الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذه الفرق الإسلامية: أيها على الحق
؟
المجيب د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي
عضو البحث العلمي بجامعة القصيم
العقائد والمذاهب الفكرية/الأديان والمذاهب الفكرية المعاصرة
التاريخ 13/9/1424هـ
السؤال
شيخنا: إن كل فرقة تدَّعي أنها على العقيدة الصحيحة، وهذا ليس عبثا، لأن الكل حريص أن يعرف العقيدة الصحيحة حتى يكون من الفرقة الناجية، إذا نظرنا إلى أهل السنة في أقطاب الأرض وفي بلادنا العربية على وجه الخصوص، نجد أن السواد الأعظم هم على معتقد الأشاعرة والماتريدية، ويعتقدون أنها هي عقيدة السلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة، والسلفية من طرف آخر تعتقد أنها على العقيدة الحقه التي كان عليها الصحابة والتابعون والأئمة الأربعة، أعلم أن الحق لا يستدل عليه بالكثرة، ولكن ألا ترى يا شيخنا أن السلفية والأشاعرة متفقون على أن العقيدة الصحيحة هي عقيدة السلف، ولكن الاختلاف هو في معرفة ما كان عليه السلف حقا، فهذا الفريق يروي أخباراً وروايات عن الأئمة الأربعة على سبيل المثال تؤيد معتقده، والفريق الآخر يكذب تلك الأخبار ويروي أخبارا أخرى تؤيد معتقده هو، ما يحيرني يا شيخنا، إذا اعتقدنا أن العقيدة السلفية هي العقيدة الصحيحة، كيف كان السواد الأعظم من أهل السنة على خلافها، وهم يتوارثون علم العقيدة جيلا عن جيل، وكيف عرف شيخ الإسلام عقيدة السلف ولم يعرفها علماء الأمة من المذاهب الأربعة قبله؟ هذا ما يحيرني يا شيخنا، وهو كيف لي أن أتحقق من العقيدة الصحيحة؟ ما هي المنهجية الصحيحة التي يجب أن ألجأ إليها بعد الله لأعرف الحق؟ وكيف عرفت أنت أيها الشيخ الكريم أنك على المعتقد الحق؟ وكل أهل السنة باستثناء السلفية على خلاف ما تعتقده أنت في تفاصيل العقيدة. أعتذر عن الإطالة ولكن الموضوع مهم. وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله، وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فإن العقيدة الصحيحة هي المستمدة من الكتاب والسنة، كما فهمها الصحابة الكرام رضي الله عنهم بمقتضى اللسان العربي الذي أنزل الله به كتابه، ولم يقع بين الصحابة رضوان الله عليهم خلاف في أمر من أمور الاعتقاد، وإن اختلفوا في بعض الفروع الفقهية، وكذلك سار على نهجهم التابعون وتابعوهم من القرون المفضلة، لا يختلفون في شيء من مسائل الاعتقاد، وإنما وقع الخلاف من غيرهم، ممن سلك مسلك المتكلمين، وهجر طريقة أهل الحديث القائمة على الرواية والدراية، وذم الرأي وأهله، وقد نشأت ناشئة أرادت التوفيق بين طريقة السلف المعظمة للنصوص، وطريقة المعتزلة المقدمة للعقل على النقل، فلفقت مذهباً لم يتخلص من اشكالات وشبهات المعتزلة، ولم يحسنوا فهم طريقة السلف، وهو مذهب "الكلابية" الذي تمخضت عنه "الأشعرية" و "الماتريدية" وأتباع المحابسي، والقلانسي، وهم الذين عرفوا بـ "الصفاتية"، وقد كتب لمذهب الأشعري الانتشار لتبني دول وممالك إسلامية له، وحملها الناس عليه بحد السيف، كبعض ملوك بني أيوب في المشرق، ودولة الموحدين في المغرب، وهلك بسبب تلك الحملة خلق كثير، كما حكى ذلك المقريزي.
ومما لا شك فيه أن الأشاعرة يميزون بين طريقتهم وطريقة السلف، ولا يرون أنهما متطابقتان، فلذلك يقولون طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم!! وكتبهم وعقائدهم طافحة في النص على طريقة السلف، وطريقة الخلف، وهذا التقسيم بحد ذاته دليل برأسه على اعتراف القوم بمفارقتهم لما كان عليه السلف المتقدمون، وإن لم يكن فرق فلم التقسيم؟! وليسعهم ما وسع خير القرون.
وإنما أتى الخلف من قبل قصور فهمهم لمنهج السلف، فإن الأشاعرة ونحوهم يظنون أن السلف مفوضة، أي يبثون ألفاظ نصوص الصفات، ويفوضون معانيها! وهذا في نظرهم يفتح باب التشبيه على العامة، ثم يرون أن الطريقة الأعلم والأحكم الاجتهاد في التأويل، باستخراج معاني مجازية يحملون عليها نصوص الصفات، مع قطعهم أن الصحابة والتابعين لم يتكلموا بذلك، يقول ناظمهم:
وكل نصٍ أوهم التشبيها *** فوضه أو أول ورم تنزيها.
والحق أن السلف الصالح أثبتوا ألفاظ الصفات، وأثبتوا ما دلت عليه من المعاني اللائقة بالله، على ما تقتضيه لغة العرب، دون تمثيل، وفوضوا كيفية ذلك لله تعالى كما قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله، لمن سأله عن كيفية الاستواء.
(الاستواء غير مجهول) أي غير مجهول المعنى في لغة العرب، إذ هو العلو والاستقرار (والكيف غير معقول) أي أن له كيفية، لكن لا يمكن لعقولنا إدراكها.
(والإيمان به واجب) لكون الله أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم.
(والسؤال عنه بدعة) أي السؤال عن كيفية الاستواء لم يكن من فعل الصحابة رضي الله عنهم، فالسلف في باب الصفات يثبتون الألفاظ والمعاني ويفوضون الكيفية. والمفوضة يثبتون الألفاظ، ويفوضون المعاني.
والأشاعرة يثبتون الألفاظ، ويؤولون المعاني، أي يصرفونها عن ظواهرها، إلى معانٍ اقترحوها والمشبهة يثبتون الألفاظ ويثبتون المعاني على ما يعهدونه من حال المخلوقين، ولا يفوضون الكيفية، فتبين بهذا أن طريقة السلف هي الجامعة بين الإثبات والتنزيه، السالمة من التمثيل والتعليل، وأنها بذلك: أسلم وأعلم وأحكم، ولا يمكن لأحد من الأشاعرة وغيرهم أن يثبت نصاً واحداً عن واحد من الصحابة أو التابعين أو الأئمة الأربعة وغيرهم من السلف المعروفين يؤول فيها نصاً واحداً من كلام الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بل كلهم مطبقون على رواية نصوص الصفات وإمرارها لفظاً ومعنى؟ دون التعرض لتأويلها.
والذي أنصح به الأخ السائل، وغيره من إخواني المسلمين، لزوم ما كان عليه السلف الصالح من الاعتصام بالكتاب والسنة، وترك التكلف المذموم، وتلقي العقيدة الصافية من الوحيين، كما تلقاها الصحابة رضي الله عنهم، وعدم الاغترار بكثرة المنحرفين.
ولا ريب أن الأشاعرة معظمون للسلف، وإن قصروا في فهم طريقتهم، وأنهم أقرب الفرق إلى أهل السنة والجماعة، لكن شابتهم شائبة الكلام المذموم، وتوارثوا الخطأ كابراً عن كابر، غفر الله لهم، وهدى بقيتهم إلى الحق المحض.
وعليك أيها الأخ السائل - الحريص على إصابة الحق في هذه المسألة العظيمة - بقراءة كلام السلف المتقدمين، كالإمام أحمد بن حنبل، وعثمان بن سعيد الدارمي، ومالك بن أنس، وغيرهم، واقرأ في حكاية أقوالهم:
- عقيدة السلف وأصحاب الحديث، لأبي عثمان الصابوني الشافعي.
- اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي الشافعي.
- مقدمة الرسالة لابن أبي زيد القيرواني المالكي.
- لمعة الاعتقاد لابن قدامة المقدسي الحنبلي.
- شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي.
وغيرها مما لا يمكن حصره، وستجد فيها شفاء الصدور، وبرد اليقين إن شاء الله.