الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قصة قتل عمر للمنافق
المجيب د. ناصر بن محمد الماجد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
العقائد والمذاهب الفكرية/الإيمان بالكتب
التاريخ 08/05/1425هـ
السؤال
ما حكم القول: بأن القرآن ليس معجزاً؟ وأن العلم أثبت عدم صحة القرآن الكريم، وأن معجزته الوحيدة هي بقاؤه من غير تغيير!! علماً بأن قائلها مسلم، كما أنه قال التالي:"نتذكر قصّة "مشهورة مرة" لـ عُمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن ذاك الذي سألَ الرسولَ صلى الله عليه وسلم ثمّ أبا بكر رضي الله عنه عن حُكمٍ مُعين، ولم يكتف بهذا، بل ذهبَ لسؤالِ عُمر رضي الله عنه أيضا، فأجهز عليهِ حينَ عَلم بأنه لم يرض حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نعم! رسولُ اللهِ عليه الصلاة والسلام هوَ، وطاعتهُ واجبٌة علينا، لكن تصرف عُمر "الفردي" دونَ الرجوعِ إلى صاحبِ الشأن، ألم يكن قمّة الديكتاتورية "أو الاعتداء كما تسميهِ"؟ فما حكم هذا القول؟ أفيدوني مأجورين جزاكم الله خيرا.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فأما ما حكاه السائل الكريم من قول ذلك المتكلم في وصف القرآن الكريم فهو قول خطير، ومنكر عظيم، يجب قبل الحكم عليه أن يوقف على نص كلامه حتى يتثبت منه، ويفهم مراده من قوله:(ليس القرآن معجزاً، وإن العلم أثبت عدم صحة القرآن الكريم) لأن هذا كلام لا يكاد يصدر عمن ينتسب إلى الإسلام، فأرى أن يرسل السائل نص كلامه قبل أن يحكم على قوله.
وأما الحادثة التي نسبها إلى عمر – رضي الله عنه فقد أوردها بعض المفسرين في بيان سبب قوله تعالى: "ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم
…
" إلى قوله: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم
…
" [النساء:60] ، فقد أخرج الثعلبي والواحدي والبغوي أنها نزلت في رجل من المنافقين نازع رجلاً من اليهود، فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم ، وقال المنافق: بيني وبينك الكاهن. وقيل: قال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف، يفر اليهودي ممن يقبل الرشوة، ويريد المنافق من يقبلها. ويروى أن اليهودي قال له: بيني وبينك أبو القاسم. وقال المنافق: بيني وبينك الكاهن، حتى ترافعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحكم لليهودي على المنافق، فقال المنافق: لا أرضى، بيني وبينك أبو بكر; فأتيا أبا بكر فحكم أبو بكر لليهودي. فقال المنافق: لا أرضى، بيني وبينك عمر. فأتيا عمر فأخبره اليهودي بما جرى; فقال: مهلاً حتى أدخل بيتي في حاجة ، فدخل فأخرج سيفه ثم خرج، فقتل المنافق ; فشكا أهله ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر: يا رسول الله ; إنه رد حكمك. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنت الفاروق) وهذا الخبر لم يصح سنده؛ لأنه من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس – رضي الله عنهما، وطريق الكلبي عن ابن عباس – رضي الله عنهما من أوهى الطرق وأضعفها، فالخبر لم يصح أصلاً، ثم لو صح هذا الخبر عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه، لكنا جزمنا بصواب فعله – رضي الله عنه؛ وذلك أن النبي – صلى الله عليه وسلم قد أقره على ذلك ولم ينكره، بل سماه الفاروق، وما كان له عليه الصلاة والسلام أن يقره على فعله لو لم يكن صواباً، والمعلوم من سنته وهديه – عليه الصلاة السلام - أنه كان لا يقر أحداً على منكر مهما كانت منزلته ومحبته له، فهذا أسامة بن زيد – رضي الله عنها مع محبة النبي – صلى الله عليه وسلم له لما قتل رجلاً من بعد أن
نطق بالشهادة، أنكر – صلى الله عليه وسلم فعله ذلك غاية الإنكار، ففي الصحيحين البخاري (4269) ومسلم (96) وغيرهما أن أسامة بن زيد – رضي الله عنهما قال:"بعثنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة قال فصبحنا القوم فهزمناهم قال ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم قال فلما غشيناه قال لا إله إلا الله قال فكف عنه الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته قال فلما قدمنا بلغ ذلك النبي – صلى الله عليه وسلم قال فقال لي يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله قال قلت يا رسول الله إنما كان متعوذا قال أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله قال فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم"، وكانت شبهة أسامة – رضي الله عنه قوية حيث قال إنما قالها مخافة القتل، ومع هذا فقد أنكر عليه النبي – صلى الله عليه وسلم إنكاراً شديداً، حتى قال أسامة من شدة ما يجد ـ مع ما له من سابقة عظيمة في الإسلام ـ ولله لقد تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.
وبعد: فهذه المقالات وأمثالها المتضمنة الطعن في سلف هذه الأمة وخير القرون لا سيما صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما تصدر عن مرضى القلوب ممن لا يعرف لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قدرهم ولا ينزلهم رضي الله عنهم منزلتهم، وهم الذين رضي الله عنهم وأثنى عليهم بقرآن يتلى، يقول تعالى ((لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة)) [الفتح:18] ، ويقول تعالى:((محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود)) [الفتح:29]، وفي الحديث الصحيح عند البخاري (3673) ومسلم (2540) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) ، فرضي الله عنهم وأجزل ثوابهم جزاء نصرهم لنبيه صلى الله عليه وسلم وتبليغ هذا الدين غضاً طرياً كما أنزل، وأسأل الله بمنه وكرمه أن يحشرنا في زمرتهم وتحت لواءهم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.