الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يا بني أوقف هذه التساؤلات
المجيب د. عبد الوهاب بن ناصر الطريري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان باليوم الآخر
التاريخ 01/11/1425هـ
السؤال
بسم الله الرحمن الرحيم.. ما الحكمة من اختيار الله النار للعذاب مع تعدد طرقه؟ فقد تكون الكهرباء أقوى في العذاب من النار ـ على سبيل المثال فقط لا غير ـ؟ ودمتم سالمين.
الجواب
أيها الابن الكريم
أولاً: سؤالك هذا وأنت في السابعة عشر من عمرك وهي سن نشاط ذهني ترد إلى الذهن فيها هذه التساؤلات وأكثر منها، ولذا فإني أنصحك بعدم الاستمرار مع هذه التساؤلات فإن تقدمك في السن ونضجك التعليمي والعملي في المستقبل سيكشف لك أن كثيراً من هذه التساؤلات غير واردة، وليست في محلها الصحيح، وستجد أن ذهنك يعرض عنها ويتجه إلى غيرها مما هو أجدى، وكثيراً ما يعيش الشباب في مثل سنك حمى هذه التساؤلات وإذا تقدمت السن واتسعت المدارك وأخذت الحقائق حجمها الحقيقي هدأت هذه التساؤلات وخف هذا التوتر في الذهن، وانشغل الذهن والفكر بما هو أجدى وأنفع وأخذت هذه التساؤلات حجمها الحقيقي.
ثانياً: إن التمادي مع هذه التساؤلات وتطلُّب الجواب ينقلك في الغالب إلى أسئلة أخرى فربما تقع في ورطات فكرية لا تستطيع الانفكاك منها. والسبب في ذلك اقتحام العقل ما ليس من مجاله، ونزوله إلى غير ميدانه، فإن الله - جل وعلا- رزقنا العقول لنحاكم بها أنفسنا ونعرف بها طريق هدايتها، لا لنحاكم بها حكمة الله وقدره وشرعه، وهناك فرق كبير ينبغي ألاّ يغيب عنك وهو التفريق بين مالا يفهمه العقل وبين ما يرده العقل؛ أمّا مالا يفهمه العقل فكثير، وسببه قصور العقل عن إدراكه، وأمّا ما يرفضه العقل ويرده فليس في كل ما أخبر الله به أو شرعه ما يمكن أن يكون مخالفاً للعقل ومصادماً له.
ثالثاً: نقع في خطأ كبير عندما ننقل قوانين الأرض الفيزيائية والطبيعية إلى عالم البرزخ أو إلى ملكوت السماوات، أو إلى غيب الآخرة.
يا بني إن هذه الأرض التي تراها على امتدادها وانفساحها وسعتها ما هي إلا هباءة تسبح في ملكوت واسع، أو كما يقول بعض علماء الفلك:"الأرض بالنسبة للكون نقطة على كلمة في مجلد في مكتبة". فكيف تريد أن تنقل قوانينها الفيزيائية والطبيعية وتعممها في الكون كله وتنقلها إلى آفاق السماوات وغيب الآخرة.
يا بني إن المركبة الفضائية الصغيرة إذا خرجت من الأرض نظرت إليها عن بعد فإذا هي كالبرتقالة، وانفكت عن أول قوانين الأرض التي كانت تأسرها وهي الجاذبية، فكيف تنقل قوانين الأرض إلى ملكوت الله الفسيح، أو إلى غيب الآخرة المحجوب عنّا.
رابعاً: إنك تساءلت عن عذاب النار، ولماذا يكون بالنار ولا يكون بغيره من أنواع العذاب؟ والذي ينبغي علينا أن يكون تساؤلنا الحقيقي عندما نذكر النار هو: ما الذي يكون سبباً في اتقاء عذابها والفوز بالنجاة منها "فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز"[آل عمران:185] .
لا أن يكون تساؤلنا في اقتراح أنواع من العذاب فيها، ولذلك أُمرنا بالاستعاذة من عذاب النار في كل صلاة، نقول: اللهم إننا نعوذ بك من عذاب النار ومن عذاب القبر، وحكى الله عن عباده الصالحين دعاءهم "ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما" [الفرقان:65] .
إن الذي ينبغي أن نتساءل عنه كيف نتقي عذاب النار، وليس الانشغال بالتساؤل عن أنواع عذاب النار وكيفيتها وما هو الأشد منها عافانا الله وإياك وأعاذنا من النار.
خامسا: أما إذا عدنا إلى سؤالك فعليك أن تعلم أن أنواع العذاب والنعيم التي في الآخرة لا تماثل مسمياتهما في الدنيا، ولذلك روى الطبري في تفسيره (490) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ليس في الدنيا مما في الآخرة إلاّ الأسماء، أي: أن حقائقها لا تتماثل وإنما يوجد تقارب في المعنى يوضح الحقيقة ولا يعني التطابق والتماثل، ولذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن البون الشاسع بين نار الدنيا ونار الآخرة فقال:"ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم" قيل: يا رسول الله إن كانت لكافية؟ قال: "فضلت عليهن بتسعة وستين جزءاً كلها مثل حرها" رواه البخاري (3265) ومسلم (2843) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قالوا: يا رسول الله، وإن كانت لكافية.) فليس بين نار الآخرة ونار الدنيا تماثل حتى نقيس عليه باقي صنوف عذاب الدنيا.
سادساً: عندما ذكر الله عز وجل من عذاب جهنم عذاب النار كان هذا في وحي يخاطب جميع أجيال البشرية وفي بقاع الدنيا كلها والبشر كلهم على تعاقب الأعصار وتفرق الديار يدركون ما في النار من إحراق وعقوبة فما ظنك لو ذكر أموراً لا تدرك إلاّ في زمن دون زمن، أو في بلد دون بلد من نحو ما أشرت إليه ـ كالصعق الكهربائي ونحوه ـ فهل سيكون هذا في كتاب يخاطب البشرية في الدهور كلها، إن هذه الأمور التي تذكرها الآن غير مدركة في بلاد كثيرة، وغير مدركة في أعصار كثيرة، فكان من إعجاز هذا الكتاب العظيم ذكره الحقيقة التي يشترك فيها البشر والتي لا يضرها تعاقب الأجيال، ولا تفرق الأماكن.
سابعاّ: من أين أتيت بأن الكهرباء أقوى في العذاب من النار، يا بني إن في الدنيا من عذاب النار ما لا يمكن تصوره، عذاباً بعضه أشد من بعض، ففي الدنيا التي نارها جزء من تسعة وستين جزءاً من نار جهنم مصاهر الحديد ومصاهر الصخور التي تصل درجة حرارتها إلى آلاف الدرجات المئوية فإذا كانت نار الدنيا فيها هذا القدر الشديد من الحرارة فما بالك بنار الآخرة، علماً بأن نار الآخرة ليس عذابها فقط في حرارتها ولكن في بقاء المعذبين في هذه الحرارة المحرقة بحيث يتعذبون بسعير جهنم من غير أن ينتج عن هذا السعير هلاك لهم، كما قال الله عز وجل:"لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها"[فاطر:36] . فنار الدنيا مهما كانت شدة العذاب فيها فإنه ينتهي سريعاً إلى الهلاك، أما نار جهنم -نسأل الله أن يجيرنا منها- فهي على هذه الدرجة من الحرارة ومع ذلك فإن حالهم كما أخبر الله:"كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب"[النساء:56]، وقال تعالى:"وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ"[فاطر:37] وهذه كيفية من العذاب غاية في الشدة والهول نسأل الله العافية.
ثامناً: إن الذي خلق الخلق هو أعلم به، " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" [الملك:14] فهو -جل وعز- أعلم بخلقه وأعلم بأنواع نعيم المطيعين وأنواع عذاب المجرمين وهذا الرب الذي خلق وعلم ما خلق أخبر أن عذاب النار هو أشد العذاب فكل ما يرد في ذهنك من صور العذاب فما في النار أشد منه كما قال الله عز وجل:"أدخلوا آل فرعون أشد العذاب "[غافر:46] فقوله: "أشد العذاب" يدل على أنه لا يوجد عذاب أشد من هذا العذاب الذي يصلاه آل فرعون في النار، وكل ما يخطر على بالك من أنواع العذاب فهو دونه في الشدة لأن الذي أخبر بذلك هو الذي خلق الخلق وهو أعلم بهم "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" [الملك:14] .
تاسعا: إن ما في النار من العذاب ليس مقصوراً على التهاب حرارة النار، ففي النار من أنواع العذاب شكول أخرى فيها الزمهرير وفيها الزقوم وفيها السلاسل والأغلال ومقامع من حديد، وماء كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم فحرارة النار هي نوع من عذابها، وفيها من أنواع العذاب أشياء أخرى نسأل الله أن يجيرنا منها.
أيها الابن الكريم وبعد هذا كله فإني أنصح نفسي وإياك بأن يكون في قلوبنا توقير للرب الذي نعبده وتعظيم للكتاب الذي أنزله، وذلك بأن نتوجه إلى المعنى الذي سيقت من أجله الأخبار فنملأ به قلوبنا، فأخبار النار إنما سيقت لتحذيرنا وتخويفنا منها وإنذارنا من الوقوع فيها، وحملنا على تجنب المعاصي والآثام والالتزام بطاعة الله ومرضاته التي هي طريق إلى جنته. فهذا الشيء الذي ينبغي أن يكون عامراً في قلوبنا وهذا الشيء الذي ينبغي أن تتحرك فيه قوانا العقلية والفكرية لا أن ننقل عقولنا إلى التفكير فيما هو وراء ذلك مما يقصر العقل عن إدراكه ويفوت الثمرة العظمى الحقيقية التي جاءت الأخبار وتنزلت الآيات من أجلها نسأل الله أن يأخذ بنواصينا إلى الحق وأن يهدينا سواء السبيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.