الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرسالة التاسعة: إلى محمد بن عجلان
…
(الرِّسَالَةُ التَّاسِعَةُ)(1) :
قال جامع الرسائل
وله أيضاً - قدس الله روحه، /ونوّر ضريحه/ (2) - (3) ، رسالة إلى محمد بن عجلان (3) .وسبب ذلك، أنه كتب رسالة أيام الفتنة، التي حدثت بين عبد الله بن فيصل (5) وأخيه سعود (6) ، ذكر فيها جواز الاستنصار بالكفار على البغاة من أهل الإسلام (7) ، وهي التي سمّاها الشيخ "حبالة الشيطان" فكتب عليها الشيخ عبد اللطيف، جواباً، /قطع/ (8) فيه كلّ ما يتعلق به كل مبطل، وأزال بالبراهين والدلائل كلَّ مشكل، وقرّر فيها أن ما كتبه ونقله من آية أو سنة /أو أثر/ (9) ، فهو عليه لا له، لأنه يدل بوضعه أو تضمّنه أو التزامه على البراءة من الشرك وأهله، ومباينتهم في المعتقد، والقول والعمل، وبغضهم وجهادهم حسب الطاقة.
(1) في (ب) : جاءت هذه الرسالة متأخرة، في لوحة (28-31) . وقد وردت في الدرر السنية، 7/170-172.
(2)
زيادة في (ب) .
(3)
في المطبوع: رحمه الله، وعفا عنه بمنّه وكرنه) .
(3)
تقدمت ترجمته في ص239
(5)
تقدّمت ترجمته في ص45.
(6)
هو سعود بن فيصل بن تركي، وقد تقدّمت ترجمته في ص45.
(7)
وقد تقدّم ما ملخصه: أن عبد الله بعد هزيمته من أخيه سعود، هرب إلى مدحت باشا في بغداد، واستنصره، فأرسل معه جيشاً بقيادة نافذ باشا إلى الأحساء، فاحتلها في آخر عام 1288هـ، فجعلها تابعة للبصرة، فخسرها هو أيضاً لصالح الدولة العثمانية. انظر: قلب جزيرة العرب، ص346.
(8)
كذا في (د) والمطبوع، وفي جميع النسخ:(هدم) .
(9)
زيادة في (ب) و (د) والمطبوع.
ثم كاتبه الشيخ محمد بن عجلان، وذكر فيما كتبه الوصية بما تضمنه سورة العصر، فكتب له الشيخ رحمه الله هذه الرسالة، وهذا نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى جناب الشيخ محمد بن إبراهيم بن عجلان حفظه الله من طوائف الشيطان، ورزقه الفقه في السنة والقرآن.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأحمد الله إليك، وأُثِني بنعمه عليه، والخط وصل وما ذكرت فيه من تنبيه على ما تضمّنته السورة الكريمة (سورة العصر) ، فقد سرّني، وقد عرفت ما قاله الشافعي رحمه الله:"لو فكر الناس فيها لكفتهم"(1) ، قلت لأنها تتضمن الأصول الدينية، والقواعد الإيمانية، والشرائع الإسلامية، والوصايا المرضية، فتفكَّر فيها (2) .
واعلم أنك نبهتني بها على إعلامك ببعض ما تضمّنته رسالتك لابن عبيكان (3) ، وقد كتبتُ حين رأيتها، ما شاء الله أن أكتب، ونهيت عن إشاعتها، خوفاً منك وعليك، ولكن رأيتُ ما الناس فيه من الخوض، ونسيان العلم، وعبادة الأهواء، فخشيت من مفسدة كبيرة بردّ السنة والقرآن، والدَّفع في صدر الحجة والسلطان، وقررت فيها أنّ ما كتَبْتَه ونقلته من آية أو سنّة أو أثر، فهو عليك، لا لك؛ لأنه يدل بوضعه أو تنضمُّنه أو التزامه، على البراءة من الشرك وأهله، ومباينتهم في المعتقد والقول والعمل، وبغضه، وجهادهم، والبراءة من كل من اتخذ أولياء من دون المؤمنين، ولم
(1) انظر تفسير القاسمي 17/6250.
(2)
قال الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي، في تعليقه على تفسير القاسمي بعد أن أورد كلام الإمام الشافعي المتقدم قال:"إنّ المراتب أربعة، وباستكمالها يحصل للشخص غاية كماله، إحداها: معرفة الحق، الثانية: تعليمه من لا يحسنه. الرابعة: صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه. فذكر تعالى المراتب الأربع، في هذه السورة".تفسير القاسمي، 17/6250.
(3)
لم أعرفه.
يجاهدهم حسب طاقته، ولم يتقرب إلى الله بالبعد عنهم، وبغضهم ومراغمتهم، وأكثر نصوصك /التي/ (1) ذكرت دالة على ذلك، كقوله:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} (2) ، والآية قبلها، والآية بعدها (3) ، وما ذكره لبن كثير هنا، كل هذا نصٌ فيما قلناه (4) ، وقد بسط القول في ذلك.
وكذلك كل أحاديث السمع والطاعة، وأمر بلزوم الجماعة، نص فيما قلناه، عن من فقه عن الله ورسوله، وما ذكرتَ من استعانته بابن أريقط (5)، فهذا اللفظ ظاهر في مشاقة قوله في حديث عائشة:" إنا لا نستعين بمشرك "(6) ، وابن أُريقط أجيرٌ مستخدم، لا معين مكرم (7) .
(1) في (د) : (الذي) .
(2)
سورة آل عمران الآية (103) .
(3)
هما: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} وقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 102، 104] .
(4)
نقل ابن كثير رحمه الله عن علي بن طلحة، وفي قوله تعالى:{حَقَّ تُقَاتِهِ} أي: أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم.
وقال ابن كثير في قوله تعالى: {وَلا تَفَرَّقُوا} : أمرهم بالجماعة، ونهاهم عن التفرقة. وقال في قوله تعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} الآية، أي: ولتكن منكم أمة منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير، والأمير بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأولئك هم المفلحون. تفسير القرآن العظيم، لابن كثير 1/396-397، 398.
(5)
هو عبد الله بن أريقط، وقيل ابن أرقد، والمشهور أُريقط، الدُّؤلي، استأجره الرسول صلى الله عليه وسلم عند هجرته مع الصديق، ليدلهم على الطريق، ودفعا إليه راحلتهما، وكان إذ ذاك مشركاً، انظر: سيرة ابن هشام 2/488، والبداية والنهاية 3/176-187.
(6)
تقدم تخريجه في ص 239.
(7)
هنا يشير الشيخ إلى الفرق بين استئجار الكافر، والاستعانة به، فالمستأجَر أجيرٌ مستخدم مذلّل تحت يد مستخدمه، وهو ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، عند هجرته؛ إذ استأجر عبد الله بن أريقط يدله على الطريق. أما المستعان به، فهو من موقف قوي، ولذلك فهو مكرم معزز عند من يستعين به.
وكذلك قولك: إنّ شيخ الإسلام استعان بأهل مصر والشام، وهم حينئذ كفار وهلة عظيمة (1) ، وذلّة ذميمة، كيف إذا ذاك والإسلام يعلوا أمره (2) ،ويقدّم أهله، ويهدم ما حدث من أماكن الضلال، وأوثان الجاهلية، ويظهر التوحيد، ويقرر في المساجد والمدارس، وشيخ الإسلام نفسه يسميها بلاد إسلام، وسلاطينهم سلاطين إسلام، ويستنصر بهم على التتر، وعلى /النصيرية/ (3) ونحوها؟! وكل هذه مستفيض في كلامه وكلام أمثاله0 وما يحصل من بعض العامة والجهال، إذا صار الغلبة لغيرهم، لا يحكم به على البلاد وأهليها0
وكذلك ما زعمته من أنّ أكابر العسكر أهل تعبد، أو نحو هذا؛ فهذه دسيسة شيطانية وقاك الله شرها، وحماك حرّها لو سُلِّم تسليماً جدلياً، فابن عربي (4) ، وابن سبعين (5) ، وابن الفارض (6) ، لهم عبادات وصدقات، ونوع تقشف وتزهد، وهم أكفر أهل الأرض، أو من أكفر أهل الأرض (7) . وأين أنت من قوله تعالى: {وَلَوْ
(1) وهلة: من وهِهل وهلاً: أي ضَعُفَ وفزعَ وجبن. وهلة عظيمة: أي فزعة عظيمة. ابن منظور، لسان العرب، مادة (وهل) 11/737.
(2)
تقدّمت مسألة الاستعانة بالكفار، في ص 239. وما أشار الشيخ إليه هنا، هو من الشروط التي اشترطها القائلون بجاز الاستعان بهم، وهو: ألا يكون المسلمون بحالة ضعف، ورأي الكافر هو النافذ.
(3)
في (د) نصرانية) .
(4)
هو أبو بكر محمد بن علي بن محمد بن عربي، محي الدين، الصوفي، صاحب كتاب "فصوص الحكم"، قال الذهبي:"فإن كان لا يكفر فيه، فما في الدنيا كفر". شيخ سوء كذاب، (ت638هـ) . سير الأعلام 23/48.
(5)
هو عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر، أبو محمد المقدسي، اشتغل بعلم الفلسفة، فتولّد له من ذلك نوع إلحاد، (ت669هـ) . انظر: البداية والنهاية 13/275-276.
(6)
هو عمر بن علي بن مرشد بن الفارض، الحموي أبو حفص، صاحب القصيدة التائية في الحلول والاتحاد، (ت632هـ) . انظر البداية والنهاية 13/154؛ سير الأعلام 22/368؛ وميزان الاعتدال 3/214.
(7)
لا شك في أن هؤلاء الثلاثة، من أقطاب الصوفية الملاحدة، ولو لم يكن في معتقدهم سوى عقيدة الحلول والاتحاد، ووحدة الوجود، لكفى المرء تكفيراً لهم.
ومن أمثلة معتقدهم هذا: ما قاله صاحبهم أبو يزيد البسطامي (261هـ) من أئمة القوم قال عن نفسه: "رفعني مرة فأقامني بين يديه، وقال لي: يا أبى يزيد، إن خلقي يحبون أن يروك، فقلت: زيّنِّي بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وارفعني إلى أحديتك، حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك ولا أكون أنا هنا". انظر الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة، لعبد الرحمن عبد الخالق، مكتبة ابن تيمية، الكويت، ط/2، ص65.
أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (1) وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (2) .
وأما إجازتك الانتصار بهم، فالنزاع في غير هذه المسألة، بل في توليتهم وجلبهم وتمكينهم من دار إسلامية، هدموا بها شعار الإسلام وقواعد الملّة، وأصول الدين وفروعه، وعند رؤسائهم قانون وطاغوت وضعوه للحكم بين الناس في الدماء ولأموال وغيرها (3) ، مضاد ومخالف للنصوص، إذا وردت قضية نظروا فيه وحكموا به، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم (4) .
وأما مسألة الاستنصار (5) /بهم/ (6) ، مسألة خلافية، والصحيح الذي عليه
(1) سورة الأنعام: الآية (88) .
(2)
سورة الزمر: الآية (65) .
(3)
الحكم بغير ما أنزل الله، هو أحد الطواغيت الكبرى القائمة في عالمنا الحالي، يعبده ويلجأ إليه كل من هو مجرم متخوِّف من القوانين السماوية العادلة، وفيهم قال تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً} [النساء: 60-61] .
(4)
وقد نفى الله سبحانه وتعالى كمال الإيمان عن ألئك، حيث قال:{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [النساء: 65] .
(5)
تقدمت مسألة الاستعانة بالكفار في ص 239.
(6)
زائد في المطبوع.
المحققون، منع ذلك مطلقاً، وحجّتهم حديث عائشة، وهو متفق عليه (1) ، وحديث عبد الرحمن بن حبيب (2) ، وهو حديث صحيح مرفوع (3) ، اطلبهما تجدهما فيما عندك من النصوص، والقائل بالجواز، احتج بمرسل الزهري (4) ، وقد عرفت ما في المراسيل (5) إذا عارضت كتاباً أو سنةً.
(1) حديث عائشة، هو قوله صلى الله عليه وسلم " ارجع، فلن أستعين بمشرك "، وقد تقدم تخريجه في ص239.
(2)
هو عبد الرحمن بن حبيب بن أردك، ويقال حبيب بن عبد الرحمن، عن عطاء، صدوق، وله مل ينكر، من السادسة، انظر ميزان الاعتدال، 2/555؛ وتقريب التهذيب 1/476.
(3)
ديثه هو: عن أبيه عن جده، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يريد غزواً، أنا ورجل من قومي، ولم نسلم، فقلنا إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهداً لا نشهده معهم، فقال:" أسلمتما؟ " فقلنا: لا؛ فقال: " إنا لا نستعين بالمشركين "، فأسلمنا وشهدنا معه، أخرجه الهيثمي، في "مجمع الزوائد" 5/303؛ وقال: أخرجه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات، وانظر: نيل الأوطار 7/253.
(4)
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله، أبو بكر القرشي الزهري المدني، نزيل الشام، حافظ زمانه (124هـ) ، وقيل غير ذلك.
انظر: حلية الأولياء 3/360؛ سير الأعلام 5/326-350؛ تهذيب التهذيب 9/445. وحديثه: عن الزهري: " أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بناس من اليهود في خيبر، فأسهم لهم ". السنن الكبرى للبيهقي 9/53، نيل الأوطار 7/253، مرسلاً.
(5)
الحديث المرسل هو: ما رفعه التابعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، صغيراً كان التابعي أو كبيراً، وقد قيّده بعضهم، بما رفعه التابعي الكبير فقط، لأن معظم رواياته عن الصحابة.
حكمه: يُعدُّ من الأحاديث الضعيفة، لعدم اتصال سنده.
حُجَّيّته: العلماء مختلفون في الاحتجاج به إلى أقوال، بلغت نحو عشرة، أشهرها ثلاثة:
-جواز الاحتجاج به مطلقاً.
-لا يحتج به مطلقاً.
-يحتج به إذا اعتضد بعاضد، بأن يروى مسنداً أو مرسلاً من وجه آخر، أو يعمل به بعض الصحابة.
-ولعل هذا الأخير هو الأوجه. انظر في بسط الكلام حول المرسل: الكفاية في علم الرواية، للخطيب البغدادي (463هـ) ، تقديم محمد الحافظ التيجاني، ط/1، مطبعة السعادة، نشر دار الكتب الحديثة، مصر وما بعدها؛ كتاب "النكت على ابن الصلاح"، لابن حجر العسقلاني (852هـ) ، تحقيق د. ربيع بن هادي عمير، ط/1، 1404هـ-1984م، من مطبوعات الجامعة الإسلامية، بالمدينة المنورة، 2/540، ومل بعدها؛ أصول الحديث، علومه ومصطلحه، د. محمد عجاج الخطيب، دار الفكر ط/4، 1401هـ-1981م، ص 337-339.
ثم القائل به قد شرط أن يكون فيه نصح للمسلمين، ونفع لهم، وهذه القضية فيها هلاكهم ودمارهم، وشرط فيها ألا يكون /للمشرك/ (1) صولة ودولة يخشى منها، وهذا مبطل لقولك في هذه القضية؛ واشترط مع ذلك أن لا يكون له دخل في رأي ولا مشورة (2) ، بخلاف ما هنا، كل هذا ذكره الفقهاء، وشراح الحديث، ونقله في شرح المنتقى، وضعّف مرسل الزهري جداً (3) ، وكل هذا في قتال المشرك للمشرك مع أهل الإسلام.
وأم استنصار المسلم بالمشرك على الباغي، فلم يقل بهذا إلا من شذّ (4) ، واعتمد القياس، ولم ينظر إلى مناط الحكم، والجامع بين الأصل وفروعه، ومن هجم على مثل هذه الأقوال الشاذة، واعتمدها في نقله وفتواه، فقد تتبع الرخص، ونبذ الأصل المقرر عند سلف الأمة وأئمتها، /المستفاد/ (5) من حديث الحسن (6) وحديث النعمان بن
(1) في (ب) والمطبوع: (للمشركين) .
(2)
تقدم ذكر هذه الشروط في ص 239. انظر: نيل الأوطار: 7/257.
(3)
نيل الأوطار، 7/253، 255، قال الشوكاني:"الزهري مراسيله ضعيفة"، وقال: "ولا يصلح مرسل الزهري
…
لما تقدم أن مرسل الزهري ضعيف".
(4)
قال الشوكاني: "وتجوز الاستعانة بالفساق على الكفار إجماعاً، وعلى البغاة عندنا، لاستعانة علي عليه السلام، بالأشعث" انتهى، نيل الأوطار 7/254.
(5)
كذا في المطبوع، وفي جميع النسخ:(للمستفاد) .
(6)
هو الحسن بن عُمارة البجلي مولاهم، أبو محمد الكوفي الفقيه، قاضي بغداد، قال أحمد: متروك، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، أخذ عن ابن أبي مليكة، وعمرو بن مرّة وخلق، من السابعة، مات سنة (53هـ) .
انظر ترجمته: ميزان الاعتدال، 1؟ 513-515، تقريب التهذيب، 1/169.
وحديثه المراد هنا: هو مرسل الزهري المتقدم تخريجه في ص 282:" أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بناس من اليهود في خيبر.. .."الحديث.
وروى الشافعي فقال: أخبرنا يوسف، حدثنا الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن القاسم، عن ابن عباس قال: استعان النبي صلى الله عليه وسلم بيهود بني قينقاع، فرضخ لهم، ولم يسهم لهم ". قال البيهقي في "الكبرى" 9/37: لم أجده إلا من طريق الحسن بن عمارة، وهو ضعيف. والصحيح ما أخبرنا به الحاكم أبو عبد الله، فساق بسنده إلى أبي الحميد الساعدي، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا طلع ثنية الوداع إذا كتيبة، قال:" من هولاء "؟ قالوا بنو قينقاع، رهط عبد الله بن سلام، قال:" أو تسلموا " قالوا: لا، فأمرهم أن يرجعوا، أو قال:" إنا لا نستعين بالمشركين " فأسلموا". ثم ذكر رحمه الله ما ذكره الشيخ عبد اللطيف هنا من اختلاف في المسألة وشروط من أجازه.
بشير (1)، وما أحسن ما قيل:
والعلم ليس بنافع أربابه
…
ما لم يفد نظراً وحسن تبصُّر (2)
وفي رسالتك مواضع أعرضنا عنها خشية الإطالة، هذا كله من التواصي بالحق، والصبر عليه، وإن لام لائم، وشنَّأ شانئ، ولولا ما تقرر في الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، من تفصيل الكم في المخطئ والمتعمد، لكان الشأن غير الشأن، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
وبلِّغ سلامنا من لديك من الإخوان، وعيالنا وإخواننا بخير، وينهون السلام، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً.
(1) هو النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة، أبو عبد الله الأنصاري، الأمير العام، صحب رسول صلى الله عليه وسلم، وابن صاحبه، مسنده (114) حديثاً، (ت64هـ) .
(2)
تقدّم تخريجه في ص (230) .