الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَالدَّاعِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَبِأَنَّهُ مَا يَقَعُ عِنْدَهُ صَلَاحُ الْعَبْدِ آخِرَةً. وَفَسَّرَ الْمُعْتَزِلَةُ اللُّطْفَ بِإِيصَالِ الْمَنَافِعِ إِلَى الْعَبْدِ مِنْ وَجْهٍ يَدِقُّ
إِدْرَاكُهُ وَتَمْكِينُهُ بِالْقُدْرَةِ والآلات.
[17]
[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 17]
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (17)
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ [الْأَنْعَام: 25] وَمَا فيهم عَنْهَا مِنْ قَوْلِهِ: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ [الزخرف: 66] وَالْوَاوُ اعْتِرَاضِيَّةٌ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ: مُقَابَلَةُ فَرِيقِ الضَّلَالَةِ بِفَرِيقِ الْهِدَايَةِ عَلَى الْأُسْلُوبِ الَّذِي أُقِيمَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِهَا. فَهَذَا أُسْلُوبٌ مُسْتَمِرٌّ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مَوَاقِعُ جُمَلِهِ.
وَالْمَعْنَى: وَالَّذِينَ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُمْ لِلْإِيمَانِ فَاهْتَدَوْا لَطَفَ اللَّهِ بِهِمْ فَزَادَهُمْ هُدًى وَأَرْسَخَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ وَوَفَّقَهُمْ لِلتَّقْوَى، فَاتَّقَوْا وَغَالَبُوا أَهْوَاءَهُمْ. وَإِيتَاءُ التَّقْوَى مُسْتَعَارٌ لِتَيْسِيرِ أَسْبَابِهَا إِذِ التَّقْوَى مَعْنًى نَفْسَانِيٌّ، وَالْإِيتَاءُ يَتَعَدَّى حَقِيقَةً لِلذَّوَاتِ. وَإِضَافَةُ التَّقْوَى إِلَى ضَمِيرِ الَّذِينَ اهْتَدَوْا إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُمْ عُرِفُوا بِهَا وَاخْتَصَّتْ بِهِمْ.
[18]
[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 18]
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَاّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (18)
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها
تَفْرِيعٌ عَلَى مَا مَضَى مِنْ وَصْفِ أَحْوَالِ الْكَافِرِينَ مِنْ قَوْلِهِ: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ إِلَى قَوْلِهِ: وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ [مُحَمَّد: 10- 16] الشَّامِلَةَ لِأَحْوَالِ الْفَرِيقَيْنِ فَفَرَّعَ عَلَيْهَا أَنَّ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ يَنْتَظِرُونَ حُلُولَ السَّاعَةِ لِيَنَالُوا جَزَاءَهُمْ عَلَى سُوءِ كُفْرِهِمْ فَضَمِيرُ يَنْظُرُونَ مُرَادٌ بِهِ الْكَافِرُونَ لِأَنَّ الْكَلَامَ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ، وَلِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَنْتَظِرُونَ أُمُورًا أُخَرَ مِثْلَ النَّصْرِ وَالشَّهَادَةِ، قَالَ تَعَالَى: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [التَّوْبَة: 52] الْآيَةَ.
وَالنَّظَرُ هُنَا بِمَعْنَى الِانْتِظَارِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الْأَنْعَام: 158] الْآيَةَ.
وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارٌ مَشُوبٌ بِتَهَكُّمٍ، وَهُوَ إِنْكَارٌ وَتَهَكُّمٌ عَلَى غَائِبِينَ، مُوَجَّهٌ إِلَى
الرَّسُول صلى الله عليه وسلم، أَيْ لَا تَحْسَبْ تَأْخِيرَ مُؤَاخَذَتِهِمْ إِفْلَاتًا من الْعقَاب، فَإِنَّهُ مُرْجَوْنَ إِلَى السَّاعَةِ.
وَهَذَا الِاسْتِفْهَامُ الْإِنْكَارِيُّ نَاظِرٌ إِلَى قَوْلِهِ آنِفًا وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [مُحَمَّد: 12] .
وَالْقَصْرُ الَّذِي أَفَادَهُ الِاسْتِثْنَاءُ قَصْرٌ ادِّعَائِيٌّ، نُزِّلَ انْتِظَارُهُمْ مَا يَأْمُلُونَهُ مِنَ الْمَرْغُوبَاتِ
فِي الدُّنْيَا مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ لِضَآلَةِ أَمْرِهِ بَعْدَ أَنْ نُزِّلُوا مَنْزِلَةَ مَنْ يَنْتَظِرُونَ فِيمَا يَنْتَظِرُونَ السَّاعَةَ لِأَنَّهُمْ لِتَحَقُّقِ حُلُولِهِ عَلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِأَنْ يَكُونُوا مِنْ مُنْتَظِرِيهَا.
وأَنْ تَأْتِيَهُمْ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنَ السَّاعَةِ. وبَغْتَةً حَالٌ مِنَ السَّاعَةِ قَالَ تَعَالَى: لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً [الْأَعْرَاف: 187] . وَالْبَغْتَةُ: الْفَجْأَةُ، وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى: الْمَرَّةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْوَصْفُ، أَيْ مُبَاغِتَةً لَهُمْ.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّ السَّاعَةَ مَوْعِدُهُمْ وَأَنَّ السَّاعَةَ قَرِيبَةٌ مِنْهُمْ، فَحَالُهُمْ كَحَالِ مَنْ يَنْتَظِرُ شَيْئًا فَإِنَّمَا يَكُونُ الِانْتِظَارُ إِذَا اقْتَرَبَ مَوْعِدُ الشَّيْءِ، هَذِهِ الِاسْتِعَارَةُ تَهَكُّمِيَّةٌ.
وَالْفَاءُ مِنْ قَوْلِهِ: فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَاءُ الْفَصِيحَةِ كَالَّتِي فِي قَوْلِ عَبَّاسِ بْنِ الْأَحْنَفِ:
قَالُوا خُرَاسَانُ أَقْصَى مَا يُرَادُ بِنَا
…
ثُمَّ الْقُفُولُ فَقَدْ جِئْنَا خُرَاسَانَا
وَهَذِهِ الْفَصِيحَةُ تُفِيدُ مَعْنَى تَعْلِيلِ قُرْبِ مُؤَاخَذَتِهِمْ.
وَالْأَشْرَاطُ: جَمْعُ شَرَطٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وَهُوَ: الْعَلَامَةُ وَالْأَمَارَةُ عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ أَوْ عَلَى وَصْفِهِ. وَعَلَامَاتُ السَّاعَةِ هِيَ عَلَامَاتُ كَوْنِهَا قَرِيبَةً. وَهَذَا الْقُرْبُ يُتَصَوَّرُ بِصُورَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا أَنَّ وَقْتَ السَّاعَةِ قَرِيبٌ قُرْبًا نِسْبِيًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى طُولِ مُدَّةِ هَذَا الْعَالَمِ وَمَنْ عَلَيْهِ مِنَ الْخَلْقِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ ابْتِدَاءَ مُشَاهَدَةِ أَحْوَالِ السَّاعَةِ يَحْصُلُ لِكُلِّ أَحَدٍ بِمَوْتِهِ فَإِنَّ رُوحَهُ إِذَا خَلَصَتْ عَنْ جَسَدِهِ شَاهَدَتْ مَصِيرَهَا مُشَاهَدَةً إِجْمَالِيَّةً وَبِهِ فُسِرَّ
حَدِيثُ أَبِيِِ