المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فأشرف منها الحق للخلق ناصعاً … وأعشى عيون الملحدين سناها وأجدر - عيون الرسائل والأجوبة على المسائل - جـ ١

[عبد اللطيف آل الشيخ]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌القسم الأول: الدراسة

- ‌الباب الأول: عصر المؤلف وحياته

- ‌الفصل الأول: عصر المؤلف

- ‌المبحث الثالث: الحالة الدينية

- ‌المبحث الأول: الحالة السياسية

- ‌المبحث الثاني الحالة الاجتماعية

- ‌الفصل الثاني: حياة المؤلف

- ‌المبحث الأول: اسمه ونسبه

- ‌المبحث الثاني ولادته وأسرته

- ‌المبحث الثالث صفاته الذاتية والفكرية

- ‌المبحث الرابع نشأته العلمية ورحلاته

- ‌المبحث الخامس شيوخه

- ‌المبحث الساس: تلاميذه

- ‌المبحث السابع ثقافته وإنتاجه العلمي

- ‌المبحث الثامن عقيدته

- ‌المبحث التاسع أعماله ووظائفه

- ‌المبحث العاشر حياته السياسية

- ‌المبحث الحادي عشر وفاته والمرثيات التي قيلت فيه

- ‌المبحث الثاني عشر: ثناء علمائه عليه

- ‌الباب الثاني: دراسة الكتاب

- ‌الفصل الأول: التعريف بالكتاب

- ‌المبحث الأول: عنوان المخطوط

- ‌المبحث الثاني ترجمة جامع الرسائل

- ‌المبحث الثالث توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف

- ‌المبحث الرابع موضوع الكتاب

- ‌المبحث الخامس وصف النسخة الخطية والمطبوعة

- ‌الفصل الثاني: دراسات تقويمية للكتاب

- ‌المبحث الأول: منهج المؤلف في الكتاب

- ‌المبحث الثاني مصادره

- ‌المبحث الثالث قيمة الكتاب

- ‌القسم الثاني: تحقيق النص

- ‌مقدمة جامع الكتاب

- ‌الرسائل الخاصة بعقيدة التوحيد والاتباع وما ينافيها من الشرك والابتداع

- ‌الرسالة الأولى: إلى عبد العزيز الخطيب

- ‌مدخل

- ‌فصل في معنى الظلم والمعصية والفسوق والفجور

- ‌الأصل الأول: أن السنة والأحاديث النبوية هي المبينة للأحكام القرآنية

- ‌الأصل الثاني: أن الإيمان أصل، له شعب متعددة

- ‌الأصل الثالث: حقيقة الأيمان

- ‌الأصل الرابع: أنواع الكفر

- ‌الأصل الخامس: لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمنا

- ‌مسألة في من يعمل سنة ختمة في ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم هل ذلك مسنون أو لا

- ‌مسألة: في النوم في المسجد

- ‌الرسالة الثانية: إلى إبراهيم بن عبد الملك

- ‌تقديم جامع الرسائل

- ‌المسألة الأولى: الإنكار على من كفر أناسا شمتوا بانتصار أعداء المسلمين عليهم

- ‌المسألة الثانية: في حظر الإقامة حيث يهان الإسلم ويعظم الكفر

- ‌المسألة الثالثة: حكم تصرف الوالد في مال ولده الصغير

- ‌المسألة الرابعة: حكم تملك الوالد جميع مال ولده

- ‌المسألة الخامسة: إذا كان لرجل على آخر دين مثل الصقيب يكون له الدين الكثير يصطلحان بينهما

- ‌الرسالة الثالثة: إلى إبراهيم بن عبد الملك

- ‌الرسالة الرابعة: إلى محمد بن علي آل موسى

- ‌الرسالة الخامسة: إلى حسن بن عبد الله

- ‌الرسالة السادسة: إلى حمد بن عبد العزيز

- ‌الرسالة السابعة: إلى أهل الفرع

- ‌الرسالة الثامنة: نصيحة إلى كافة المسلمين

- ‌الرسالة التاسعة: إلى محمد بن عجلان

- ‌الرساة العاشرة: إلى عبد الله بن عبد العزيز الدوسري

- ‌التوصية بلزوم الكتاب والسنة

- ‌الرسالة الحادية عشرة: إلى أهل عنيزة

- ‌فتنة القبور والتوسل بالموتى

- ‌الرسالة الثانية عشرة: إلى علي بن أحمد بن سلمان

- ‌قول العلماء في الجهمية والرد عليهم

- ‌تفضيل القبورين للقبور على الكعبة

- ‌الرسالة الثالثة عشرة: إلى زيد بن محمد

- ‌المسألة الأولى: عن قول الله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ

- ‌ المسألة الرابعة: عن قوله صلى الله عليه وسلم في الدعاء المشهور: " إلى من تكلني إليه، إلى بعيد يتجهمني

- ‌المسألة السادسة: عن قوله تعالى: {قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا

- ‌الرسالة الرابعة عشرة: محمد بن عون

- ‌الرسالة الخامسة عشرة: إلى صالح محمد الشثري

- ‌الرسالة السادسة عشر: إلى محمد بن راشد الجابري

- ‌الرسالة السابعة عشرة: إلى عبد الله بن معيذر

- ‌حول كتاب الإحياء للغزالي

- ‌[فصل] في بيان أشياء مهمة، أنكرت على أبي حامد:

- ‌الرسالة الثامنة عشرة: إلى صالح بن عثمان بن عقيل

- ‌الرسالة التاسعة عشرة: إلى الإمام فيصل

- ‌الرسالة العشرون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة الحادية والعشرون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة الثانية والعشرون: إلى محمد بن علي آل موسى، وإبراهيم بن راشد، وإبراهيم بن مرشد

- ‌الرسالة الثالثة والعشرون: إلى الإخوان محمد بن علي وإبراهيم بن راشد

- ‌الرسالة الرابعة والعشرون: إلى حمد بن على وإبراهيم بن مرشد

- ‌الرسالة الخامسة والعشرون: إلى أبراهيم بن راشد وإبراهيم بن مرشد

- ‌الرسالة السادسة والعشرون: إلى الشيخ حمد بن عتيق

- ‌الرسالة السابعة والعشرون: إلى من وصل من المسلمين

- ‌الرسالة الثامنة والعشرون: إلى عبد الله بن نصير

الفصل: فأشرف منها الحق للخلق ناصعاً … وأعشى عيون الملحدين سناها وأجدر

فأشرف منها الحق للخلق ناصعاً

وأعشى عيون الملحدين سناها

وأجدر وأجوبة/ تسمو (1) / وتسمق بالهدى

لأسئلة قد أشكلت فجلاها

يضئ لأهل الحق منها نواشر

يفوح عبير المسك طيب شذاها

إذا أرسل النحرير ثاقب فكره

يفيح معانيها وشأو ذُراها

أقرّ له بالفضل والعلم والحجا

وإن قد تسامى للعلى فعلاها (2)

وهذا نص الموجود من الرسالة (3) :

(1) في جميع النسخ (تسموا) ، وفي المطبوع المثبت.

(2)

القصيدة لجامع الرسائل، الشيخ سليمان بن سحمان، وقد وردت في الدرر السنية، 12/72، وأوردها أيضا الشيخ إبراهيم بن عبيد في تذكرة أولي النهى والعرفان، 1/223

(3)

كلام جامع الرسائل هنا يوهم أن الرسالة ناقصة، وأنه هنا يذكر الجزء الموجود منها، لكن الرسالة كاملة.

ص: 157

‌الرسائل الخاصة بعقيدة التوحيد والاتباع وما ينافيها من الشرك والابتداع

‌الرسالة الأولى: إلى عبد العزيز الخطيب

‌مدخل

أولاً: الرسائل الخاصة بعقيدة التوحيد والاتباع وما ينافيها من الشرك والابتداع

الرسالة الأولى (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، إلى عبد العزيز الخطيب (2) ، سلام على عباد الله الصالحين، وبعد:

فقرأت رسالتك وعرفت مضمونها، وما قصدته من الاعتذار، ولكن أسأت الإنكار على من يكفر المسلمين في قولك: إن ما أنكره شيخنا الوالد (3) من تكفيركم أهل الحق (4) واعتقاد إصابتكم، إنه لم يصدر منكم، وتذكر أن إخوانك

(1) وردت هذه الرسالة في الدرر السنية، 1/232-242.

(2)

لم أقف له على ترجمة فيما اطلعت.

(3)

يريد والده عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب.

(4)

تعليق حول مسألة التكفير:

تعد مسألة التكفير من المسائل ذات الخطورة البالغة في أمتنا الإسلامية. فقد عمدت بعض

ص: 157

...................................................................

الفرق -قديماً وحديثاً- إلى تكفير مخالفيهم من الفرق الأخرى التي تخالفهم الرأي كما كان شأن الخوارج مع الصحابة؛ إذ كفروهم تبعاً لمذهبهم في تكفير مرتكب الذنب، وقد تبعهم المعتزلة في ذلك؛ فأخرجوا مرتكب الكبيرة من الإسلام، وإن لم يحكموا عليه بالكفر، بل ساووا بينه وبين الكافر في الخلود في النار، وكذلك غلاة الشيعة، كفروا الصحابة رضوان الله عليهم، إلا ثلاثة منهم فقط: المقداد بن الأسود، وأبا ذر الغفاري، وسلمان الفارسي.

(الشيعة وأهل البيت، للأستاذ إحسان إلهي ظهير، مطبعة جاويد رياض، باكستان، ط/7، 1404هـ/1984م، نشر إدارة ترجمان السنة، لاهور، ص45-46) .

ويكون التكفير أحياناً على شكل أفراد، يكفر بعضهم بعضاً.

وهذا داء عضال، امتد عبر الأجيال إلى وقتنا الحاضر، الذي نشاهد فيه كثرة التهاون بأمره، والتهور في إطلاقه. فلم يعد من العجب أن نجد جماعتين تدعي كل منهما القيام بالدعوة إلى الله، بينما ترمي بالكفر، الجماعة الأخرى، المخالفة لها في المبادئ، أو أسلوب عمل، أو لمجرد مصالح شخصية محضة. وهذا منتشر في بلاد العالم الإسلامي.

ويجدر بي أن أتناول هنا بعض المسائل المتعلقة بهذا الموضوع الهام، باختصار على النحو الآتي:

أولاً: بيان أنواع الكفر:

إن مذهب أهل السنة في التكفير عموماً مبني على أصلين هما:

الأصل الأول: أن تدل نصوص الكتاب والسنة على أن القول أو الفعل الصادر من المحكوم عليه موجب للكفر.

فعلى هذا الأصل نجد العلماء يقسمون الكفر إلى قسمين: أحدهما:كفر اعتقادي، وثانيهما: كفر غير اعتقادي، وعليه يكون التكفير تابعاً لهذين القسمين اعتقادي، وغير اعتقادي.

القسم الأول: الكفر الاعتقادي: ويعلم بـ (الكفر الأكبر) ، وهذا النوع يتبعه التكفير الاعتقادي، وهو الحكم بالكفر على من اعتقده بقلبه، أو أظهر أمراً يبعد عند الناس أن يطلق على فاعله أو قائله أنه مسلم. وهو ضربان:

الضرب الأول: أن يصرح المرء بما يعتقده من الكفر، ويدلل على ذلك بما يظهره من أعمال الكفر. فهذا كافر كفراً اعتقادياً عند الله وعند الناس.

الضرب الثاني: أن يعتقد الكفر بقلبه، ولا يصرح به، لكنه يظهر أعمالاً تدل عليه، مع عدم وجود موانع شرعية تصرف عنه الحكم بالكفر الاعتقادي. فهذا أيضاً كافر عند الله، أما عند الناس فنسبة الكفر إليه، تكون باعتبار أن عمله ذلك، لا يصدر إلا ممن كان كافراً، معلوم الكفر. أما حقيقة ما في قلبه، فلا يعلمها إلا الله، أو من أخبره الله بالوحي، من أنبيائه ورسله.

ص: 158

...................................................................

القسم الثاني: الكفر غير الاعتقادي: ويتبع هذا النوع الكفر غير الاعتقادي، الذي يطلق عليه بعض العلماء أنه: كفر النعمة، أو كفر دون كفر، أو الكفر الأصغر، أي الذي لا يخرج صاحبه عن الملة، وهو: الحكم بالكفر على من أظهر عملاً أو قولاً مكفراً، دون اعتقاده، مع وجود موانع شرعية تصرفه عن الكفر الاعتقادي.

وهذا القسم ينقسم إلى نوعين:

أولهما: التكفير العملي: وهو الحكم بالكفر على من ظهرت منه أعمال كفرية، مع وجود موانع شرعية تصرفه عن الكفر الاعتقادي.

ثانيهما: التكفير القولي: وهو الحكم بالكفر على من تلفظ بأقوال كفرية، مع وجود الموانع الشرعية التي تصرفه عن الكفر الاعتقادي. انظر هذا التقسيم في:

- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (ت728 هـ)، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، 11/137-138. والمنهاج في شعب الإيمان، لأبي عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي (ت 403هـ) ، تحقيق: حلمي محمد فودة، دار الفكرة، ط/1، 1399هـ 199..

- كتاب الصلاة وحكم تاركها، للإمام ابن قيم الجوزية (ت 751هـ) ، ضبط وتخريج محمد نظام الدين الفتيح، مكتبة دار التراث للنشر والتوزيع، المدينة المنورة ط/2، 1412هـ/1992م. ص51-53.

أما الأصل الثاني (المتعلق بتكفير المعين) وهو أن ينطبق هذا الحكم على القائل أو الفاعل المعين، بحيث تتم شروط التكفير في حقه، وتنتفي موانعه.

وعليه، فلا يحكم على أحد من أهل القبلة بالكفر حتى يتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه، وتلك الشروط هي:

1.

أن يظهر الكفر بقول أو فعل وإن كان مدعياً الإسلام.

2.

أن تبلغه الحجة الموجبة لبيان الحق وزوال الشبهة.

3.

أن تكون الحجة ثابتة لديه إن كان من أهل النظر.

4.

أن يكون بالغاً، عاقلاً، يفهم.

5.

أن لا يكون معذوراً بقرب العهد بالإسلام.

6.

أن لا يكون مكرهاً على الكفر.

7.

أن لا يكون جاهلاً بأن ينشأ ببادية بعيدة عن العلم.

أما موانع التكفير فهي على عكس تلك الشروط السابقة:

1-

إخفاؤه لكفره. 2- عدم بلوغ الحجة. 3- الجهل. 4- الإكراه (الملجئ) على الكفر.

ص: 159

...............................................................

5. أو لم ير تلك الحجة بالتأويل أو عدم الثبوت عنده. 6- التقليد، حيث إنه يترجح القول بجواز التقليد في العقائد للعامي الذي لا يستطيع النظر والاستدلال.

7-

أن يكون صغيراً أو مجنوناً.

انظر تفاصيل هذه الموانع: كتاب: نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف، للدكتور محمد بن عبد الله بن علي الوهيبى. دار المسلم للنشر والتوزيع الرياض، ط/1، 1416هـ/1996، ج1، 225-309؛ 25-49. وكتاب ضوابط التكفير مستقاة من المصادر السلفية، جمع وتأليف: حسن بن علي بن حسين العواجي، نشر دار البخاري، المدينة المنورة، ط/1، 1415هـ، ص34- 35، 36.

ثانياً: التحذير من تكفير المسلم:

بعد ما علمنا من أقسام التكفير، يجب أن نعلم أن الإسلام قد حذر منها، ونهى عن إطلاقه على المسلمين؛ فامتنع عنه السلف الصالح أهل السنة، إلا فيمن تحقق فيه الشروط كما تقدم، أما من لم يتوفر فيه الأصلان، فالإسلام يحذر من تكفيره.

وقد ورد في ذلك نصوص عدة، من كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم نذكر منها ما يلي: أ- ما ورد من ذلك في كتاب الله:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً} [النساء:94] . في الآية يأمر الله سبحانه وتعالى بالتثبت والتأكد قبل إطلاق نفي الإيمان عن أحد.

قال القاسمي: "في الآية دليل على فساد قول المعتزلة، لأنه نهاهم أن يقولوا لمن قال: إني مسلم: لست مؤمناً؛ وهم يقولون: صاحب الكبيرة ليس بمؤمن" تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل، لمحمد جمال الدين القاسمي (ت 1332هـ) ، تعليق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، الحلبي، ط/1، 1377هـ/1957م، 5/1480.

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات:6] . وفي هذه الآية، يأمر سبحانه وتعالى بالتبين في الحكم على الناس.

ب- أما ما ورد من السنة في التحذير من التكفير، فمنها:

- ما أخرجه مسلم من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا كفر الرجل أخاه، فقد باء بها أحدهما " وفي رواية أخرى: " أيما رجل قال لأخيه ياكافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه "صحيح مسلم بشرح النووي (ت 676هـ) ، ط/1، 1407هـ، دار القلم، بيروت، تحقيق لجنة من العلماء، نشر مكتبة المعارف بالرياض، 2/408-411. الإيمان،

باب إيمان من قال لأخيه يا كافر. صحيح البخاري، لأبي عبد الله

ص: 160

..............................................................

محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري (ت 256هـ) ، تحقيق الشيخ قاسم الشماعي الرفاعي، دار القلم، بيروت، ط/1، 1407هـ، 1987م، 8/353، كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل، فهو كما قال. سنن أبي داود، 5/64، كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه. سنن الترمذي، 5/23، كتاب الإيمان، باب ما جاء فيمن رمى أخاه بكفر.

- وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق، ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك)) . صحيح البخاري 8/336، الأدب، باب ما ينهى عنه من السباب واللعن.

- وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((

ومن دعا رجلاً بالكفر، أو قال عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه)) . صحيح مسلم بشرح النووي، 2/412، الإيمان، باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم. ومعنى ((حار عليه)) أي رجع عليه ما نَسَب إليه. النهاية في غريب الحديث والأثر، لأبي السعادات المبارك بن محمد الجزري ابن الأثير (ت 606هـ) ، تحقيق محمود محمد الطناحي، نشر المكتبة العلمية، بيروت، لبنان، 1/458.

- وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((

لعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمناً بكفر، فهو كقتله)) . صحيح البخاري 8/354، الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل، فهو كقاتله.، سنن الترمذي 5/23، الإيمان، باب ما جاء فيمن رمى أخاه بكفر، وقال:"هذا حديث حسن صحيح".

والآثار الواردة في التحذير من ترامي المسلمين بعضهم بعضاً بالكفر كثيرة، اكتفينا بما تقدم، وكلها تحذر من إطلاق التكفير لأحد من المسلمين، ما لم يظهر دليلاً قاطعاً على كفر.

ثالثاً: منهج السلف في الحكم بالكفر:

إن السلف رحمهم الله قد ساروا في هذه المسألة، على الطريقة النبوية، واسترشدوا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك؛ فهم لم يكونوا يقدمون على إطلاق لفظ الكفر على أحد من أهل القبلة، بمجرد ما يصدر منه من فجور أو فسوق أو معصية. وفي ذلك قال الطحاوي رحمه الله عند كلامه عن عقيدة السلف، تجاه القبلة:"ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا نفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى".

شرح العقيدة الطحاوية (أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي (للإمام القاضي علي بن علي بن محمد بن أبي العز الدمشقي (ت 792هـ) تحقيق وتعليق وتخريج وتقديم د. عبد الله

ص: 161

.........................................................

بن عبد المحسن التركي، وشعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط/2، 1413هـ، 1993م، ص539. وانظر في ذلك أيضاً مجموع فتاوى ابن تيمية، 3/151.

فهم لا يحكمون بالكفر على أحد، حتى يثبت حكمه بالحجة والبرهان الواضح، فمتى رأوا منه كفراً بواحاً، فإنهم يحكمون عليه بالكفر مع الاحتياط والتحرز في اللفظ، لا يتعدون الإطلاق الذي أطلقه الكتاب والسنة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "التكفير والتفسيق هو إلى الله ورسوله، ليس لأحد في هذا حكم، وإنما على الناس إيجاب ما أوجبه الله ورسوله، وتحريم ما حرمه الله ورسوله، وتصديق ما أخبر به ورسوله". مجموع الفتاوى، 5/554-555.

وقال -رحمه الله تعالى-: " (والكفر) هو من الأحكام الشرعية، وليس كل من خالف شيئاً علم بنظر العقل يكون كافراً، ولو قدر أنه جحد بعض صرائح العقول، لم يحكم بكفره حتى يكون قوله كفراً في الشريعة" مجموع الفتاوى، 12/225.،

فمتى أظهر العبد قولاً أو فعلاً مكفراً، سموا قوله أو فعله كفراً، وقد يطلقون القول بتكفير صاحب هذا العمل غير المعين، فيقولون: من قال أو فعل أو ترك كذا، فهو كافر.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: في المجموع 35/165-166: "وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر قولاً، يطلق كما دل على ذلك الدلائل الشرعية؛ فإن (الإيمان) من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، وليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم. ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك، بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير، وتنتفي موانعه

وتقوم عليه الحجة بالرسالة، كما قال الله تعالى:{لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء:165] .

وقال رحمه الله في المجموع أيضاً 23/453: "إن القول قد يكون كفراً، فيطلق القول بتكفير صاحبه، ويقال: من قال كذا، فهو كافر، لكن الشخص المعيّن الذي قاله، لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها". وانظر أيضاً المجموع، 7/619.

فكلام شيخ الإسلام هذا، يعطي مزيداً من الوضوح لمنهج السلف، في الحكم بالكفر، وإقامة الحجة على المرء، يكون إما بتعليمه -إن كان جاهلاً- أو بإزالة شبهته وإظهار الحق له بالدليل -إن كان من أهل النظر والاستدلال- وهكذا، فهو بعد ذلك إما أن يرجع، أو يستكبر ويصر على ما هو كفر من قول أو فعل، فهنا الحكم عليه بالارتداد، ويجرى عليه عقوبة الحد، ويلزمه أحكام المرتدين.

رابعاً: حكم من كفّر مسلماً:

علمنا فيما تقدم من الأحاديث، أن من رمى أخاه بالكفر، فإن أحدهما ييوء به، فإن كان

ص: 162

من أهل النقيع يجادلونك وينازعونك في شأننا، وأنهم ينسبوننا إلى السكوت عن بعض الأمور، وأنت تعرف أنهم يذكرون هذا غالباً على سبيل القدح في العقيدة، والطعن في الطريقة، وإن لم يصرحوا بالتكفير، فقد حاموا حول الحمى، فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، ومن الغي عن سبيل الرشاد والعمى.

كما قال، وإلا رجعت إليه. فهل يحكم بالكفر على من كفر أخاه المسلم، ولم يكن كذلك؟

إننا بالنظر إلى هذه الأحاديث، نجد أن للعلماء فيها تأويلات عدة؛ لذا قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم 2/409، عند شرحه لحديث:((فقد باء به أحدهما)) قال: "هذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات، من حيث إن ظاهره غير مرا، وذلك أن مذهب أهل الحق، أنه لا يكفر مسلم بالمعاصي، كالقتل والزنا، وكذا قوله لأخيه كافر، من غير اعتقاد بطلان الإسلام".

وهنا أكتفي بذكر ما تبين من أقوالهم وهو:

ألاً: أن هذه الأحاديث وردت للزجر والتحذير للمسلم، من أن يقول ذلك لأخيه المسلم.

ثانياً: أنه لا يقطع بتكفير من أخطأ في التكفير متأولاً؛ كقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لحاطب إنه منافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر

الحديث)) أخرجه البخاري في صحيحه، 8/354، كتاب الأدب. وعليه بوب فقال: بال من لم ير إكفار من قال ذلك متأولاً أو جاهلاً".

أما من كفر مسلماً بلا تأويل، فإن هذا يحكم عليه بالكفر، وعليه بوّب البخاري رحمه الله فقال:"باب من كفر أخاه بغير تأويل، فهو كما قال". صحيح البخاري، 8/353، كتاب الأدب.

قال النووي رحمه الله: "ولو قال لمسلم: يا كافر، بلا تأويل، كفر، لأنه سمى الإسلام كفراً". روضة الطالبين وعمدة المتقين، للإمام النووي، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط/2، 1405هـ، 10/65.

وقال الحليمي في المنهاج، 3/109 -بعد ما أورد حديث:((فقد باء به أحدهما)) – قال: "يحتمل أن يكون معنى ذلك، أنه إن وصف ما عليه أخوه المسلم بأنه كفر، فقد كفر نفسه، ولو لم يكن على أخيه شيء. وإن كان المقول ذلك يبطن الكفر ويظهر الإسلام، فقد صدق عليه، وليس على قائله شيء".

وانظر الإعلام بقواطع الإسلام، مطبوع مع كتاب "الزواجر على اقتراف الكبائر" كلاهما لأحمد بن حجر المكي الهيتمي (ت 974هـ) ، ط/2 الحلبي بمصر، 1390هـ - 1970م، 2/340-344. وأحكام المرتد في الشريعة الإسلامية، لنعمان عبد العزيز السمرائي، دار العربية للطباعة والنشر، بيروت، ص113.

ص: 163

وقد رأيت سنة أربع وستين ومائتين وألف (1) ، رجلين من أشباهكم المارقين بالإحساء، قد اعتزلوا الجمعة والجماعة، وكفروا من في تلك البلاد من المسلمين، وحجتهم من جنس حجتكم؛ يقولون: أهل الإحساء يجالسون بن فيروز (2) ويخالطونه هو وأمثاله ممن لم يكفر بالطاغوت، ولم يصرح بتكفير جده (3) ، الذي يرد دعوة الشيخ محمد (4) ، ولم يقبلها وعاداها، قالوا: ومن لم يصرح بكفره، فهو كافر بالله، لم يكفر بالطاغوت، ومن جالسه فهو مثله. ورتبوا على هاتين المقدمتين الكاذبتين الضالتين، ما يترتب على الردة الصريحة من الأحكام (5) ، حتى تركوا رد السلام. فرفع إليّ أمرهم، فأحضرتهم وتهددتهم، وأغلظت لهم القول، فزعموا أولاً أنهم على عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- وأن رسائله عندهم، فكشفت شبهتهم، ودحضت ضلالتهم، بما حضرني في المجلس، وأخبرتهم ببراءة الشيخ من هذا المعتقد والمذهب، وأنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر،

(1) وهذا حين بعثه إلى هناك الإمام فيصل بن تركي بن عبد الله، في مهمة إصلاح أهل تلك المنطقة، كما تقدم في، ص77-103.

(2)

لم أعرفه.

(3)

جده: هو محمد بن عبد الله بن عبد الوهاب بن عبد الله بن فيروز الوهيبي، ثم التميمي، نسباً، النجدي أصلاً، الإحسائي مولداً، ومنشأ، ثم البصري وفاة ومدفناً، ولد في الإحساء سنة 1142هـ وكف بصره وهو ابن ثلاث، كان عالماً لكثير من الكتب، أنكر عليه معاداته الشديدة للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومحاربته لدعوته برسائله وقصائده وأجوبته، حتى صار لهذه الدعوة من ألد الخصوم -ولهذا كان أصحاب ابن فيروز "الحفيد" يطالبونه بتكفير جده، كما جاء في المتن –نزح من الإحساء إلى العراق بعد أن قويت الدعوة السلفية، بمساندة آل سعود، فلما تيقن من أن الجيوش السعودية قد أوشكت أن تستولي على الإحساء -في عهد الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود- خاف منهم ورحل إلى البصرة، وفيها توفي عام (1216هـ) . علماء نجد خلال ستة قرون، 3/882-886.

(4)

ابن عبد الوهاب.

(5)

أحكام الردة الصريحة:

أ. وجوب قتل المرتد اتفاقاً.

ب- زوال ملكه عن أمواله.

ج. بينونة زوجته منه.

د- لبا يرث ولا يورث. وغيرها. وتفاصيل في كتب الفروع.

ص: 164

والكفر بآيات الله ورسله، أو بشيء منها بعد قيام الحجة، وبلوغها المعتبر (1) كتكفير من عبد الصالحين، ودعاهم مع الله، وجعلهم أنداداً له فيما يستحقه على خلقه من العبادات والإلهية، وهذا مجمع عليه عند أهل العلم والإيمان، وكل طائفة من أهل المذاهب المقلدة (2) يفردون هذه المسألة بباب عظيم، يذكرون فيه حكمها، وما يوجب الردة ويقتضيها، وينصون على الشرك. وقد أفرد ابن حجر (3) هذه المسألة بكتاب سماه "الإعلام بقواطع الإسلام"(4) .

وقد أظهر الفارسيان المذكوران، التوبة والندم، وزعما أن الحق ظهر لهما، ثم لحقا بالساحل وعادا إلى تلك المقالة، وبلغنا عنهم تكفير أئمة المسلمين بمكاتبة الملوك المصريين، بل كفروا من خالط من كاتبهم من مشايخ المسلمين. نعوذ بالله من

انظر: أحكام المرتد لنعمان السمرائي، الصفحات: 211، 230،265، 282.

(1)

وقد تقدم بيان ذلك عند ذكر منهج السلف في التكفير، ص161.

(2)

المذاهب المقلدة المشهورة في الأمة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.

(3)

هو أحمد بن علي بن حجر الهيتمي، أبو العباس المكي، ولد بمصر سنة (909هـ) ، وأخذ عن علماء الأزهر، من مؤلفاته، الفتاوى الحديثية، وشرح المشكاة، والإعلام بقواطع الإسلام، وغيرها (ت 974هـ) .

انظر ترجمته: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لعبد الحي بن العماد الحنبلي (ت 1089هـ) ، المكتب التجاري للطباعة والنشر، بيروت، 8/370. وجلاء العينين في محاكمة الأحمدين، لنعمان خير الدين بن الآلوسي البغدادي (1317هـ) ، مطبعة المدني، 140هـ، ص40. الأعلام، لخير الدين الزركلي، ط/6، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 1984م، 1/234.

(4)

هذا الكتاب مُذيَّل لكتاب الزواجر، لابن حجر الهيتمي، وقد قسمه إلى ثلاثة فصول كالآتي:

أ- في الألفاظ التي هي كفر.

ب- فيما اختلف في التكفير به.

ج- فيما يخشى على فاعله أو قائله الكفر.

ص: 165

الضلال بعد الهدى والحور بعد الكور (1) ، وقد بلغنا عنكم / نحو (2) / من هذا، وخضتم في مسائل من هذا الباب، كالكلام في الموالاة والمعاداة (3) ، والمصالحة والمكاتبات وبذل الأموال والهدايات، ونحو ذلك من مقالة أهل الشرك بالله والضلالات.

والحكم بغير ما أنزل الله عند البوادي ونحوهم من الجفاة، لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب، ومن رزقه الله الفهم عن الله، وأوتي الحكمة وفصل الخطاب.

والكلام في ذلك يتوقف على معرفة ما قدمناه، ومعرفة أصول عامة كلية، لا يجوز الكلام في هذا الباب وفي غيرها لمن جهلها، وأعرض عنها وعن تفاصيلها؛ فإن الإجمال والإطلاق، وعدم العلم بمعرفة موانع الخطاب وتفاصيله، يحصل به شيء من اللبس والخطأ وعدم الفقه عن الله، ما يفسد الأديان ويشتت الأذهان، ويحول بينها وبين فهم السنة والقرآن.

(1) هذا مثل. ومعنى الحور: بفتح الحاء المهملة وإسكان الواو، فراء: النقصان والرجوع، والكور: بفتح الكاف، وإسكان الواو: الزيادة. فمعنى قوله: "والحور بعد الكور" أي: نعوذ بالله من الرجوع بعد الاستقامة، والنقصان بعد الزيادة.

انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، 1/458. ولسان العرب 5/15-156. مادة (حور) . وريحانه الألبّا، 2/338.

(2)

في (أ) و (ج) : نحوا.

(3)

معنى (الموالاة والمعاداة) جاء في لسان العرب، 15/409 مادة (ولي) : "قال ابن هوى فيواليه أو يحابيه، ووالى فلان فلاناً، إذا أحبه. والموالاة ضد المعاداة، والولي ضد العدو. لسان العربي، 1536.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الولاية ضد العداوة، وأصل الولاية: المحبة والقرب، وأصل العداوة: البغض والبعد". الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق عبد القادر الأرنؤوط، نشر مكتبة البيان، دمشق، توزيع مكتبة المؤيد، الطائف، طبعة عام 1405هـ-1985م، ص9.

ص: 166

قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كافيته:

فعليك بالتفصيل والتبيين (1)

فالإطلاق والإجمال دون بيان

قد أفسدا (2) هذا الوجود وخبطا (3)

الأذهان والآراء كل زمان (4)

وأما التكفير بهذه الأمور التي ظننتموها من مكفِّرات أهل الإسلام، فهذا مذهب الحرورية (5) المارقين الخارجين على علي بن أبي طالب رضي الله عنه أمير المؤمنين، ومن معه من الصحابة، فإنهم أنكروا عليه تحكيم أبي موسى الأشعري (6) وعمرو بن العاص، في الفتنة التي وقعت بينه وبين معاوية وأهل الشام (7) ، فأنكرت الخوارج (8) عليه ذلك، وهم في الأصل من أصحابه من قراء الكوفة والبصرة، وقالوا حكّمت

(1) في الكافية الشافية: (والتمييز) بدلاً من (والتبيين) .

(2)

في (د) : أفسد.

(3)

في (د) : خبط.

(4)

شرح القصيدة النونية، المسماة: الشافية الكافية للفرق الناجية، لابن قيم الجوزية،، شرح د. محمد خليل هراس، دار الفاروق للطباعة والنشر، 1/123.

(5)

الحرورية: قال ابن الأثير: طائفة من الخوارج، نسبوا إلى حروراء. وهو موضع قريب من الكوفة، كان أول مجتمعهم وتحكيمهم فيها. وهم إحدى فرق الخوارج الذي قاتلهم عليّ.

النهاية لابن الأثير، 1/366. وانظر: البداية والنهاية للحافظ ابن كثير (ت 774هـ) ، تحقيق د. أحمد أبو ملحم وجماعة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/5، 1409هـ-1989م، م7/ 289،291. ومعجم البلدان، 2/245، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، بدون تاريخ، 2/350.

(6)

هو عبد الله بن قيس بن سليم، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيه مقرئ، أسلم بمكة وهاجر إلى الحبشة، كان أحد الحكمين في الفتنة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما توفي سنة (44هـ) على الصحيح.

انظر: سير الأعلام، 2/380.

(7)

وكانت الفتنة عام 37هـ عُلمت بوقعة صفين. انظر: البداية والنهاية، 7/264،268.

(8)

الخوارج: هم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بسبب تحكيمه للرجلين (أبا موسى الأشعري، وعمرو بن العاص) في الفتنة بينه وبين معاوية. قال أبو الحسن الأشعري: "والسبب الذي سموا له خوارج على عليّ بن أبي طالب". مقالات الإسلاميين، 1/207.

ص: 167

الرجال في دين الله (1) ، وواليت معاوية وعمراً، وتوليتهما، وقد قال تعالى:{إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ} (2) وضربت المدة بينكم وبينهم، وقد قطع الله هذه الموادعة والمهادنة منذ أنزلت (3)(براءة)(4) . وطال بينهم النزاع والخصام حتى غاروا على سرح المسلمين، وقتلوا من ظفروا به من أصحاب عليّ (5) ، فحينئذٍ شمر لقتالهم، وقتلهم (6) دون النهروان (7) بعد الإعذار والإنذار،...........................

وهم منقسمون إلى فرق متعددة، عددها المصنفون في الفرق؛ كالأشعري في المقالات 1/112-166؛ والبغدادي في الفرق بين الفرق، ص72-109؛ والشهرستاني في الملل والنحل، لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني، (ت 479هـ) ، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت، 1/14-138.

ومن أهم آرائهم الاعتقادية:

* يجمعهم تكفيرهم علياً وعثمان، وأصحاب الجمل، والحكمين، ومن صوبهما أو صوب أحدهما، أو رضي بالتحكيم. المقالات، 1/167. الفرق بين الفرق، ص74. الحجة في بيان المحجة، 2/479.

* تكفيرهم أهل الكبائر وتخليدهم في النار. وخالفهم النجدات منهم في القول بالخلود.

المقالات، 1/168-204.

(1)

ولذلك سموا أيضاً محكمة. انظر: المقالات 1/207. والفرق بين الفرق، ص74. والملل والنحل، 1/115. والبداية والنهاية، 7/289.

(2)

سورة الأنعام، الآية (57) .

(3)

في (أ)، و (د) : نزلت.

(4)

وتسمى بسور التوبة. ولها العد من الأسماء. انظر: الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط/1، 1408هـ-1988م، 8/ م،8/40. فتح القدير، الجامع بين فني الرواية الدراية من علم التفسير، لمحمد بن علي الشوكاني (1250هـ) ، مكتبة الحلبي بمصر، ط/2، 1383هـ-1964م، 2/331.

(5)

وقد كان ضمن من قتلوهم: عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسروه وامرأته معه، وهي حامل، فذبحوها. انظر: البداي والنهاية 7/298.

(6)

انظر قصة قتال عليّ رضي الله عنه للخوارج في: البداية والنهاية، 7/299-300.

(7)

النهروان: قال ياقوت: أكثر ما يجري على الألسنة بكسر النون، وهي ثلاثة نهراوات، الأعلى، والأوسط والأسفل، وهي كورة واسعة بين بغداد وواسط، من الجانب الشرقي، حدها الأعلى متصل ببغداد، وفيها عدة بلاد متوسطة، منها: إسكاف، وجرجرايا، والصافية، وديرقني، وغير ذلك. وكان بها وقعة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه مع الخوارج. معجم البلدان، 5/324-325.

ص: 168

والتمس المخدج (1) المنعوت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره من أهل السنن (2) .

(1) المخدج: هو ناقص الخلق، يقال أخدج الردل صلاته، فهو مخدح وهي مخدجة. والخداج. النقصان، وأصل ذلك من خداج الناقة، إذا ولدت وزلداً ناقص الخلق، أو لغير تمام.

ومخدج اليد: أي ناقص اليد. انظر: النهاية لابن الأثير، 2/13. ولسان العرب، 2/248، مادة (خدج) .

(2)

الحديث الذي ورد فيه التماس علي رضي الله عنه للمخدج: عن سلمة بن كهيل، حدثني زيد بن وهب الجهني، أنه كان في الجيش الذي كانوا مع علي رضي الله عنه، الذين ساروا إلى الخوارج، فقال عليّ رضي الله عنه ": أيها الناس، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشي، ولا صيامكم إلى صيامكم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لو يعلم الجيش الذي يصيبونهم، ما قُضي لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم لاتكلوا عن العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلاً له عضد وليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض. فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم، والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم؛ فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على سرح الناس، فسيروا على اسم الله)) قال سلمة بن كهيل: فنزلني زيد بن وهب منزلاً حتى قال: "مررنا على قنطرة، فلما التقينا، وعلى الخوارج يومئذٍ عبد الله بن وهب الراسبي، فقال لهم: "ألقوا رماحكم وسلوا سيوفكم من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء". فرجعوا فوحشوا برماحهم، وسلوا السيوف، وشجرهم الناس برماحهم". قال: "وقُتل بعضهم على بعض، وما أصيب من الناس يومئذٍ إلا رجلان. فقال علي رضي الله عنه": التمسوا فيهم المخدج"، فالتمسوه، فلم يجدوه. فقام علي رضي الله عنه بنفسه حتى أتى ناساً قد قتل بعضهم بعضاً، قال: "أخروهم"، فوجدوه مما يلي الأرض، فكبر ثم قال: "صدق الله، وبلغ رسوله". قال:"فقام إليه عبيدة السليمان، فقال: "يا أمير المؤمنين، والله الذي لا إله إلا هو، لسمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"إي والله الذي لا إله إلا هو"، حتى استحلفه ثلاثاً، وهو يحلف. أخرجه مسلم في صحيحه بشرح النووي، 7/177-178، كتاب الزكاة، باب التحريض على قتل الخوارج، واللفظ له. وأبو داود في سننه، 1/32، المقدمة، باب ذكر الخوارج (مختصراً) . والإمام أحمد في مسنده، طبعة مؤسسة قرطبة، بها فهرس رواه المسند، لمحمد ناصر الدين الألباني، 1/88، 140-141. من طرق آخر.

كلام علماء أهل السنة في الخوارج:

أولاً: في وجوب قتالهم:

يجمع العلماء على وجوب قتال الخوارج متى خرجوا على الإمام وخالفوا الجماعة. وقد نقل هذا الإجماع، الإمام النووي في شرح مسلم، 7/175، وشيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى 3/282.

ثانياً: في تكفيرهم:

ولهم في تكفيرهم قولان مشهوران، وهما روايتان عن الإمام أحمد -كما ذكره شيخ الإسلام في المجموع 28/500. وقد ذكر الإمام أحمد بن حجر في الفتح 12/313-315، أقوالهم وحجتهم في المسألة.

والتحقيق هو القول بعدم تكفيرهم؛ لما نقله شيخ الإسلام من إجماع الصحابة على عدم تكفيرهم، وأنه لم يكن في الصحاب من يكفرهم، لا علي ولا غيره من الصحابة، بل حكموا فيهم بحكم المسلمين الظالمين المعتدين. انظر مجموع الفتاوى 3/282، 5/247، 7/217.

ص: 169