب تحريم مكة وتحريم صيدها: الحديث (445/ 1353). وقال وأخرجاه من حديث جرير بن منصور. قلتُ: رواه البخاري في الصحيح: كتاب جزاء الصيد: باب لا يحل القتال بمكة: الحديث (1834). ومسلم في الصحيح: الحديث (445/ 1353).
(220)
رواه البخاري في الصحيح: كتاب اللقطة: باب كيف تعرف لقطةُ أهل مكة: الحديث (1433).
التعريف في لقطة الحرم دون غيرها، وَيَجِبُ تَعْرِيفُهَا قَطْعًا، وَاللهُ أَعْلَمُ، أي بخلاف من التقطه للحفظ أبدًا، فإن في وجوب التعريف عليه خلاف كما تقدم الحديث الصحيح ذلك؛ ونُقل في الروضة عن الأصحاب: أنَّه يلزمه الإقامة للتعريف أو دفعها إلى الحاكم.
فَرْعٌ: في لقطة عَرَفَة ومصلَّى إِبراهيم مع كونهما من الحل، وجهان: حكاهما الماوردي: أحدهما: أنَّهُمَا كلقطةِ مكة، لأنها مجمع الحاج أيضًا، والثاني: لا؛ كسائر الحلِّ.
خَاتِمَةٌ: في فتاوي الحناطي ومنها نقلتُ؛ أنَّه سئل عن من وَجَدَ لُقَطَة وَعَرَّفَهَا وَتَمَلَّكَهَا ثُمَّ مَاتَ هل يجوز أنْ يوصي إلى الوصيِّ أو إلى الورثة حتَّى يضمنوا قيمتها لمالكها لو ظهر؟ قال: نعم؛ يوصى بذلك.