المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الرسالة الخامسة: إلى حسن بن عبد الله - عيون الرسائل والأجوبة على المسائل - جـ ١

[عبد اللطيف آل الشيخ]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌القسم الأول: الدراسة

- ‌الباب الأول: عصر المؤلف وحياته

- ‌الفصل الأول: عصر المؤلف

- ‌المبحث الثالث: الحالة الدينية

- ‌المبحث الأول: الحالة السياسية

- ‌المبحث الثاني الحالة الاجتماعية

- ‌الفصل الثاني: حياة المؤلف

- ‌المبحث الأول: اسمه ونسبه

- ‌المبحث الثاني ولادته وأسرته

- ‌المبحث الثالث صفاته الذاتية والفكرية

- ‌المبحث الرابع نشأته العلمية ورحلاته

- ‌المبحث الخامس شيوخه

- ‌المبحث الساس: تلاميذه

- ‌المبحث السابع ثقافته وإنتاجه العلمي

- ‌المبحث الثامن عقيدته

- ‌المبحث التاسع أعماله ووظائفه

- ‌المبحث العاشر حياته السياسية

- ‌المبحث الحادي عشر وفاته والمرثيات التي قيلت فيه

- ‌المبحث الثاني عشر: ثناء علمائه عليه

- ‌الباب الثاني: دراسة الكتاب

- ‌الفصل الأول: التعريف بالكتاب

- ‌المبحث الأول: عنوان المخطوط

- ‌المبحث الثاني ترجمة جامع الرسائل

- ‌المبحث الثالث توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف

- ‌المبحث الرابع موضوع الكتاب

- ‌المبحث الخامس وصف النسخة الخطية والمطبوعة

- ‌الفصل الثاني: دراسات تقويمية للكتاب

- ‌المبحث الأول: منهج المؤلف في الكتاب

- ‌المبحث الثاني مصادره

- ‌المبحث الثالث قيمة الكتاب

- ‌القسم الثاني: تحقيق النص

- ‌مقدمة جامع الكتاب

- ‌الرسائل الخاصة بعقيدة التوحيد والاتباع وما ينافيها من الشرك والابتداع

- ‌الرسالة الأولى: إلى عبد العزيز الخطيب

- ‌مدخل

- ‌فصل في معنى الظلم والمعصية والفسوق والفجور

- ‌الأصل الأول: أن السنة والأحاديث النبوية هي المبينة للأحكام القرآنية

- ‌الأصل الثاني: أن الإيمان أصل، له شعب متعددة

- ‌الأصل الثالث: حقيقة الأيمان

- ‌الأصل الرابع: أنواع الكفر

- ‌الأصل الخامس: لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمنا

- ‌مسألة في من يعمل سنة ختمة في ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم هل ذلك مسنون أو لا

- ‌مسألة: في النوم في المسجد

- ‌الرسالة الثانية: إلى إبراهيم بن عبد الملك

- ‌تقديم جامع الرسائل

- ‌المسألة الأولى: الإنكار على من كفر أناسا شمتوا بانتصار أعداء المسلمين عليهم

- ‌المسألة الثانية: في حظر الإقامة حيث يهان الإسلم ويعظم الكفر

- ‌المسألة الثالثة: حكم تصرف الوالد في مال ولده الصغير

- ‌المسألة الرابعة: حكم تملك الوالد جميع مال ولده

- ‌المسألة الخامسة: إذا كان لرجل على آخر دين مثل الصقيب يكون له الدين الكثير يصطلحان بينهما

- ‌الرسالة الثالثة: إلى إبراهيم بن عبد الملك

- ‌الرسالة الرابعة: إلى محمد بن علي آل موسى

- ‌الرسالة الخامسة: إلى حسن بن عبد الله

- ‌الرسالة السادسة: إلى حمد بن عبد العزيز

- ‌الرسالة السابعة: إلى أهل الفرع

- ‌الرسالة الثامنة: نصيحة إلى كافة المسلمين

- ‌الرسالة التاسعة: إلى محمد بن عجلان

- ‌الرساة العاشرة: إلى عبد الله بن عبد العزيز الدوسري

- ‌التوصية بلزوم الكتاب والسنة

- ‌الرسالة الحادية عشرة: إلى أهل عنيزة

- ‌فتنة القبور والتوسل بالموتى

- ‌الرسالة الثانية عشرة: إلى علي بن أحمد بن سلمان

- ‌قول العلماء في الجهمية والرد عليهم

- ‌تفضيل القبورين للقبور على الكعبة

- ‌الرسالة الثالثة عشرة: إلى زيد بن محمد

- ‌المسألة الأولى: عن قول الله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ

- ‌ المسألة الرابعة: عن قوله صلى الله عليه وسلم في الدعاء المشهور: " إلى من تكلني إليه، إلى بعيد يتجهمني

- ‌المسألة السادسة: عن قوله تعالى: {قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا

- ‌الرسالة الرابعة عشرة: محمد بن عون

- ‌الرسالة الخامسة عشرة: إلى صالح محمد الشثري

- ‌الرسالة السادسة عشر: إلى محمد بن راشد الجابري

- ‌الرسالة السابعة عشرة: إلى عبد الله بن معيذر

- ‌حول كتاب الإحياء للغزالي

- ‌[فصل] في بيان أشياء مهمة، أنكرت على أبي حامد:

- ‌الرسالة الثامنة عشرة: إلى صالح بن عثمان بن عقيل

- ‌الرسالة التاسعة عشرة: إلى الإمام فيصل

- ‌الرسالة العشرون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة الحادية والعشرون: إلى زيد بن محمد آل سليمان

- ‌الرسالة الثانية والعشرون: إلى محمد بن علي آل موسى، وإبراهيم بن راشد، وإبراهيم بن مرشد

- ‌الرسالة الثالثة والعشرون: إلى الإخوان محمد بن علي وإبراهيم بن راشد

- ‌الرسالة الرابعة والعشرون: إلى حمد بن على وإبراهيم بن مرشد

- ‌الرسالة الخامسة والعشرون: إلى أبراهيم بن راشد وإبراهيم بن مرشد

- ‌الرسالة السادسة والعشرون: إلى الشيخ حمد بن عتيق

- ‌الرسالة السابعة والعشرون: إلى من وصل من المسلمين

- ‌الرسالة الثامنة والعشرون: إلى عبد الله بن نصير

الفصل: ‌الرسالة الخامسة: إلى حسن بن عبد الله

‌الرسالة الخامسة: إلى حسن بن عبد الله

الرسالة الخامسة (1) : قال جامع الرسائل

وله أيضاً –قدّس الله روحه، ونوّر ضريحه- رسالة في وجوب الهجرة، وتحريم الإقامة بين أظهر المشركين. وسبب ذلك، أنّ حسن بن عبد الله بن الشيخ، لما كتب إلى عبد الرحمن الوهيبي (2) يناصحه عن الإقامة بين أظهر المشركين، وبيّن له وجوب الهجرة بالدلائل والبراهين، /كتب/ (3) إليه، واحتجّ بما ستقف عليه (4) ، وهذا /نصها/ (5) .

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى ابن الأخ حسن بن عبد الله، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد: يُذكر لي مل كَتَبَ إليك عبد الرحمن الوهيبي، من الشبهة، لمّا ذكرتَ له قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} (6) ، ونصحتَه عن الإقامة بين أظهر العساكر التركية. وأنه احتجّ عليك بأنّ الآية فيمن قاتل المسلمين، وقال: ظلم النفس بالإقامة في دار الشرك وترك الهجرة " تجعلون إخوانكم مثل من قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ "

وهذا جهلٌ منه بمعنى الآية وصريحها، ومخالفة لإجماع المسلمين، وما يحتجّون به

(1) في (ب) : جاءت هذه الرسالة متأخرة، في لوحة 35-38. وهي بعد الرسالة (11) حسب ترتيب (أ) . وقد وردت هذه الرسالة في" الدرر السنيّة"، 7/162-164.

(2)

تقدم ضمن تلاميذ الشيخ ص (94) .

(3)

في (ب)، و (د) :(فكتب) .

(4)

هنا زيادة جملة في المطبوع، بعد قوله:" ستقف عليه" وهي:" ضمن جواب الشيخ –رحمه الله".

(5)

في (ب) : (نص الرسالة) . وفي المطبوع: (نص رسالة الشيخ) .

(6)

سورة النساء: الآية (97) .

ص: 246

على تحريم الإقامة بين أظهر المشركين، مع العجز عن القدرة على الانكار والتغيير (1) ؛ قال ابن كثير:" هذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه، /مرتكبٌ/ (2) حراماً بالإجماع، وبنص هذه الآية، حيث يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} أي بترك الهجرة،) {قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} أي لمَِِ /كنتم/ (3) هاهنا وتركتم الهجرة: {قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ} أي لا نقدر على الخروج /من البلد/ (4) ولا الذهاب في الأرض: {قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً} (5) (6) ، وساق –رحمه الله ما رواه أبو داود، عن سمرة بن جتدب، أما بعد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من جامع المشرك، وسكن معه، فإنه مثله " (7) .

قلت (8) : فانظر حكاية الإجماع على تحريم ذلك، وانظر تقريره معنى الآية، /وتعليق/ (9) ما فيها من الأحكام والوعيد على مجرد الإقامة بين أظهر المشركين، وأنّ هذه الآية نص في ذلك، وانظر خطاب الملائكة لهذا الصنف، وأنه على المكث والإقامة بدار الكفر، وانظر ما أجابتهم الملائكة عن قولهم: لا نقدر على الخروج، وكل ذلك ليس فيه ذكر للقتل (10) .

(1) تقدمت هذه المسألة، أعني (الإقامة بين أظهر المشركين) في ص210-212. 220-223.

(2)

في (د) : (مرتكباً) .

(3)

في تفسير ابن كثير: (مكثتم) .

(4)

ساقط في جميع النسخ، مثبت عند ابن كثير في نصه.

(5)

سورة النساء: الآية (97) .

(6)

تفسير ابن كثير، 1/555.

(7)

تقدم تخريجه في ص234.

(8)

الكلام للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن (المصنف) .

(9)

في (د) : (وتعليقه و) ما فيها.

(10)

هذا رد على ما ذكره عبد الرحمن الوهيبي، أن الآية فيمن قاتل المسلمين.

ص: 247

فتأمل هذا يطلعك على بطلان هذه الشبهة، وجهل مبديها. وتأمل حديث سمرة وما فيه من تعليق هذا الحكم بنفس المجامعة والسكنى، واعرف معنى كونه مثله.

وكذلك ما روى ابن جرير، عن عكرمة قال:" كان الناس من أهل مكة قد أسلموا، فمن مات منهم بها هلك، قال تعالى:{فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ} (1)(2) .

وروى ابن جريرمن تفسير ابن أبي حاتم، فزاد فيه: فكتب المسلمون إليهم بذلك، وخرجوا ويئسوا من كل خير، ثمّ نزلت فيهم:{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا} (3) ؛ قكتبوا إليهم بذلك أنْ قد جعل الله لكم مخرجاً، فأدركهم المشركون فقتلوهم، حتى نجا من نجا، وقتل من قتل (4) .

وروي عن ابن عباس في الآية: هم قوم تخلّفوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتركوا أن يخرجوا معه، فمن مات منهم قبل أن يلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم، ضربت الملائكة وجهه ودبره (5) وأظن هذا الجاهل رأى ما روي عن عكرمة، عن ابن عباس، أنّ قوماً من أهل مكّة أسلموا، فاستخفوا بالإسلام، وأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، وأصيب بعضهم، وقتل بعض، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} (6) الآية (7) . فهذا القول ونحوه مما فيه مِنْ ذكر مَنْ أُخرِج مع

(1) سورة النساء: الآية: (97،98) .

(2)

جامع البيان للطبري، 5/233.

(3)

سورة النحل: الآية (110) .

(4)

جامع البيان للطبري، 5/234.

(5)

المصدر السابق، نفس الصفحة.

(6)

سورة النساء: الآية (97) .

(7)

جامع اليان للطبري، 5/234.

ص: 248

المشركين يوم بدر، لا يدل على أنّ الآية خاصة بهم، بل يدلّ على أنها متناولة للعموم اللفظي، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (1) .

وكذلك من قال من السلف أن هذه الآية نزلت في أناس من المنافقين، تخلفوا من رسول الله صلى الله علي وسلم، وخرجوا مع المشركين (2) ، فمرادهم أنّ هذه الآية تتناولهم بعمومها، ولم يريدوا أنّ هذا –أعني النفاق أو القتال مع المشركين- الذي هو أُنيط به الحكم، ورتِّب عليه الوعيد،؛ فإنّهم أجل وأعلم من أن يفهموا ذلك. والسلف يعبّرون بالنوع ويريدون الجنس العام (3) ، ومن لم يمارس العلوم، ولم يتخرّج على حملة العلم وأهل الفقه عن الله، وتخبّط في العلوم برأيه، فلا عجب من خفاء هذه المباحث عليه، وعدم الاهتداء لتلك المسالك، التي لا يعرفها إلاّ من مارس الصناعة، وعرف ما في تلك البضاعة.

وهذا الرجل (4) من أجهل الناس بالضروريات، فكيف بغيرها من حقائق العلم

(1) مذكرة أصول الفقه، لمحمد الأمين الشنقيطي، طبعة الجامعة الإسلامية، بالمدينة المنورة، ص209. تخريج الأصول على الفروع، لشهاب الدين محمود بن أحمد الزنجاني (ت656هـ) ، تحقيق د. محمد أديب صالح، مؤسسة الرسالة، ط/5، 1404هـ-1984م، ص 361. شرح مختصر الروضة، لسليمان بن عبد القوي الطوفي (ت716هـ) ، تحقيق: عبد الله ابن عبد المحسن التركي مؤسسة الرسالة، ط/1، 1408هـ، 2/501. روضة الناظر وجنّة المناظر، البن قدامة المقدسي، مكتبة المعارف، الرياض، ط/2، 1404هـ، ومعها شرحها" نزهة الخاطر"، 2/141.

(2)

انظر: جامع البيان للطبري، 5/236.

(3)

المعنى أن الآية: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} وإن كان سببها في نوع الأشخاص الذين خرجوا مع المشركين في بدر، غير أنّها لا تخصّهم، فلفظها العام يشمل جميع الأجناس؛ كالمنافقين الذين تخلَّفوا نفاقاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك تتناول المقيمين مع المشركين، الساكنين معهم من غير قدرة على إقامة الدين، فهؤلاء الذين حكم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم أنّهم مثلهم.

ومسألة الإقامة ببلد المشركين قد تقدّمت في ص210-212، 220-223.

(4)

يريد عبد الرحمن الوهيبي.

ص: 249

ودقائقه! وليتهم -أعني هو وأمثاله- اقتصروا على مجرد الإقامة، ولم يصدر عنهم ما اشتهر وذاع من الموالاة الصريحة، وإيثار الحياة الدنيا على محبة الله ورسوله، (1) وما أمَر به وأوجبه من توحيده، والبراءة ممن أعرض عنه، وعدل به غيره، وسوّى به سواه. وتأمل كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب-رحمه الله على هذه الآية، فإنّه أفاد وأجاد (2) . وتأمّل ما ذكره الفقهاء في حكم العجزة، واستدلالهم بهذه الآية، على تحريم الإقامة بين ظهراني المشركين، لمن عجز عن إظهار دينه (3) ، فكيف بمن أظهر لهم الموافقة على بعض أمرهم، وعلى أنّهم مسلمون من أهل القبلة المحمّدية؟!

وصاحب هذا القول الذي شبّه عليكم، ينزل درجة درجة، أول ذلك شراؤه المراتب الشرعية، والأوقاف التي على أهل العلم، حتى صرفت له من غير استحقاق ولا أهليّة؛ ثمَّ لما جاءت هذه الفتنة، صار يتزيّن عند المسلمين-بحمد الله-على عدم حضوره بتلك البلد، ثم جمز ولحق بأهلها، ونقض غزله، وأكذب نفسه، ثم ظهر لهم في مظهر الصديق الودود، وبالغ في الكرامة، والوليمة، والتحف، والهدايا، والمجالسة

(1) ولا شك أن هذا من أسوأ ما يصل إليه المرء في دينه، إذ إنّ الوعيد على هذا الحال شديد. فقد قال تعالى:{فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات:37-41] .

(2)

انظر كلامه في رسالته: شرح ستة مواضع من السيرة، ضمن" الجامع الفريد"، ص250-251. فقد قال-رحمه الله:" إنّ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يهاجر-من غير شك في الدين، وتزيين دين المشركين-ولكن محبّة للأهل والمال والوطن، فلما خرجوا إلى بدر، خرجوا مع المشركين كارهين، وقتل بعضهم بالرمي، والرامي لا يعرفه، فلمّا سمع الصحابة أنّ من القتلى فلاناً وفلاناً، شقّ عليهم، وقالوا: قتلنا إخواننا، فأنزل الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ] إلى قوله تعالى {فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً} [النساء:97-99] . فمن تأمّل قصتهم، وتأمّل قول الصحابة: قتلنا إخواننا، علم أنه لو بلغهم عنهم كلام في الدين، أو كلام في تزيين دين المشركين، لم يقولوا: قتلنا إخواننا، فإنّ الله تعالى قد بيّن لهم-وهم فبل الهجرة-أنّ ذلك كفر بعد الإيمان، بقوله تعالى:{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ} [النحل:106] .

(3)

المسألة تقدمت في ص210-223.

ص: 250

والتردّد، وشغفاً بالجاه والرئاسة، ولو في زمرة من حاد الله ورسوله.

وأمّا نقل عنه من التحريض على أهل الإسلام، فهو-إن صحَّ-أقبح من هذا كلّه وأشنع، وحسابه على الله الذي تنكشف عنده السرائر، وتظهر /فيه/ (1) مخبآت الصدور والضمائر.

وروى السدي (2) قال: لما أسر العباس، وعقيل، ونوفل، قال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس:" أفد نفسك وابن أخيك "، قال يا رسول الله، ألم نصلّ (3) قبلتك، ونشهد شهادتك؟ قال:" يا عباس، إنّكم خاصمتم فخصمتم، ذم تلا عليه هذه الآية:{قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} (4)(5) .

فتأمّل هذه القصة، وما فيها من التصريح بأن الخصومة في الهجرة، وأنّ من ادعى الإسلام والتوحيد، وهو مقيم بين ظهراني أهل الشرك بالله، والكفر بآياته، فهو مخصوم محجوج، وهذا يعرفه طلبة العلم والممارسون.

وتأمّل قوله تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} (6) ، كيف حكم على أنّ من أطاع أولياء الشيطان في تحليل ما حرّم الله /أنه مشرك (7) / (8) ،.................................................................................

(1) ساقط في (ب) ، والمطبوع.

(2)

هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة، أبو محمد، الإمام المفسر، الحجازي ثم الكوفي، الأعور السدي، حدّث عن أنس بن مالك، وابن عباس، وغيرهما، (ت127هـ) .

انظر: سير الأعلام، 5/264. تهذيب التهذيب، 1/313. النجوم الزاهرة، 1/308.

(3)

في (د) : (نصلي) .

(4)

سورة النساء: الآية (97) .

(5)

انظر قول السدي: جامع البيان للطبري، 5/235؛ الدر المنثور في التفسير المأثور، لجلال الدين السيوطي، دار المعرفة، بيروت لبنان، 2/206.

(6)

سورة الأنعام: الآية: (121) .

(7)

ساقط في (ب) .

(8)

قال الطبري في تفسير الآية:" إنّ الله أخبر أن الشياطين يوحون إلى أوليائهم؛ ليجادلوا المؤمنين في تحريم أكل الميتة. وروي عن عكرمة قوله:" إنّ مشركي قريش كاتبوا فارس على الروم، وكاتبتهم فارس، وكتبت فارس إلى مشركي قريش: إنّ محمداً وأصحابه يزعمون أنّهم يتّبعون أمر الله، فما ذبح الله بسكين من ذهب فلا يأكله محمد وأصحابه، ويزعمون للميتة، وأما ما ذبحوا هم يأكلون. وكتب بذلك المشركون إلى أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام ، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فنزلت {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ} الآية.

ص: 251

وأكّد ذلك بإنّ المؤكّدة (1) ، وأنّ ذلك صادر عن وحي الشيطان! فاحذر هذا الضرب من الناس، وليكن لك نهمة في طلب العلم من أصوله /ومظانه/ (2) ، والله تعالى أسأل أن يمنّ علينا وعليكم بالهداية إلى سبيله، ومعرفة دينه بدليله، وصلى الله على نبينا محمد، /وعلى آله وصحبه،/ (3) وسلّم تسليماً كثيراً.

(1) بل وزاد تأكيد ذلك باللام أيضاً.

(2)

في (ب) : (ومضانه) .

(3)

بياض في (ب) .

ص: 252