الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شبهة في التكفير
!
المجيب د. لطف الله بن عبد العظيم خوجه
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
العقائد والمذاهب الفكرية/التكفير والعذر بالجهل
التاريخ 01/06/1427هـ
السؤال
لدي صديق عليه علامات الصلاح، ونحسبه ونحن على خير، ولكن لديه شبهة في مسائل التكفير.
وهي أنه كل من عمل من أعمال الكفر، ولو كان جاهلا بذلك، نحكم عليه بالكفر قياسًا على أن كل من سرق، يقال له: إنه سارق. وكل من زنى، يقال له: إنه زانٍ. دون أن يلتفت إلى اعتقاده، أو إلى قلبه، هل هو جاهل بالحكم أم لا؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالتكفير من الكفر؛ الذي هو ضد الإيمان، وهو حكم شرعي، يراد به: بيان حالة الخروج من ملة الإسلام.
وكونه حكما شرعيا: فإنه لا يثبت على مسلم إلا بدليل يقيني، ولا ينتفي عن كافر إلا بدليل يقيني.
فالمسلمون لا يثبت في حق أحدهم وصف الكفر إلا بدليل يقيني، هو ما أخبر عنه الشارع أنه كفر، في خبر ثابت، من القرآن أو السنة الصحيحة، قطعي الدلالة. لا يحصل بغير الثابت، ولا بظني الدلالة.
والكافرون لا ينتفي عن أحدهم وصف الكفر إلا بدليل يقيني، هو: نطقه بالشهادتين.
كفر الفعل، وكفر الفاعل.
وفي أية عملية ثلاث مراتب، هي:
1-
صورة الفعل نفسه، مجردة ذهنية.
2-
إيقاع الفعل بواسطة فاعل.
3-
الفاعل الموقع للفعل.
ففي الأولين: يلحق الوصف بالفعل بمجردهما؛ أي بصورة الفعل، وبإيقاعه.
أما في الثالث: فلا يلحق الوصف بالفاعل إلا بشرط، هو: إقامة الحجة. مثال على ذلك:
أخذ المال من حرز لأحد الناس يسمى: سرقة. وفي هذه العملية المراتب نفسها:
صورة الفعل نفسه، في حال الافتراض الذهني. وهذه تسمى: سرقة.
إيقاع الفعل نفسه، إذا قام بها أحد الناس. وهذا أيضا يسمى: سرقة.
الفاعل الموقع للسرقة، فأما هذا فلا يوصف بالسارق إلا بالشرط؛ فإنه يحتمل أنه لا يدري بأنه سارق، كأن يأخذ المال يظنه ماله. ويحتمل أنه أكره على السرقة بقتل، أو اضطر لجوع.
ومثال آخر: الزنا. فالإيلاج في فرج محرم هو: الزنا. وفيه المراتب الماضية:
صورة الفعل نفسه، في حال الافتراض والتصور الذهني. وهذه تسمى: زنا.
إيقاع الفعل نفسه، إذا تحقق عينا، حينما يقوم به أحد الناس. ويسمى كذلك: زنا.
الفاعل الموقع للزنا، فلا يوصف بالزاني إلا بالشرط؛ فيحتمل أنه أولج في فرج يظنه حلالا له، لظلام أو نوم ونحوه. ويحتمل أنه أكره على فعله.
كذلك السياف الذي يقطع الرقاب بالسيف. فالقتل هو: إزهاق الروح. وهذا قد فعل الإزهاق.
فصورة الفعل نفسه في الذهن، هي: قتل.
وإيقاع الفعل يسمى: قتلا.
لكنه ليس بقاتل قطعا.
والدليل على عدم ثبوت الوصف في حق الفاعل إلا بالشرط: أن هؤلاء المعذورين لا يؤاخذون، ويسقط عنهم الحد، ولو كان الوصف لازما لكل فاعل، ثابتا عليهم في كل حال: لوجب الحد عليهم.
ولا يقال هنا: نثبت الوصف في حق الفاعل، دون الحكم.
فهذا كلام لا معنى له، إلا الإصرار على تجريم الفاعل، ولو بالاسم والصفة، دون مراعاة عذره، وهو ينافي رحمة الشريعة، وأن الأصل فيها عدم المؤاخذة إلا بعد التقدم بالإعذار، قال تعالى:"وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا"[الإسراء:15] .
وبالنظر إلى ما سبق: فإن الكفر من الأحكام التي تأخذ التفصيل الآنف، فمثلا: الحكم بغير ما أنزل الله. فترك الحكم بما أنزل الله تعالى كليا، والحكم بما وضعه القانونيون: كفر. ثبت بذلك النص القطعي، في قوله تعالى:"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"[المائدة:44] . وفي هذا الفعل المراتب الآنفة:
صورة الفعل نفسه: الحكم بغير ما أنزل الله تعالى. في حال الافتراض الذهني، وتسمى: كفرا.
إيقاع الفعل نفسه، بقيام أحد الناس بالحكم بغير ما أنزل مطلقا، ويسمى: كفرا.
الفاعل للفعل، وهو الحاكم بغير ما أنزل الله تعالى، فلا يسمى كافرا، إلا بالشرط.
فإطلاق الوصف بالكفر على العمل، لا يشترط فيه سوى الإتيان به فحسب، أما إطلاقه على الفاعل له، فيشترط فيه – زيادة على مجرد الإتيان – قصده، وخلوه من الأعذار، وهو لا يعرف إلا بقيام الحجة؛ وذلك بثبوت الشروط (=العقل، والبلوغ، والعلم، والعمد..) ، وانتفاء الموانع (=الجهل، الجنون، النسيان، التأول، الإكراه..) .
والتعليل: أنه ليس كل من فعل الكفر فقد أراده وأحبه. بل قد يفعله مكرها، أو جاهلا، أو متأولا. وهذه أعذار واردة في كل فاعل للكفر، يستوي فيها الحاكم والمحكوم، فتجب مراعاتها، منعا للظلم، ومؤاخذة الناس بما لا يعتقدونه، ولا يقصدونه. ولو كان كل فاعل للكفر كافرا، من غير شرط:
لكفر عمار بن ياسر رضي الله عنه؛ إذ قال كلمة الكفر مكرها!!.
ولكفر الذي قال في حال فرحه، إذ وجد ناقته:(اللهم أنت عبدي، وأنا ربك)(1) . سبق لسان منه.
لكن الدليل أفاد أنهما لم يكفرا، بقوله صلى الله عليه وسلم لعمار:"إن عادوا فعد"(2)، وقوله عن الآخر:"أخطأ من شدة الفرح". وسوق القصة مساق المدح. فثبت بذلك التفريق بين الفعل والفاعل.
مهمة عسيرة.
ومع كل ذلك: فإثبات الكفر على الواقع في عمل كفر، ليس من السهولة بمكان، فإنه يحتاج إلى خطوات لازمة، واجبة:
أولاً: إثبات أن هذا العمل كفر، بنص ثابت، دلالته على المطلوب قطعية.
وهذا لا يمكن إلا بملك أدوات الفتوى: من علم بالكتاب والسنة، وأقوال أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، وقدرة على الاجتهاد. فهي مهمة العالم إذن.
ثانيا: إثبات وقوع المعين في هذا العمل الكفري، يقينا لا ظنا وخرصا.
وهذا يحتاج فيه إلى خبر متواتر، أو كلام مسطر في كتاب له، أو فعل اشتهر فصار معلوما للجميع، كتعطيل الشريعة والحكم بالقانون الوضعي، ونحو هذا.
ثالثا: إقامة الحجة على المعين؛ للتأكد من خلوه من الأعذار، التي تدرأ عنه الكفر، ولتنزيل هذا الحكم عليه.
وهذه أخطر الخطوات، وأكثرها حساسية ومسؤولية. وهي مهمة لا تتحقق، ولا تتيسر -في العادة، وفي الأعم الأغلب– ولا تكون مفيدة نافعة للناس وللدين، إلا باجتماع العلماء والحكام واتفاق أمرهم:
فالحاكم من جهة الأمر؛ فيأمر بإحضار المتهم بالعملية الكفرية، لسؤاله واستنطاقه.
والعالم من جهة الفتوى وإقامة الحجة؛ فيقوم بالمساءلة والاستنطاق، وإقامة الحجة.
رابعا: إذا قامت الحجة على المعين، وقع عليه الكفر، فيستتاب، فإن تاب وإلا طبقت عليه أحكام الردة.
فلو فرضنا أن إثبات الأمرين الأولين في المتناول، فإنه ليس كذلك في إقامة الحجة، وإثبات الكفر على معين. فإثبات الشروط، وانتفاء الموانع (= إقامة الحجة) أمر شاق وعسير، فإنه يحتاج إلى فحص كل شرط لمعرفة ثبوته، وكل مانع لمعرفة انتفائه، وقد لا يتيسر ذلك في كل حال.
وما زال كثير من العلماء يتورعون عن تكفير الأعيان، وإنما يكتفون بالحكم على القول دون القائل، نظرا منهم إلى عدم علمهم بقيام الحجة على القائل، أو عدم تمكنهم من ذلك.
والمتأمل في النصوص، يجد الفرض الذي على عامة المؤمنين، فيما بينهم من الرقابة على أمور الدين، هو:
إقامة الحجة من جهة البلاغ، كما قال تعالى:"ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين"[فصلت:33] . ببيان حقيقة الكفر، وأنواعه، وحكمه، ومتى يقع المسلم في الكفر؟. لا من جهة المساءلة، والمحاسبة، والمحاكمة، والمعاقبة. فهذا فرض على الحاكم؛ لأنه مأمور بصون الشريعة، وبإقامة الحدود. فإذا لم يقم به فهو المسؤول عنه، فالإمام راع، وهو مسؤول عن رعيته، كما في الحديث [صحيح البخاري (893) ، وصحيح مسلم (1829) ] لا يسأل أحد غيره عن تفريطه.
فالحرص على ما أوجبه أو استحبه على عموم المؤمنين، وليس فيه محذور ولا خطر؛ أعني البلاغ والدعوة والإصلاح، أولى من البحث فيما لم يوجبه عليهم، بل أوجبه على بعضهم، وهو مزلة قدم، والمسلم في سلامة منه؛ أعني تكفير الأعيان.
(1) روى مسلم (2747) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لله أشد فرحا بتوبة عبده، حين يتوب إليه، من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك، إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح". وأخرجه البخاري (6309) مختصرا.
(2)
رواه ابن جرير (2)، في تفسير قوله تعالى:"من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم.."، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فعذبوه، حتى باراهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"كيف تجد قلبك؟ ". قال: مطمئنا بالإيمان. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن عادوا فعد". تفسير ابن جرير (14/374-375) . وانظر الكلام على إسناده في الحاشية (1)(ص375) من المصدر نفسه، ومما نقل فيه أن الحافظ ابن حجر قال في الفتح:"مرسل، رجاله ثقات". وقد تكلم عليه كذلك أكرم ضياء العمري في السيرة النبوية الصحيحة (1/156) ، حاشية (6) .