الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ادعاء عصمة فاطمة رضي الله عنها
-
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
العقائد والمذاهب الفكرية/الصحابة وآل البيت
التاريخ 12/08/1425هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كنت أتحاور مع أحد الشيعة عن العصمة، وسار بنا الموضوع إلى عصمة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها قال بأن فاطمة رضي الله عنها معصومة وغضبها من غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو غضب الله، فهي معصومة، وذكر حديثاً في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني"، وكذلك حديث في صحيح البخاري أن عليًّا رضي الله عنه خطب بنت أبي جهل، فسمعت بذلك فاطمة رضي الله عنها فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت إنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح بنت أبي جهل، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته حين تشهد يقول أما بعد: أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني وصدقني وإن فاطمة بضعة مني وإني أكره أن يسوءها والله لا يجمع بين ابنة رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد فترك علي الخطبة، ومن الحديثين قال يدل على عصمتها؛ لأنها غضبت على شيء ليس لها حق أن تغضب له، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كاد أن يغضب لغضبها لو تم هذا الزواج فما الرد على أدلته؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحديث المشار إليه في السؤال أخرجه البخاري (3110) ، ومسلم (2449)، من حديث الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، رضي الله عنه، خَطَبَ ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ عليها السلام، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ عَلَى مِنْبَرِهِ هَذَا، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ، فَقَالَ:"إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّي، وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا". ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ، قَالَ:"حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي، وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ أَبَدًا".
من المتقرر في عقيدة أهل السنة والجماعة أن أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم- هم المعصومون فيما يبلغونه عن الله تبارك تعالى، ولا يُقَرُّون على خطأ في دين الله، ولا عصمة لأحد بعد أنبياء الله ورسله، وفاطمة، رضي الله عنها وأرضاها، كغيرها من الصحابة، رضي الله عنهم، ليست معصومة، ولم تدَّع العصمة لنفسها، وليس في هذا الحديث ما يدل على عصمتها، بل هو يدل على أن غضبها رضي الله عنها كان بحق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرها على ذلك وغضب لغضبها، ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يغضب إلا بحق، ولهذا لما كان عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما، يكتب كل شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم نهته قريش، وقالت له: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا؟ فَأَمْسَك عَنْ الْكِتَابِ، ثم ذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ:"اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ". أخرجه أبو داود (3646) . ولكن قد يُستشكل في هذه القصة بأن ما أراد أن يفعله علي، رضي الله عنه، من الزواج على فاطمة، رضي الله عنها، حقٌ له؛ لأنه يجوز للرجل أن يتزوج بأكثر من واحدة، وللعلماء توجيهات لما جاء في هذه القصة يتضح من خلالها زوال الإشكال، ومن هذه التوجيهات:
1-
أن هذه القصة تُحمل على أن النبي صلى الله عليه وسلم حرَّم على علي، رضي الله عنه، أن يجمع بين ابنته وبين ابنة أبي جهل، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ أَبَدًا ". ومعنى ذلك أن الضرة تكون بمنزلة ضرتها، ولا يليق أن تكون ابنة أبي جهل مع فاطمة في درجة واحدة.
2-
أنه يفهم من سياق القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم شَرَط على علي، رضي الله عنه، ألا يتزوج على فاطمة، رضي الله عنها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكَر صهره الآخر وأنه وفَّى بما قال، ويظهر أنه وفَّى بالشرط وهو ألا يتزوج على ابنته، حيث قال صلى الله عليه وسلم عنه:"حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي". قال الحافظ ابن حجر: قوله: "حدثني فصدقني". لعله كان شرط على نفسه ألا يتزوج على زينب، وكذلك علي، رضي الله عنه، فإن لم يكن كذلك فهو محمول على أن عليًّا نسي ذلك الشرط، فلذلك أقدم على الخطبة، أوْ لم يقع عليه شرط إذ لم يصرح بالشرط، لكن كان ينبغي له أن يراعي هذا القدر، فلذلك وقعت المعاتبة. [فتح الباري (7/86) ] . وقال الحافظ ابن القيم: إن الرجل إذا شرط لزوجته ألا يتزوج عليها، لزمه الوفاء بالشرط، ومتى تزوج عليها فلها الفسخ، ووجه تضمن الحديث لذلك أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن ذلك يؤذي فاطمة ويريبها، وأنه يؤذيه صلى الله عليه وسلم ويريبه، ومعلوم قطعًا أنه صلى الله عليه وسلم إنما زوجه فاطمة، رضي الله عنها، على أن لا يؤذيها ولا يريبها، ولا يؤذي أباها صلى الله عليه وسلم ولا يريبه، وإن لم يكن هذا مشترطًا في صلب العقد، فإنه من المعلوم بالضروة أنه إنما دخل عليه، وفي ذكره صلى الله عليه وسلم صهره الآخر، وثنائه عليه بأنه حدثه فصدقه، ووعده فوفى له تعريض بعلي، رضي الله عنه، وتهييج له على الاقتداء به، وهذا يشعر بأنه جرى منه وعد له بأنه لا يريبها ولا يؤذيها، فهيجه على الوفاء له كما وفى صهره الآخر. [زاد المعاد (5/ 117- 118) ] .
3-
أن مراعاة ذلك في حق فاطمة، رضي الله عنها، أنها إذ ذاك فاقدة لمن تركن إليه، ومن يؤنسها ويزيل عنها وحشتها من أم أو أخت، لأنها رضي الله عنها كانت أصيبت بأمها، ثم بأخواتها واحدة بعد واحدة؛ فلم يبق لها من تستأنس به ممن يخفف عليها الأمر ممن تفضي إليه بسرها إذا حصلت لها الغيرة. [ينظر: فتح الباري (7/86) ] . هذا ملخص توجيهات العلماء لهذا الحديث، وهي توجيهات واضحة يندفع بها الإشكال. والحمد لله..
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يُقِرَّ فاطمة، رضي الله عنها، حين أرسلها أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يطلبن منها أن تناشد النبي صلى الله عليه وسلم العدل في بنت أبي بكر، كما جاء عن عائشة، رضي الله عنها، قَالَتْ: أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ مَعِي فِي مِرْطِي، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ. وَأَنَا سَاكِتَةٌ. قَالَتْ: فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَيْ بُنَيَّةُ، أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ ". فَقَالَتْ: بَلَى. قَالَ: "فَأَحِبِّي هَذِهِ". قَالَتْ: فَقَامَتْ فَاطِمَةُ حِينَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَرَجَعَتْ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَتْهُنَّ بِالَّذِي قَالَتْ، وَبِالَّذِي قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْنَ لَهَا: مَا نُرَاكِ أَغْنَيْتِ عَنَّا مِنْ شَيْءٍ فَارْجِعِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُولِي لَهُ: إِنَّ أَزْوَاجَكَ يَنْشُدْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ. فَقَالَتْ فَاطِمَةُ، رضي الله عنها: وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَدًا. أخرجه البخاري (2581) ، ومسلم (2442) .
وخفي على فاطمة، رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ....". فطالبت أبا بكر، رضي الله عنه، بميراثها من النبي صلى الله عليه وسلم ففي صحيح البخاري (4241) وصحيح مسلم (1759) ، من حديث عَائِشَةَ، رضي الله عنها، أَنَّ فَاطِمَةَ عليها السلام بِنْتَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، رضي الله عنه، تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، رضي الله عنه: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فِي هَذَا الْمَالِ". وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ، رضي الله عنه، أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ، رضي الله عنها، مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ.
ففاطمة، رضي الله عنها، وهي سيدة نساء العالمين، وابنة سيد ولد آدم أجمعين، ليست معصومة، ولم تدع العصمة لنفسها، فمن ادعى لها العصمة فقد أساء وغَلَا وضل عن الطريق المستقيم. نسأل الله تبارك وتعالى أن يهدينا للحق، ويرزقنا اتباعه.