المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌شبهة في التكفير - فتاوى واستشارات الإسلام اليوم - جـ ٣

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌تعليق التمائم

- ‌قراءة الفنجان والكهانة

- ‌علم النبي عليه الصلاة والسلام الغيب

- ‌إدعاء علم الأرواح

- ‌من هم آل النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الصحابة وآل البيت

- ‌إمامة الخليفة علي رضي الله عنه

- ‌هل جميع الصحابة عدول

- ‌هل سب الصحابة كفر

- ‌هل في هذا القول طعن في الصحابة، رضي الله عنهم

- ‌المفاضلة بين الصحابة رضي الله عنهم

- ‌طعن الشيعة في عمر رضي الله عنه

- ‌من هم آل البيت

- ‌تعليق ملصقات شعارها: (أنا أحب الصحابة)

- ‌هل ورد الأمر بالترضي عن الصحابة

- ‌معنى: (أشد الناس بلاء)

- ‌التشكيك في أحاديث أبي هريرة

- ‌ادعاء عصمة فاطمة رضي الله عنها

- ‌هل معاذ أعلم الصحابة

- ‌هل نسخ رضا الله عن الصحابة

- ‌قصة استسقاء النبي بعد موته

- ‌التوسل وأنواعه

- ‌شرك المتوسل بالقبور

- ‌التبرك بتراب من قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم

- ‌يا رسول الله..يا حبيب الله

- ‌(التوسل بالنبي بعد وفاته)

- ‌عبارة: (اشفع لي يا رسول الله عند الله)

- ‌الدعاء بجاه النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌المشروع والممنوع في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم

- ‌عبارة: بحق النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الإمام أحمد والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم

- ‌مذاهب الأئمة الأربعة في التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الدعاء بحق محمد

- ‌منهجهم قائم على المنامات

- ‌الأديان والمذاهب الفكرية المعاصرة

- ‌الحرية..والليبرالية

- ‌النوادي الروتارية

- ‌أحوال تنسب للتصوف

- ‌مناظرة أهل البدع

- ‌مصادر لعقيدة السلف

- ‌الفرق بين كلمة نصراني ومسيحي

- ‌حكم التعامل مع من يتهم بالابتداع والتصوف

- ‌محاسبة النفس باستخدام الجدول المكتوب

- ‌هل الخوارج كفار

- ‌موقف الإسلام من الفرقة البهائية

- ‌الفرق بين المسيحية والنصرانية

- ‌الماسونية

- ‌الفكر العلماني

- ‌حركة (ناطوري كارتا) اليهودية

- ‌لعن الكافر المعين

- ‌هل نحن أمة آخر الزمان

- ‌حزب البعث

- ‌قراءة المسلم للتوراة والإنجيل

- ‌حزب البعث بين التدين والسياسة

- ‌تفضيل المراجع الدينية على البشر

- ‌المذهب السلفي والمذاهب الأربعة

- ‌لماذا يوصف المسيحيون بالكفر

- ‌مؤتمر حوار السنة والشيعة

- ‌تحريف الإنجيل

- ‌القول بـ: (الحلول)

- ‌هل سب الشيعة غيبة

- ‌هذه الفرق الإسلامية: أيها على الحق

- ‌عقيدة الدروز

- ‌القول بـ: (الحلول)

- ‌أهل القبلة

- ‌علي رضي الله عنه وكتاب الجفر

- ‌ما معنى قولهم: فلان بعثيٌ…أو اشتراكي

- ‌كثرة الأشاعرة هل تدل على أنهم على الحق

- ‌السلف والتصوف

- ‌نبذة عن المذاهب النصرانية

- ‌هل كان أبو حنيفة مرجئاً

- ‌معنى الإرجاء

- ‌زيارة الطلبة المسلمين للكنائس

- ‌إقتناء كتب التوراة والإنجيل

- ‌مذهب الباطنية

- ‌نظرة الصوفية إلى الجهاد

- ‌ما المراد بالتوحيد الأشعري

- ‌الاستدلال بحديث"لا تجتمع أمتي على ضلالة" على صحة عقيدة الأشاعرة

- ‌هل هؤلاء من أهل القبلة

- ‌هل الشيعة الجعفرية مسلمون

- ‌الإسلام والفرق الإسلامية

- ‌تعظيم الشيعة للحسين رضي الله عنه

- ‌لماذا يمجدون الحسين دون الحسن رضي الله عنهما

- ‌أدلة عقيدة أهل السنة

- ‌قول أبي حنيفة في الإيمان

- ‌طائفة الزيدية

- ‌ما هو اللاهوت

- ‌أصول مذهب البهرة

- ‌هل يخرجه مطلق الابتداع من أهل السنة

- ‌الظرف الزماني والمكاني الذي احتضن تحريف الإنجيل

- ‌ألحقت بناتها بمدرسة راهبات

- ‌إيمان أهل الكتاب باليوم الآخر

- ‌لماذا التسمية بأهل السنة والجماعة

- ‌المذهب الأباضي

- ‌الوهابية وتكفير الصوفية

- ‌التهجم على العقيدة الدرزية

- ‌هل هذا من عقيدة الشيعة

- ‌معنى الوصية بآل البيت

- ‌السلف والتفويض

- ‌أسباب نشوء الفرق المنحرفة

- ‌النصيرية

- ‌يجادله بأقوال معزوة إلى عيسى عليه السلام

- ‌منهج التعامل عند أهل السنة

- ‌عقيدة الشوكاني وآخرين

- ‌نشأة الشيعة

- ‌دخول الكنائس

- ‌الفرقة الكُلَاّبية

- ‌ما هي الليبرالية

- ‌تكفير المعين المستهزئ بالدين

- ‌التكفير والعذر بالجهل

- ‌حكم من يقع في الشركيات عن جهل

- ‌الكفر الظاهر والخفي

- ‌المسائل التي يُعذر فيها بالجهل

- ‌هل التكفير واجب

- ‌شبهة في التكفير

- ‌عبارة "الله يخونك إذا خنتني

- ‌المناهي اللفظية

- ‌القول: بغدر الزمن

- ‌عبارة (الزمن غدّار)

- ‌عبارة "رب ما عبدتك خوفاً من نارك

- ‌تنزيه القرآن لمريم وابنها دون الناس

- ‌الإيمان بالرسل

- ‌وفاة المسيح أم قتله وصلبه

- ‌هل تنتهي رسالة الرسل بموتهم

- ‌الشك في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌علم الرسل للغيب

- ‌هل التطور سبب تعدد الأنبياء وختمهم

- ‌هل أرسل رسول من البادية

- ‌ما الدليل على أن النبي تلقى القرآن من الوحي

- ‌عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌دلالة القرآن على عودة عيسى عليه السلام

- ‌حكم دراسة مادة تطعن في الأنبياء

- ‌فترة حمل وولادة عيسى عليه السلام

- ‌ارتكب الأنبياء عليهم السلام الصغائر

- ‌حقيقة رفع عيسى عليه السلام إلى السماء

- ‌يحب ابنه أكثر من النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ملة إبراهيم عليه السلام

- ‌هل نسبة بعض القبور إلى الأنبياء صحيحة

- ‌(هل لكل نبي دعوة لأمته يوم القيامة

- ‌ما المراد بخاتم الأنبياء

- ‌الطعن في أمية محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌عصمة الأنبياء من الذنوب

- ‌المقصود بالحكمة في قوله "وآتاه الله الملك والحكمة

- ‌ختم النبوة بمحمد ونزول عيسى عليهما الصلاة السلام

- ‌مس كتب التوراة والإنجيل

- ‌الإيمان بالكتب

- ‌قصة قتل عمر للمنافق

- ‌القتال بين موسى ومحمد عليهما السلام

- ‌هل ترى المرأة ربها في الجنة

- ‌الإيمان باليوم الآخر

- ‌هل ينادى الناس يوم القيامة بأسماء أمهاتهم

- ‌يا بني أوقف هذه التساؤلات

- ‌زوج المرأة في الآخرة

- ‌رؤية أمهات المؤمنين في الجنة

- ‌المذهب الحق في رؤية الله تعالى

- ‌مم خلقت الحور العين

- ‌هل يرى الرجال النساء في الجنة

- ‌هل الأطفال طيور في الجنة

- ‌عرض أعمال الأحياء على الأموات

- ‌تغليب الثواب الدنيوي على الأخروي

- ‌نار جهنم هل تفنى

- ‌رؤية الأخ لأخيه في الجنة

- ‌من هم أصحاب اليمين

- ‌جنة آدم وجنة الخلد

- ‌هل للمسلم أن يسأل عن مكان النار

- ‌القنطرة بين الجنة والنار

- ‌القول بفناء الجنة

- ‌علاقة المحسن بالمسيئين من أقاربه يوم القيامة

- ‌هل تتزوج غير زوجها في الجنة

- ‌هل المعاصي توجب الخلود في النار

- ‌رؤية النساء لله في الجنة

- ‌متعة المؤمنات في الجنة

- ‌هل المسلمون هم الذين يعبرون الصراط وحدهم

- ‌محاسبة الجن في الآخرة

- ‌الرسوم التوضيحية للأمور الغيبية

- ‌بم تحصل مجاورة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة

- ‌هل أهل الجنة على صورة يوسف عليه السلام

- ‌في أي دركات النار يكون عصاة الموحدين

- ‌رأي ابن تيمية في قدم العالم وفناء النار

- ‌صفة الحور العين من القرآن والسنة

- ‌شهادة الجوارح يوم القيامة

- ‌ الولاء والبراء

- ‌معاملة الزميل الكافر

- ‌حكم التجنّس بالجنسية الأوربية للمسلم

- ‌العمل لدى الحكومة الكافرة

- ‌تقسيم موالاة الكافر ومظاهرته

- ‌موالاة الكفار وتوليهم

- ‌المشاركة في أعياد النصارى

- ‌موافقة الكفار في أعيادهم

- ‌محبة الكفار

- ‌الفرق بين التولي والموالاة

- ‌البقاء بين ظهراني الكفار

- ‌وضع الأزهار على القبور

- ‌الاستشهاد بنصوص التوراة

- ‌أخوَّة الروافض

- ‌هل أضع شجرة الكريسمس في بيتي

- ‌المشاركة في أعياد الكفار

- ‌الإقامة في بلد الكفار

- ‌قول المسلم للكافر "أنا أحترم دينك

- ‌بيع بطاقات التهنئة بعيد الكريسماس

- ‌شعارات الأندية الرياضية التي فيها صلبان

- ‌هل في هذا تشبه بالكفار

- ‌رعاية المعوقين من الكفار

- ‌التشبه بالكفار

- ‌صداقة الكافر

- ‌ما الفرق بين الاتِّباع والابتداع

- ‌ البدع

- ‌البدعة

- ‌حقيقة البدعة وضوابطها

- ‌المداومة على سجود الشكر

- ‌متى يكون الرجل مبتدعاً

- ‌هل رفع الأيدي في القنوت بدعة

- ‌متى تحرم مجالسة المبتدعة

- ‌هل يدل هذا على مشروعية الابتداع

- ‌هل أعمل مرشداً سياحياً للآثار الإسلامية

- ‌عيد الأم

- ‌عيد النيروز

- ‌عيد الميلاد وذكرى الميلاد

- ‌زيارة الأهرامات

- ‌قراءة آيات عند أول الحصاد

- ‌الاحتفال بالمولد النبوي

- ‌خصوصية رجب

- ‌ذبح الذبيحة لطرد الجن من البيت

- ‌حديث النهي عن الصيام بعد انتصاف شعبان

- ‌الاحتفال بليلة النصف من شعبان

الفصل: ‌شبهة في التكفير

‌شبهة في التكفير

!

المجيب د. لطف الله بن عبد العظيم خوجه

عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى

العقائد والمذاهب الفكرية/التكفير والعذر بالجهل

التاريخ 01/06/1427هـ

السؤال

لدي صديق عليه علامات الصلاح، ونحسبه ونحن على خير، ولكن لديه شبهة في مسائل التكفير.

وهي أنه كل من عمل من أعمال الكفر، ولو كان جاهلا بذلك، نحكم عليه بالكفر قياسًا على أن كل من سرق، يقال له: إنه سارق. وكل من زنى، يقال له: إنه زانٍ. دون أن يلتفت إلى اعتقاده، أو إلى قلبه، هل هو جاهل بالحكم أم لا؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فالتكفير من الكفر؛ الذي هو ضد الإيمان، وهو حكم شرعي، يراد به: بيان حالة الخروج من ملة الإسلام.

وكونه حكما شرعيا: فإنه لا يثبت على مسلم إلا بدليل يقيني، ولا ينتفي عن كافر إلا بدليل يقيني.

فالمسلمون لا يثبت في حق أحدهم وصف الكفر إلا بدليل يقيني، هو ما أخبر عنه الشارع أنه كفر، في خبر ثابت، من القرآن أو السنة الصحيحة، قطعي الدلالة. لا يحصل بغير الثابت، ولا بظني الدلالة.

والكافرون لا ينتفي عن أحدهم وصف الكفر إلا بدليل يقيني، هو: نطقه بالشهادتين.

كفر الفعل، وكفر الفاعل.

وفي أية عملية ثلاث مراتب، هي:

1-

صورة الفعل نفسه، مجردة ذهنية.

2-

إيقاع الفعل بواسطة فاعل.

3-

الفاعل الموقع للفعل.

ففي الأولين: يلحق الوصف بالفعل بمجردهما؛ أي بصورة الفعل، وبإيقاعه.

أما في الثالث: فلا يلحق الوصف بالفاعل إلا بشرط، هو: إقامة الحجة. مثال على ذلك:

أخذ المال من حرز لأحد الناس يسمى: سرقة. وفي هذه العملية المراتب نفسها:

صورة الفعل نفسه، في حال الافتراض الذهني. وهذه تسمى: سرقة.

إيقاع الفعل نفسه، إذا قام بها أحد الناس. وهذا أيضا يسمى: سرقة.

ص: 271

الفاعل الموقع للسرقة، فأما هذا فلا يوصف بالسارق إلا بالشرط؛ فإنه يحتمل أنه لا يدري بأنه سارق، كأن يأخذ المال يظنه ماله. ويحتمل أنه أكره على السرقة بقتل، أو اضطر لجوع.

ومثال آخر: الزنا. فالإيلاج في فرج محرم هو: الزنا. وفيه المراتب الماضية:

صورة الفعل نفسه، في حال الافتراض والتصور الذهني. وهذه تسمى: زنا.

إيقاع الفعل نفسه، إذا تحقق عينا، حينما يقوم به أحد الناس. ويسمى كذلك: زنا.

الفاعل الموقع للزنا، فلا يوصف بالزاني إلا بالشرط؛ فيحتمل أنه أولج في فرج يظنه حلالا له، لظلام أو نوم ونحوه. ويحتمل أنه أكره على فعله.

كذلك السياف الذي يقطع الرقاب بالسيف. فالقتل هو: إزهاق الروح. وهذا قد فعل الإزهاق.

فصورة الفعل نفسه في الذهن، هي: قتل.

وإيقاع الفعل يسمى: قتلا.

لكنه ليس بقاتل قطعا.

والدليل على عدم ثبوت الوصف في حق الفاعل إلا بالشرط: أن هؤلاء المعذورين لا يؤاخذون، ويسقط عنهم الحد، ولو كان الوصف لازما لكل فاعل، ثابتا عليهم في كل حال: لوجب الحد عليهم.

ولا يقال هنا: نثبت الوصف في حق الفاعل، دون الحكم.

فهذا كلام لا معنى له، إلا الإصرار على تجريم الفاعل، ولو بالاسم والصفة، دون مراعاة عذره، وهو ينافي رحمة الشريعة، وأن الأصل فيها عدم المؤاخذة إلا بعد التقدم بالإعذار، قال تعالى:"وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا"[الإسراء:15] .

وبالنظر إلى ما سبق: فإن الكفر من الأحكام التي تأخذ التفصيل الآنف، فمثلا: الحكم بغير ما أنزل الله. فترك الحكم بما أنزل الله تعالى كليا، والحكم بما وضعه القانونيون: كفر. ثبت بذلك النص القطعي، في قوله تعالى:"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"[المائدة:44] . وفي هذا الفعل المراتب الآنفة:

صورة الفعل نفسه: الحكم بغير ما أنزل الله تعالى. في حال الافتراض الذهني، وتسمى: كفرا.

إيقاع الفعل نفسه، بقيام أحد الناس بالحكم بغير ما أنزل مطلقا، ويسمى: كفرا.

ص: 272

الفاعل للفعل، وهو الحاكم بغير ما أنزل الله تعالى، فلا يسمى كافرا، إلا بالشرط.

فإطلاق الوصف بالكفر على العمل، لا يشترط فيه سوى الإتيان به فحسب، أما إطلاقه على الفاعل له، فيشترط فيه – زيادة على مجرد الإتيان – قصده، وخلوه من الأعذار، وهو لا يعرف إلا بقيام الحجة؛ وذلك بثبوت الشروط (=العقل، والبلوغ، والعلم، والعمد..) ، وانتفاء الموانع (=الجهل، الجنون، النسيان، التأول، الإكراه..) .

والتعليل: أنه ليس كل من فعل الكفر فقد أراده وأحبه. بل قد يفعله مكرها، أو جاهلا، أو متأولا. وهذه أعذار واردة في كل فاعل للكفر، يستوي فيها الحاكم والمحكوم، فتجب مراعاتها، منعا للظلم، ومؤاخذة الناس بما لا يعتقدونه، ولا يقصدونه. ولو كان كل فاعل للكفر كافرا، من غير شرط:

لكفر عمار بن ياسر رضي الله عنه؛ إذ قال كلمة الكفر مكرها!!.

ولكفر الذي قال في حال فرحه، إذ وجد ناقته:(اللهم أنت عبدي، وأنا ربك)(1) . سبق لسان منه.

لكن الدليل أفاد أنهما لم يكفرا، بقوله صلى الله عليه وسلم لعمار:"إن عادوا فعد"(2)، وقوله عن الآخر:"أخطأ من شدة الفرح". وسوق القصة مساق المدح. فثبت بذلك التفريق بين الفعل والفاعل.

مهمة عسيرة.

ومع كل ذلك: فإثبات الكفر على الواقع في عمل كفر، ليس من السهولة بمكان، فإنه يحتاج إلى خطوات لازمة، واجبة:

أولاً: إثبات أن هذا العمل كفر، بنص ثابت، دلالته على المطلوب قطعية.

وهذا لا يمكن إلا بملك أدوات الفتوى: من علم بالكتاب والسنة، وأقوال أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، وقدرة على الاجتهاد. فهي مهمة العالم إذن.

ثانيا: إثبات وقوع المعين في هذا العمل الكفري، يقينا لا ظنا وخرصا.

وهذا يحتاج فيه إلى خبر متواتر، أو كلام مسطر في كتاب له، أو فعل اشتهر فصار معلوما للجميع، كتعطيل الشريعة والحكم بالقانون الوضعي، ونحو هذا.

ص: 273

ثالثا: إقامة الحجة على المعين؛ للتأكد من خلوه من الأعذار، التي تدرأ عنه الكفر، ولتنزيل هذا الحكم عليه.

وهذه أخطر الخطوات، وأكثرها حساسية ومسؤولية. وهي مهمة لا تتحقق، ولا تتيسر -في العادة، وفي الأعم الأغلب– ولا تكون مفيدة نافعة للناس وللدين، إلا باجتماع العلماء والحكام واتفاق أمرهم:

فالحاكم من جهة الأمر؛ فيأمر بإحضار المتهم بالعملية الكفرية، لسؤاله واستنطاقه.

والعالم من جهة الفتوى وإقامة الحجة؛ فيقوم بالمساءلة والاستنطاق، وإقامة الحجة.

رابعا: إذا قامت الحجة على المعين، وقع عليه الكفر، فيستتاب، فإن تاب وإلا طبقت عليه أحكام الردة.

فلو فرضنا أن إثبات الأمرين الأولين في المتناول، فإنه ليس كذلك في إقامة الحجة، وإثبات الكفر على معين. فإثبات الشروط، وانتفاء الموانع (= إقامة الحجة) أمر شاق وعسير، فإنه يحتاج إلى فحص كل شرط لمعرفة ثبوته، وكل مانع لمعرفة انتفائه، وقد لا يتيسر ذلك في كل حال.

وما زال كثير من العلماء يتورعون عن تكفير الأعيان، وإنما يكتفون بالحكم على القول دون القائل، نظرا منهم إلى عدم علمهم بقيام الحجة على القائل، أو عدم تمكنهم من ذلك.

والمتأمل في النصوص، يجد الفرض الذي على عامة المؤمنين، فيما بينهم من الرقابة على أمور الدين، هو:

إقامة الحجة من جهة البلاغ، كما قال تعالى:"ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين"[فصلت:33] . ببيان حقيقة الكفر، وأنواعه، وحكمه، ومتى يقع المسلم في الكفر؟. لا من جهة المساءلة، والمحاسبة، والمحاكمة، والمعاقبة. فهذا فرض على الحاكم؛ لأنه مأمور بصون الشريعة، وبإقامة الحدود. فإذا لم يقم به فهو المسؤول عنه، فالإمام راع، وهو مسؤول عن رعيته، كما في الحديث [صحيح البخاري (893) ، وصحيح مسلم (1829) ] لا يسأل أحد غيره عن تفريطه.

ص: 274

فالحرص على ما أوجبه أو استحبه على عموم المؤمنين، وليس فيه محذور ولا خطر؛ أعني البلاغ والدعوة والإصلاح، أولى من البحث فيما لم يوجبه عليهم، بل أوجبه على بعضهم، وهو مزلة قدم، والمسلم في سلامة منه؛ أعني تكفير الأعيان.

(1) روى مسلم (2747) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لله أشد فرحا بتوبة عبده، حين يتوب إليه، من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك، إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح". وأخرجه البخاري (6309) مختصرا.

(2)

رواه ابن جرير (2)، في تفسير قوله تعالى:"من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم.."، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فعذبوه، حتى باراهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"كيف تجد قلبك؟ ". قال: مطمئنا بالإيمان. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن عادوا فعد". تفسير ابن جرير (14/374-375) . وانظر الكلام على إسناده في الحاشية (1)(ص375) من المصدر نفسه، ومما نقل فيه أن الحافظ ابن حجر قال في الفتح:"مرسل، رجاله ثقات". وقد تكلم عليه كذلك أكرم ضياء العمري في السيرة النبوية الصحيحة (1/156) ، حاشية (6) .

ص: 275