الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مؤتمر حوار السنة والشيعة
المجيب د. سعيد بن ناصر الغامدي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك عبد العزيز
العقائد والمذاهب الفكرية/الأديان والمذاهب الفكرية المعاصرة
التاريخ 25/8/1424هـ
السؤال
سمعنا أن هناك مؤتمراً سيقام في الرياض للحوار مع الشيعة، ومن خلال متابعاتي للشيعة الجعفرية فإنهم يقولون بكفر الصحابة رضي الله عنهم أمثال أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويقولون بالمتعة، ويتبركون بالقبور، ولا يرغبون بتبديل معتقدهم، فكيف نتحاور معهم؟ وهل نتنازل لهم؟ وهل يكفر القول بتكفير الصحابة رضي الله عنهم؟
الجواب
لم نسمع بمؤتمر سيقام للحوار بين السنة والشيعة، ولو أقيم مؤتمر من هذا القبيل بين علماء الطائفتين فلا ضير في ذلك، بل قد تكون منه الفائدة والنفع، لإيضاح الحق وبيان الهدي الصحيح، والمسلك القويم.
والشيعة الجعفرية الذين ورد السؤال عنهم ليسوا على درجة واحدة في المعتقدات التي وردت في السؤال، بل هناك من ينكرها من علمائهم ومن مثقفيهم، ولا أدل على ذلك من كتب البرقعي وموسى الموسوي وأحمد الكاتب وأحمد الكسروي وغيرهم0
ولبعض علماء ودعاة السنة محاولات في إيران والعراق نتج عنها بصيرة جملة من علمائهم ومثقفيهم، وهذا يدل على فائدة الحوار المبني على أسس علمية صحيحة0
والحوار مع الآخرين لا يقتضي التنازل عن الحق، فقد حاور الأنبياء أقوامهم المشركين، وحاور ابن عباس رضي الله عنهما الخوارج المبتدعين، وحاور أحمد في قضية خلق القرآن، وحاور الأذرمي في مجلس الواثق رأس المعتزلة أحمد بن أبي دؤاد، وحاور العلامة العراقي محمود شكري الألوسي بعض علماء الشيعة، ونشر وقائع ذلك في كتابه المسك الأذفر، وغير ذلك كثير.
أما سب الصحابة –رضي الله عنهم فمحرم بنص الكتاب العظيم والسنة النبوية وإجماع أهل السنة والجماعة، وقد اختلف أهل العلم في حكم من سبهم، فمن قائل بأنه كافر يجب قتله، ومن قائل بأنه فاسق مبتدع يعاقب بما دون القتل، وكل له أدلته، ولعل الصواب في هذا أن يقال بأن سب الصحابة – رضي الله عنهم على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يسبهم بما يقتضي الكفر وهو بما تقتضي أن عامتهم فسقوا، أو سبهم بما يقدح في دينهم وعدالتهم فهذا كفر، لأنَّه تكذيب لله ورسوله – عليه الصلاة والسلام في تزكيتهم والثناء عليهم والترضي عنهم؛ ولأن مضمون هذه المقالة إبطال الشريعة بكاملها؛ لأنَّ الصحابة –رضي الله عنهم هم نقلتها، وصاحب هذا القول يزعم أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق.
الثاني: أن يسبهم باللعن والتقبيح، ففي كفره قولان لأهل العلم، وعلى القول بعدم كفره يجب أن يعزر ويحبس حتى الموت أو يرجع عما قال.
الثالث: أن يسبهم بما لايقدح في دينهم كالجبن والبخل، فلا يكفر ولكن يعزر بما يردعه عن ذلك.
ومع ذلك فأهل السنة لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة –رضي الله عنهم معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من المحاسن والفضائل ما يوجب مغفرته، أو أنهم قد تابوا، أو أتوا حسنات عظيمة ماحية، أو غفر لهم بفضل سابقتهم إلى الإسلام، أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذين هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلوا ببلاء في الدنيا كفّر به عنهم، هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور لهم، ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم نزر قليل مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله – عليه الصلاة والسلام والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح.
ومن نظر في سيرهم بعلم وبصيرة، وما منَّ الله به عليهم من الفضائل علم يقيناً أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم هم الصفوة من قرون هذه الأمة، التي هي خير الأمم وأكرمها على الله تعالى، بل هم خير القرون في جميع الأمم كما صرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" رواه البخاري (2652) ، ومسلم (2533) من حديث عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه وأهل السنة يمسكون عما شجر بين الصحابة – رضي الله عنهم من نزاع وقتال من بعد مقتل عثمان – رضي الله عنه، ويعتقدون أن ما جرى كان عن تأويل واجتهاد، حيث يظن كل فريق أنَّه على الحق، إذ لايظن بهم ولا يعقل منهم أن يحصل ما حصل وهم يعتقدون أنهم على باطل، ولكن ذلك الاجتهاد لايستلزم أن يكون كل فريق قد أصاب الحق، بل الحق كان مع علي رضي الله عنه، هذا في الحكم على الفاعل، أمَّا في الموقف منه فإنه يجب الإمساك عما شجر، ونسكت عما جرى بينهم ولا يذكر ويطوى ولا يروى إلَاّ لضرورة تقتضيها المصلحة الشرعية.
وهذه الأحكام المذكورة في حكم سب الصحابة – رضي الله عنهم مندرجة تحت ضابط مهم من ضوابط التبديع والتكفير، ملخصه أن هناك فرقاً في الحكم بين العموم والإطلاق والتعيين والتخصيص عند إطلاق وصف الكفر أو الشرك أو النفاق أو البدعة أو الفسق، وعند إطلاق الشهادة بالجنة والنار.
ففي حالة العموم والإطلاق يجوز وصف العمل أو القول بأنه كفر أو شرك أو نفاق أو بدعة أو فسق، إذا كان هذا هو حكمه في شرع الله تعالى، أمَّا عند تعيين إنسان بعينه أو طائفة بعينها حصل منهم هذا الفعل أو القول الموصوف شرعاً بالكفر أو الشرك أو النفاق أو البدعة أو الفسق فلايجوز إطلاق هذا الوصف على المعين إلَاّ بعد وجود شروط هذا الوصف في المعين وانتفاء الموانع عنه، ومن أهم الشروط بلوغ الحجة الرسالية وفهمها.
وأهم الموانع التي يجب التحقق من ارتفاعها عن المعين قبل الحكم عليه ما يلي:
(1)
مانع الجهل الذي يعذر به، وهو الجهل الذي لا حيلة له في دفعه عن نفسه، بسبب عدم تمكنه من العلم الشرعي، أو بسبب العوارض النازلة به كالجنون والعته والنسيان، أمَّا جهل الإعراض والصدود فلا عذر فيه لصاحبه.
(2)
مانع الاشتباه والتأول الذي يعذر بسببه، وهو المؤدي إلى التأويل له وجه احتمالي في العلم الشرعي وله وجه في لغة العرب.
فمن وقع في الخطأ بتأول أو اشتباه له وجه في الاعتماد عليه، وله احتمال في الشرع ولو بوجه مرجوح، وصدر في تأوله عن اجتهاد وحسن نية، بحيث إذا تبين له الحق اتبعه، وعلم من قرائن الأحوال أنه لم يقصد بقوله أو فعله معارضة الشريعة، أو مناوأة الشرع، فهو معذور بهذا؛ لأن هذا هو منتهى وسعه ولابد من رفع هذا المانع حتى تقوم عليه الحجة.
(3)
مانع سلب الإرادة، فمن وقع في موجب الكفر بغير إرادة منه فلايحكم بكفره، مثل المكره، والذي انغلق عليه فكره بسبب شدة فرح أو حزن أو خوف، ولايدخل في هذا المازح؛ لأنه قاصد ومريد لهذا. والله أعلم.