الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قول أبي حنيفة في الإيمان
المجيب د. سالم بن محمد القرني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
العقائد والمذاهب الفكرية/الأديان والمذاهب الفكرية المعاصرة
التاريخ 29/1/1425هـ
السؤال
هل صحيح أن الإمام أبي حنيفة قال بأن الإيمان ثابت وأنه ليس من الأفعال؟ كثير من الناس يتهمون هذا الإمام العظيم بأنه ليس من أهل السنة والجماعة، خاصة من مدعي السلفية، وكثير من الجهلة الذين يستندون على ذلك في تأييد دعواهم الباطلة، كما أنني قرأت أن بعض السلف الصالح تكلموا فيه بتوبيخ مثل الإمام البخاري وعبد الله بن المبارك، واتهموه بالإرجاء، فكيف يتم توضيح ذلك ونحن نعلم حقيقة أن الإيمان يزيد وينقص، ومتضمن للأفعال، وهذا شيء أجمعت الأمة كلها عليه، فكيف يخالفها مثل هذا الإمام الكبير؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
اختلف الناس فيما يقع عليه اسم الإيمان اختلافاً كثيراً، فذهب الأئمة: مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه، وسائر أهل الحديث، وأهل المدينة، وأهل الظاهر وبعض المتكلمين: إلى أنه قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح، وذهب كثير من الحنفية إلى أنه إقرار باللسان وتصديق بالجنان، وبعضهم يقول: إن الإقرار باللسان ركن زائد ليس بأصلي كما هو مذهب الماتريدي ويروى عن أبي حنيفة رحمه الله، واختلفوا في الإقرار باللسان هل هو ركن في الإيمان أم شرط له في حق إجراء الأحكام، وذهب الكرامية إلى أن الإيمان إقرار باللسان فقط، وذهب الجهم وبعض القدرية إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب.
فحاصل الكلام أن الإيمان: إما أن يكون ما يقوم بالقلب واللسان وسائر الجوارح وهذا ما ذهب إليه جمهور السلف من الأئمة الثلاثة وغيرهم، أو بالقلب واللسان دون الجوارح كما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه أو باللسان وحده كما عند الكرامية، أو بالقلب وحده وهو إما المعرفة كما قال الجهم أو التصديق كما قال الماتريدي، وقول الجهم والكرامية ظاهر الفساد.
والاختلاف بين أبي حنيفة والأئمة الباقين من أهل السنة صوري؛ فإن كون أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب أو جزء من الإيمان مع الاتفاق على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان، بل هو في مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه نزاع لفظي لا يترتب عليه فساد اعتقاد، والقائلون بتكفير تارك الصلاة ضموا إلى هذا الأصل أدلة أخرى، وإلا فقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الزاني، والسارق، وشارب الخمر، والمنتهب فيما رواه البخاري (2475) ومسلم (57) عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولم يوجب ذلك زوال اسم الإيمان عنهم بالكلية اتفاقاً.
وأبو حنيفة رحمه الله من أهل السنة والجماعة أحد الأئمة الأربعة الفضلاء رحمهم الله جمعياً- لا يجوز النيل منه ولا من غيره من الأئمة ولا انتقاصهم مع أنهم لم يدّعوا العصمة ولا يجوز ادّعاؤها لأحد منهم، والإمام البخاري وابن المبارك أجَلُّ من أن ينتقصا أبا حنيفة أو يوبخاه. رحم الله الجميع، وعفا الله عنا وعنهم، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.