الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفاة المسيح أم قتله وصلبه
؟
المجيب أ. د. بكر بن زكي عوض
أستاذ مقارنة الأديان بجامعة الأزهر
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالرسل
التاريخ 23/4/1424هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فضيلة الشيخ كنت في حوار مع أحد النصارى حول حال السيد المسيح عليه السلام في الإسلام ونجاته من الصلب، وحاول هذا النصراني أن يثبت لي صلب المسيح من عدة آيات تخبر بوفاة المسيح، وأن المسلمين يتغاضون عن هذه الآيات ويفسرونها بالنوم، في حين يتمسكون بآية يتيمة يبدو من ظاهرها نجاة المسيح عليه السلام من الصلب، ويقصد بذلك قوله تعالى:"وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم" ويفسرها تفسيراً شاذاً، كما حاول إيهامي أن علماء المسلمين اختلفوا في نجاة المسيح من الصلب، فمنهم من قال بوفاته على الصليب كما أقرت الآيات القرآنية في قوله تعالى:"إني متوفيك ورافعك إلي" وقوله على لسان المسيح: "فلما توفيتني"
ومنهم من قال بنجاته تمسكاً بتلك الآية الوحيدة، فما صحة ذلك؟ فرغبت من فضيلتكم مساعدتي في الرد عليه، وهل صحيح أن الآية القرآنية التي تقول:"وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم" هي الآية الوحيدة لدينا في الإسلام التي تنفي صلب المسيح؟ وهل وردت أحاديث تتكلم عن نجاة المسيح من الصلب حتى أقطع عليه الشك باليقين بموقف الإسلام من نجاة سيدنا المسيح عليه السلام؟
الجواب
عليك السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أخي السائل: ما كان لنا أن ندع حكماً حاسماً ورد في القرآن أو نتشكك فيه لقول كافر نصراني -حفظك الله من الشك-، إن القرآن نفى أمرين عن عيسى – عليه السلام (القتل، والصلب) ، كما نفى عنه البنوة لله أو الألوهية، وذكر القرآن أمراً يعرفه النصارى أكثر مما يعرفه المسلمون؛ وذلك في قوله "ولكن شبه لهم" [النساء: 157] ، فالأناجيل وهي تتناول قصة صلب المسيح صرحت بأن الشرطة كانوا يجهلون عيسى ولا يعرفونه ودفعوا رشوة قدرها ثلاثين من الفضة ليهوذا الأسخر يوطي ليدلهم على مكان عيسى وجعلوا علامة بينهم وبينه، من يقبله فهو المسيح، وأخذهم يهوذا إلى مكان فيه جمع من الناس، وطرق عليهم الباب فخرج أحدهم وقال: من تطلبون قالوا: يسوع الناصري فقال: أنا يسوع الناصري فقبله يهوذا وأخذه الشرطة ولم يعترض، وقادوه إلى الحاكم وطلبوا صلبه وعلق على الصليب، وهنا نقول: ما المانع أن يكون يهوذا أراد فداء المسيح فأخذهم إلى غير المكان الذي هو فيه، ما المانع أن يكون أحد التلاميذ أو محبي المسيح أراد أن يفدي المسيح بنفسه، حين سئل المأخوذ أنت المسيح قال للسائل أنت تقول ولم يقل نعم (متى 26/64، 65) ، حين سأله الوالي المقبوض عليه أنت ملك اليهود فقال له أنت تقول (متى 27/11)، ما المانع أن يكون الله قد خلق إنساناً على شبه المسيح ليفديه به وألقى النوم على عيسى "ومتوفيك" [آل عمران: 55] ورفعه إليه حتى لا يغلب مكر اليهود إرادة الله، وقد صدر عام 1967م وثيقة من الفاتيكان تبرئ اليهود من دم المسيح، فكيف تصدر إلا إذا توفرت قناعة بعدم صلب المسيح لأن النصوص تصرح بقولهم "أصلب دمه علينا وعلى أولادنا) متى (27/26) ، فالنصوص غير قطعية الدلالة على صلب المسيح، والعقل ينفي صلب المسيح للآتي:
إذا كان المسيح هو الله أو ابن لله أو ثالث ثلاثة -كما يعتقد النصارى- فكيف يصلب في كل الأحوال، ومن كان الممسك للسماوات والأرض حين كان الله معلقاً على الصليب، ومن تولى أمر الرزق والخلق والإحياء والإماتة؟ إن قالوا إن الصلب وقع على الناسوت دون اللاهوت فما صلب الله ولا ابن الله وإنما صلب إنسان عادي، وإن قالوا إن الصلب وقع على اللاهوت والناسوت فكلامهم باطل؛ لأن من صفات الإله أنه الحي، كما في العهد القديم، وأي عاقل يقبل أن يصلب الله ابنه كما يعتقد النصارى، بسبب ذنب عبده، وهل يجوز شرعاً وعقلاً أن يؤخذ البريء (عيسى) ، بذنب المذنب (آدم) ، وأيهما أقرب إلى العقل توبة آدم وبراءة عيسى من الصلب أو العكس؟ ودعوى خلاص البشرية من الخطيئة الخفية غير مسلمة، ومن عجز عن خلاص نفسه كيف يخلص غيره، إن المسيح -كما يزعمون- أخذ وحمل صليبه وشق ثيابه وبصق في وجهه وضرب على رأسه واستهزئ به وتم تحديه، وكان يستغيث: إيلى إيلى لما شبقتني؟ أي إلهي إلهي لما أسلمتني، فهل يستطيع هذا خلاص غيره، وهل يموت الإله؟ أما قرأوا في العهد القديم ملعون من علق على الصليب؟ أخي الكريم إن السنة لم تتناول موضوع الصلب صراحة؛ لأن القرآن قد حسم الأمر فلا مجال بعد ذلك لكلام والنص واضح ودلالته صريحة، ويفهم من نصوص عودة المسيح في السنة أن المسيح حي وسيظل حتى ينزل فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام، ثم يموت بعد اكتمال أجله. انظر ما رواه البخاري (2476) ، ومسلم (155) ، من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه.
ولا خلاف بين سائر علماء المسلمين في عدم صلب المسيح، فكيف يختلفون في نجاته إذا كان المسيح لم يصلب أصلاً، وأما الآية الأولى "إني متوفيك" فمعناها مستوفيك أجلك بعد نزولك إلى الأرض مرة ثانية، أو ملق عليك النوم ورافعك، ويعبر عن النوم بالوفاة كثيراً في القرآن، ويكون المعنى إني ملق عليك النوم حتى لا تشعر بألم عند الرفع حياً إلى حيث يشاء الله، والسنة في قصة المعراج ذكرت أنه في السماء.
وأما الآية الثانية "فلما توفيتني"[المائدة: 117] فلا تعني الصلب بل القبض والأخذ والرفع، ولم يقل عيسى عليه السلام فلما صلبتني أو أسلمتني أو صلبني اليهود، والتأكيد على الوفاة ينفي الصلب، أولى بالنصارى أن لا يتمسكوا بالصلب والفدا؛ لأن فيه إهانة للمسيح تتجاوز الحد بحسب النصوص، حيث الضرب والشتم والتحدي والسخرية والتعليق بين اللصوص على الصليب وتمزيق الثياب وطلب الماء وسقياه الخل، وفرار تلاميذه منه، ونكران بطرس علمه به، وتقديم يهوذا الحواري ربه ليصلب، إلخ.. ومع ذلك يزعمون أنه الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة، إن الذي أعلى قدر المسيح ونزهه هو القرآن، وللمزيد اقرأ ما يلي:
بين الإسلام والمسيحية - للخزرجي تحقيق أ. د: محمد شامة.
الأجوبة الفاخرة للقرافي تحقيق أ. د: بكر زكي عوض
تخجيل من صرف الإنجيل المسعودي تحقيق أ. د: بكر زكي عوض.
الإنجيل والصليب عبد الواحد داود تحقيق أ. د: بكر زكي عوض
الإعلام بما في دين النصارى القرطبي تحقيق د: أحمد حجازي السقا
تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب: عبد الله الترجمان.
والسلام ختام.