المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة الفتح (48) : آية 29] - التحرير والتنوير - جـ ٢٦

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌46- سُورَةُ الْأَحْقَافِ

- ‌أَغْرَاضُهَا

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 2]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 3]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 4]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : الْآيَات 5 إِلَى 6]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 7]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 8]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 9]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 10]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 11]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 12]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : الْآيَات 13 إِلَى 14]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 15]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 16]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 17]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 18]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 19]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 20]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 21]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 22]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 23]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : الْآيَات 24 إِلَى 25]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 26]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 27]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 28]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : الْآيَات 29 إِلَى 32]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 33]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 34]

- ‌[سُورَة الْأَحْقَاف (46) : آيَة 35]

- ‌47- سُورَةُ مُحَمَّدٍ

- ‌أَغْرَاضُهَا

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 2]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 3]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : الْآيَات 4 الى 6]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 7]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : الْآيَات 8 إِلَى 9]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 10]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 11]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 12]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 13]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 14]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 15]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 16]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 17]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 18]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 19]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : الْآيَات 20 الى 21]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 22]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 23]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 24]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 25]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 26]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 27]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 28]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 29]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 30]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 31]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 32]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 33]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 34]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 35]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : الْآيَات 36 الى 37]

- ‌[سُورَة مُحَمَّد (47) : آيَة 38]

- ‌48- سُورَةُ الْفَتْحِ

- ‌أَغْرَاضُهَا

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : الْآيَات 1 إِلَى 3]

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : آيَة 4]

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : آيَة 5]

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : آيَة 6]

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : آيَة 7]

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : الْآيَات 8 إِلَى 9]

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : آيَة 10]

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : آيَة 11]

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : آيَة 12]

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : آيَة 13]

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : آيَة 14]

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : آيَة 15]

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : آيَة 16]

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : آيَة 17]

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : الْآيَات 18 إِلَى 19]

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : آيَة 20]

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : آيَة 21]

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : الْآيَات 22 إِلَى 23]

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : آيَة 24]

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : آيَة 25]

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : آيَة 26]

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : آيَة 27]

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : آيَة 28]

- ‌[سُورَة الْفَتْح (48) : آيَة 29]

- ‌49- سُورَةُ الْحُجُرَاتِ

- ‌أَغْرَاضُ هَاتِهِ السُّورَةِ

- ‌[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 2]

- ‌[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 3]

- ‌[سُورَة الحجرات (49) : الْآيَات 4 إِلَى 5]

- ‌[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 6]

- ‌[سُورَة الحجرات (49) : الْآيَات 7 الى 8]

- ‌[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 9]

- ‌[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 10]

- ‌[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 11]

- ‌[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 12]

- ‌[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 13]

- ‌[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 14]

- ‌[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 15]

- ‌[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 16]

- ‌[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 17]

- ‌[سُورَة الحجرات (49) : آيَة 18]

- ‌50- سُورَةُ ق

- ‌أَغْرَاضُ هَاتِهِ السُّورَةِ

- ‌[سُورَة ق (50) : الْآيَات 1 الى 3]

- ‌[سُورَة ق (50) : آيَة 4]

- ‌[سُورَة ق (50) : آيَة 5]

- ‌[سُورَة ق (50) : آيَة 6]

- ‌[سُورَة ق (50) : آيَة 7]

- ‌[سُورَة ق (50) : آيَة 8]

- ‌[سُورَة ق (50) : الْآيَات 9 إِلَى 10]

- ‌[سُورَة ق (50) : آيَة 11]

- ‌[سُورَة ق (50) : الْآيَات 12 إِلَى 14]

- ‌[سُورَة ق (50) : آيَة 15]

- ‌[سُورَة ق (50) : آيَة 16]

- ‌[سُورَة ق (50) : الْآيَات 17 إِلَى 18]

- ‌[سُورَة ق (50) : آيَة 19]

- ‌[سُورَة ق (50) : الْآيَات 20 إِلَى 21]

- ‌[سُورَة ق (50) : آيَة 22]

- ‌[سُورَة ق (50) : آيَة 23]

- ‌[سُورَة ق (50) : الْآيَات 24 إِلَى 25]

- ‌[سُورَة ق (50) : آيَة 26]

- ‌[سُورَة ق (50) : آيَة 27]

- ‌[سُورَة ق (50) : الْآيَات 28 إِلَى 29]

- ‌[سُورَة ق (50) : آيَة 30]

- ‌[سُورَة ق (50) : الْآيَات 31 إِلَى 35]

- ‌[سُورَة ق (50) : الْآيَات 36 إِلَى 37]

- ‌[سُورَة ق (50) : آيَة 38]

- ‌[سُورَة ق (50) : الْآيَات 39 إِلَى 40]

- ‌[سُورَة ق (50) : الْآيَات 41 إِلَى 43]

- ‌[سُورَة ق (50) : آيَة 44]

- ‌[سُورَة ق (50) : آيَة 45]

- ‌51- سُورَةُ الذَّارِيَاتِ

- ‌أَغْرَاضُ هَذِهِ السُّورَةُ

- ‌[سُورَة الذاريات (51) : الْآيَات 1 إِلَى 6]

- ‌[سُورَة الذاريات (51) : الْآيَات 7 إِلَى 9]

- ‌[سُورَة الذاريات (51) : الْآيَات 10 إِلَى 11]

- ‌[سُورَة الذاريات (51) : الْآيَات 12 إِلَى 14]

- ‌[سُورَة الذاريات (51) : الْآيَات 15 إِلَى 19]

- ‌[سُورَة الذاريات (51) : آيَة 20]

- ‌[سُورَة الذاريات (51) : آيَة 21]

- ‌[سُورَة الذاريات (51) : آيَة 22]

- ‌[سُورَة الذاريات (51) : آيَة 23]

- ‌[سُورَة الذاريات (51) : الْآيَات 24 إِلَى 30]

الفصل: ‌[سورة الفتح (48) : آية 29]

وَاللَّامُ فِي لِيُظْهِرَهُ لِتَعْلِيلِ فِعْلِ أَرْسَلَ وَمُتَعَلِّقَاتِهِ، أَيْ أَرْسَلَهُ بِذَلِكَ لِيُظْهِرَ هَذَا الدِّينَ عَلَى جَمِيعِ الْأَدْيَانِ الْإِلَهِيَّةِ السَّالِفَةِ وَلِذَلِكَ أُكِّدَ بِ كُلِّهِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ. وَمَعْنَى يُظْهِرَهُ يُعْلِيهِ. وَالْإِظْهَارُ: أَصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنْ ظَهَرَ بِمَعْنَى بَدَا، فَاسْتُعْمِلَ كِنَايَةً عَنِ الِارْتِفَاعِ الْحَقِيقِيِّ ثُمَّ أُطْلِقَ مَجَازًا عَنِ الشَّرَفِ فَصَارَ أَظْهَرَهُ بِمَعْنَى أَعْلَاهُ، أَيْ لِيُشَرِّفَهُ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا، وَهَذَا كَقَوْلِهِ فِي حَقِّ الْقُرْآنِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [الْمَائِدَة:

48] .

وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى إِلَخِ الشَّهَادَةَ بِأَنَّ الرُّؤْيَا صِدْقٌ ذَيَّلَ الْجُمْلَةَ بِقَوْلِهِ: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً أَيْ أَجْزَأَتْكُمْ شَهَادَةُ اللَّهِ بِصِدْقِ الرُّؤْيَا إِلَى أَنْ تَرَوْا مَا صْدَقَهَا فِي الْإِبَّانِ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى نَظِيرِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ [79] .

[29]

[سُورَة الْفَتْح (48) : آيَة 29]

مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (29)

مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ لَمَّا بَيَّنَ صدق الرَّسُول صلى الله عليه وسلم فِي رُؤْيَاهُ وَاطْمَأَنَّتْ نُفُوسُ الْمُؤْمِنِينَ أَعْقَبَ ذَلِكَ بِتَنْوِيهِ شَأْن الرَّسُول صلى الله عليه وسلم وَالثَّنَاءِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَعَهُ.

ومُحَمَّدٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: هُوَ مُحَمَّدٌ يَعُودُ هَذَا الضَّمِيرُ الْمَحْذُوفُ عَلَى قَوْله: رَسُولَهُ [الْفَتْح: 28] فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا. وَهَذَا مِنْ حَذْفِ الْمُسْنَدِ الَّذِي وَصَفَهُ السَّكَّاكِيُّ بِالْحَذْفِ الَّذِي الِاسْتِعْمَالُ وَارِدٌ عَلَى تَرْكِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ وَتَرْكِ نَظَائِره. قَالَ التَّفْتَازَانِيّ فِي «الْمُطَوَّلِ» «وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ بَعْدَ أَنْ يَذْكُرُوا رَجُلًا: فَتًى مِنْ شَأْنِهِ كَذَا وَكَذَا، وَهُوَ أَنْ يَذْكُرُوا الدِّيَارَ أَوِ الْمَنَازِلَ رَبْعَ كَذَا وَكَذَا» . وَمِنْ أَمْثِلَةِ «الْمِفْتَاحِ» لِذَاكَ قَوْلُهُ: (فَرَاجِعْهُمَا) أَيِ الْعَقْلَ السَّلِيمَ وَالطَّبْعَ الْمُسْتَقِيمَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ:

سَأَشْكُرُ عَمْرًا إِنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتِي

أَيَادِيَ لَمْ تُمْنَنْ وَإِنْ هِيَ جَلَّتِ

ص: 202

فَتًى غَيْرَ مَحْجُوبِ الْغِنَى عَنْ صَدِيقِهِ

وَلَا مُظْهِرَ الشَّكْوَى إِذَا النَّعْلُ زَلَّتِ (1)

إِذْ لَمْ يَقُلْ: هُوَ فَتًى.

وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْأَظْهَرُ هُنَا إِذْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ إِفَادَةَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بَيَانُ رَسُولِ اللَّهِ مَنْ هُوَ بَعْدَ أَنْ أَجْرَى عَلَيْهِ مِنَ الْأَخْبَارِ مِنْ قَوْلِهِ: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ [الْفَتْح: 27] إِلَى قَوْلِهِ: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [الْفَتْح: 28] فَيُعْتَبَرُ السَّامِعُ كَالْمُشْتَاقِ إِلَى بَيَانِ: مَنْ هَذَا الْمُتَحَدَّثُ عَنْهُ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ؟ فَيُقَالُ لَهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، أَيْ هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. وَهَذَا مِنَ الْعِنَايَةِ وَالِاهْتِمَامِ بِذكر مناقبه صلى الله عليه وسلم. فَتُعْتَبَرُ الْجُمْلَةُ الْمَحْذُوفُ مُبْتَدَؤُهَا مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا. وَفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ لَا تَخْفَى، وَالْأَحْسَنُ مِنْهَا هَذَا.

وَفِي هَذَا نِدَاءٌ عَلَى إِبْطَالِ جَحُودِ الْمُشْرِكِينَ رِسَالَتَهُ حِينَ امْتَنَعُوا مِنْ أَنْ يُكْتَبَ فِي صَحِيفَةِ الصُّلْحِ «هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. وَقَالُوا: لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ» .

وَقَوْلُهُ: وَالَّذِينَ مَعَهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وأَشِدَّاءُ خَبَرًا عَنْهُ وَمَا بَعْدَهُ إِخْبَارٌ.

وَالْمَقْصُودُ الثَّنَاءُ عَلَى أَصْحَابِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم. وَمَعْنَى مَعَهُ: الْمُصَاحَبَةُ الْكَامِلَةُ بِالطَّاعَةِ وَالتَّأْيِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ. وَالْمُرَادُ: أَصْحَابُهُ كُلُّهُمْ لَا خُصُوصُ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ.

وَإِنْ كَانُوا هُمُ الْمَقْصُودَ ابْتِدَاءً فَقَدْ عُرِفُوا بِصِدْقِ مَا عَاهَدُوا عَلَيْهِ اللَّهَ، وَلِذَلِكَ لَمَّا

انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمَطْلَبِ نَادِ يَا أَصْلَ السَّمُرَةِ

. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَالَّذِينَ مَعَهُ عَطْفًا عَلَى رَسُولَهُ مِنْ قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ [التَّوْبَة: 33] . وَالتَّقْدِيرُ: وَأَرْسَلَ الَّذِينَ مَعَهُ، أَيْ أَصْحَابَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِرْسَالِ مَا يَشْمَلُ الْإِذْنَ لَهُمْ بِوَاسِطَة الرَّسُول صلى الله عليه وسلم كَقَوْلِهِ تَعَالَى:

(1) البيتان لعبر الله بن الزبير (بِفَتْح الزَّاي وَكسر الْمُوَحدَة) الْأَسدي.

ص: 203

إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ [يس: 14] الْآيَةَ فَإِنَّ الْمُرْسَلِينَ إِلَى أَهْلِ أَنْطَاكِيَةَ كَانُوا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ، أَمَرَهُمْ عِيسَى بِنَشْرِ الْهُدَى وَالتَّوْحِيدِ. فَيَكُونُ الْإِرْسَالُ الْبَعْثَ لَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا وَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَرْسَلْنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ.

وأَشِدَّاءُ: جَمْعُ شَدِيدٍ، وَهُوَ الْمَوْصُوفُ بِالشِّدَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَهِيَ صَلَابَةُ الْمُعَامَلَةِ وَقَسَاوَتُهَا، قَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِ النَّارِ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ [التَّحْرِيم: 6] .

وَالشِّدَّةُ عَلَى الْكُفَّارِ: هِيَ الشِّدَّةُ فِي قِتَالِهِمْ وَإِظْهَارُ الْعَدَاوَةِ لَهُمْ، وَهَذَا وَصْفُ مَدْحٍ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَعَ النبيء صلى الله عليه وسلم كَانُوا هُمْ فِئَةَ الْحَقِّ وَنَشْرِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَلِيقُ بِهِمْ إِلَّا إِظْهَارُ الْغَضَبِ لِلَّهِ وَالْحُبِّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضِ فِي اللَّهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَأَصْحَاب النبيء صلى الله عليه وسلم أَقْوَى الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا مِنْ أَجْلِ إشراق أنوار النبوءة عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا جَرَمَ أَنْ يَكُونُوا أَشَدَّ عَلَى الْكُفَّارِ فَإِنَّ بَيْنَ نُفُوسِ الْفَرِيقَيْنِ تَمَامَ الْمُضَادَّةِ وَمَا كَانَتْ كَرَاهِيَتُهُمْ لِلصُّلْحِ مَعَ الْكُفَّارِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَرَغْبَتُهُمْ فِي قَتْلِ أَسْرَاهُمُ الَّذِينَ ثَقِفُوهُمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَعَفَا عَنْهُم النبيء صلى الله عليه وسلم إِلَّا مِنْ آثَارِ شِدَّتِهِمْ عَلَى الْكُفَّارِ وَلَمْ تَكُنْ لَاحَتْ لَهُمُ الْمَصْلَحَةُ الرَّاجِحَةُ عَلَى الْقِتَالِ وَعَلَى الْقَتْلِ الَّتِي آثرها النبيء صلى الله عليه وسلم. وَلِذَلِكَ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُحَاوَرَةً فِي إِبَاءِ الصُّلْحِ يَوْمَئِذٍ أَشَدَّ أَشِدَّائِهِمْ عَلَى الْكُفَّارِ وَهُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَكَانَ أَفْهَمَهُمْ لِلْمَصْلَحَةِ الَّتِي توخاها النبيء صلى الله عليه وسلم فِي إبرام الصُّلْح أَبَا بَكْرٍ. وَقَدْ قَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يَوْمَ صِفِّينَ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا الرَّأْيَ فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ، وَلَوْ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فِعْلَهُ لَرَدَدْنَاهُ. وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.

ثُمَّ تَكُونُ أَحْكَامُ الشِّدَّةِ عَلَى الْكُفَّارِ مِنْ وُجُوبٍ وَنَدْبٍ وَإِبَاحَةٍ وَأَحْكَامِ صُحْبَتِهِمْ وَمُعَامَلَتِهِمْ جَارِيَةً عَلَى مُخْتَلِفِ الْأَحْوَالِ وَلِعُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ فِيهَا مَقَالٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْ

ذَلِكَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَفِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ. وَالشِّدَّةُ عَلَى الْكُفَّارِ اقْتَبَسُوهَا مِنْ شدَّة النبيء صلى الله عليه وسلم فِي إِقَامَةِ الدِّينِ قَالَ تَعَالَى بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التَّوْبَة: 128] .

وَأَمَّا كَوْنُهُمْ رُحَمَاءَ بَيْنَهُمْ فَذَلِكَ مِنْ رُسُوخِ أُخُوَّةِ الْإِيمَانِ بَيْنَهُمْ فِي نُفُوسِهِمْ.

ص: 204

وَقَدْ وَرَدَتْ أَخْبَارُ أُخُوَّتِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَكَلَام الرَّسُول صلى الله عليه وسلم.

وَفِي الْجَمْعِ لَهُمْ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْخَلَّتَيْنِ الْمُتَضَادَّتَيْنِ الشِّدَّةِ وَالرَّحْمَةِ إِيمَاءٌ إِلَى أَصَالَةِ آرَائِهِمْ وَحِكْمَةِ عُقُولِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَتَصَرَّفُونَ فِي أَخْلَاقِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ تَصَرُّفَ الْحِكْمَةِ وَالرُّشْدِ فَلَا تَغْلِبُ عَلَى نُفُوسِهِمْ مَحْمَدَةٌ دُونَ أُخْرَى وَلَا يَنْدَفِعُونَ إِلَى الْعَمَلِ بِالْجِبِلَّةِ وَعَدَمِ الرُّؤْيَةِ. وَفِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ فِي سُورَةِ الْعُقُودِ [54] .

وَفِي تَعْلِيقِ رُحَماءُ مَعَ ظَرْفِ (بَيْنَ) الْمُفِيدِ لِلْمَكَانِ الدَّاخِلِ وَسَطَ مَا يُضَافُ هُوَ إِلَيْهِ تَنْبِيهٌ عَلَى انْبِثَاثِ التَّرَاحُمِ فِيهِمْ جَمِيعًا

قَالَ النبيء صلى الله عليه وسلم «تَجِدُ الْمُسْلِمِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ اشْتَكَى لَهُ جَمِيعُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»

. وَالْخِطَابُ فِي تَراهُمْ لِغَيْرٍ مُعَيَّنٍ بَلْ لِكُلِّ مَنْ تَتَأَتَّى رُؤْيَتُهُ إِيَّاهُمْ، أَيْ يَرَاهُمُ الرَّائِي.

وَإِيثَارُ صِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَكَرُّرِ ذَلِكَ، أَيْ تَرَاهُمْ كُلَّمَا شِئْتَ أَنْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا. وَهَذَا ثَنَاءٌ عَلَيْهِمْ بِشِدَّةِ إِقْبَالِهِمْ عَلَى أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ الْمُزَكِّيَةِ لِلنَّفْسِ، وَهِيَ الصَّلَوَاتُ مَفْرُوضُهَا وَنَافِلَتُهَا وَأَنَّهُمْ يتطلبون بذلك رضى اللَّهِ وَرِضْوَانِهُ. وَفِي سَوْقِ هَذَا فِي مَسَاقِ الثَّنَاءِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ حَقَّقَ لَهُمْ مَا يَبْتَغُونَهُ.

وَالسِّيمَا: الْعَلَّامَةُ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ فِي الْبَقَرَةِ [273] وَهَذِهِ سِيمَا خَاصَّةٌ هِيَ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ.

وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ مِنَ السِّيمَا الَّتِي وُصِفَتْ بِأَنَّهَا مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْحَاءٍ الْأَوَّلِ: أَنَّهَا أَثَرٌ مَحْسُوسٌ لِلسُّجُودِ، الثَّانِي أَنَّهَا مِنَ الْأَثَرِ النَّفْسِيِّ لِلسُّجُودِ، الثَّالِثِ أَنَّهَا أَثَرٌ يَظْهَرُ فِي وُجُوهِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَبِالْأَوَّلِ فَسَّرَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَعِكْرِمَةُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ قَالَ مَالِكٌ: السِّيمَا هِيَ مَا

ص: 205

يَتَعَلَّقُ بِجِبَاهِهِمْ مِنَ الْأَرْضِ عِنْدَ السُّجُودِ مِثْلَ مَا تَعَلَّقَ بجبهة النبيء صلى الله عليه وسلم مِنْ أَثَرِ الطِّينِ وَالْمَاءِ لَمَّا وَكَفَ الْمَسْجِدَ صَبِيحَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ. وَقَالَ السَّعِيدُ وَعِكْرِمَةُ: الْأَثَرُ كَالْغُدَّةِ يَكُونُ فِي جَبْهَةِ الرَّجُلِ.

وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَتَكَلَّفُونَ حُدُوثَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِهِمْ وَلَكِنَّهُ يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ

بِسَبَبِ تَكَرُّرِ مُبَاشَرَةِ الْجَبْهَةِ لِلْأَرْضِ وَبَشَرَاتُ النَّاسِ مُخْتَلِفَةٌ فِي التَّأَثُّرِ بِذَلِكَ فَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَتَكَلَّفُهُ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ رِيَاءً.

وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: يَسْجُدُونَ عَلَى التُّرَابِ لَا عَلَى الْأَثْوَابِ.

وَإِلَى النَّحْوِ الثَّانِي فَسَّرَ الْأَعْمَشُ وَالْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَالرَّبِيعُ وَمُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ جَزْءٍ وَالضَّحَّاكُ. فَقَالَ الْأَعْمَشُ: مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ. وَقَرِيبٌ مِنْهُ عَنْ عَطَاءٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ حُسْنُ السَّمْتِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ نُورٌ مِنَ الْخُشُوعِ وَالتَّوَاضُعِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ: بَيَاضٌ وَصُفْرَةٌ وَتَهَيُّجٌ يَعْتَرِي الْوُجُوهَ مِنَ السَّهَرِ. وَإِلَى النَّحْوِ الثَّالِثِ فَسَّرَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَيْضًا وَالزُّهْرِيُّ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ الْعَوْفِيِّ وَالْحَسَنُ أَيْضًا وَخَالِدٌ الْحَنَفِيُّ وَعَطِيَّةُ وَشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: أَنَّهَا سِيمَا تَكُونُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَالُوا: هِيَ بَيَاضٌ يَكُونُ فِي الْوَجْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ يَجْعَلُهُ اللَّهُ كَرَامَةً لَهُمْ.

وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:

سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الْفَتْح: 29] النُّورُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،

قِيلَ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ وَهُوَ لَا يَقْتَضِي تَعْطِيلَ بَقِيَّةِ الِاحْتِمَالَاتِ إِذْ كُلُّ ذَلِكَ مِنَ السِّيمَا الْمَحْمُودَةِ ولكنّ النبيء صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ أَعْلَاهَا.

وَضَمَائِرُ الْغَيْبَةِ فِي قَوْلِهِ: تَراهُمْ ويَبْتَغُونَ وسِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ عَائِدَةٌ إِلَى الَّذِينَ مَعَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَإِلَى كُلٍّ مِنْ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي.

ص: 206

ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ.

الْإِشَارَة ب ذلِكَ إِلَى الْمَذْكُورِ مِنْ صِفَاتِ الَّذِينَ مَعَ النبيء صلى الله عليه وسلم لِأَنَّ السَّابِقَ فِي الذِّكْرِ بِمَنْزِلَةِ الْحَاضِرِ فَيُشَارُ إِلَيْهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَاسْمُ الْإِشَارَةِ مُبْتَدَأٌ ومَثَلُهُمْ خَبَرُهُ.

وَالْمَثَلُ يُطْلَقُ عَلَى الْحَالَةِ الْعَجِيبَةِ، وَيُطْلَقُ عَلَى النَّظِيرِ، أَيِ الْمُشَابِهِ فَإِنْ كَانَ هُنَا مَحْمُولًا عَلَى الْحَالَةِ الْعَجِيبَةِ فَالْمَعْنَى: أَنَّ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةَ هِيَ حَالُهُمُ الْمَوْصُوفُ فِي «التَّوْرَاةِ» . وَقَوْلُهُ: فِي التَّوْراةِ مُتَعَلِّقٌ بِ مَثَلُهُمْ أَوْ حَالٌ مِنْهُ. فَيُحْتَمَلُ أَنَّ فِي «التَّوْرَاةِ» وَصْفَ قَوْمٍ سَيَأْتُونَ وَوُصِفُوا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الَّذِينَ مَعَ النبيء صلى الله عليه وسلم هُمُ الْمَقْصُودُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ الْعَجِيبَةِ الَّتِي فِي «التَّوْرَاةِ» ، أَيْ أَنَّ «التَّوْرَاةَ» قَدْ جَاءَتْ فِيهَا بِشَارَةٌ بمجيء مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَوَصْفِ أَصْحَاب النبيء صلى الله عليه وسلم. وَالَّذِي وَقَفْنَا عَلَيْهِ فِي «التَّوْرَاةِ» مِمَّا يَصْلُحُ

لِتَطْبِيقِ هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ الْبِشَارَةُ الرَّمْزِيَّةُ الَّتِي فِي الْإِصْحَاحِ الثَّالِثِ وَالثَلَاثِينَ مِنْ «سِفْرِ التَّثْنِيَةِ» مِنْ قَوْلِ مُوسَى عليه السلام: «جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سِينَا وَأَشْرَقَ لَهُمْ مِنْ سَعِيرٍ وَتَلَأْلَأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ، وَأَتَى مِنْ رَبَوَاتِ الْقُدُسِ وَعَنْ يَمِينِهِ نَارٌ شَرِيعَةٌ لَهُمْ فَأَحَبَّ الشَّعْبُ جَمِيعَ قِدِّيسِيهِ وَهُمْ جَالِسُونَ عِنْدَ قَدَمِكَ يَتَقَبَّلُونَ مِنْ أَقْوَالِكَ» فَإِنَّ جَبَلَ فَارَانَ هُوَ حِيَالُ الْحِجَازِ. وَقَوْلُهُ:

«فَأَحَبَّ الشَّعْبُ جَمِيعَ قِدِّيسِيهِ» يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الْفَتْح: 29]، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَا يَنْطَبِقُ عَلَى هَذَا مِنْ سُورَةِ الْفَتْحِ وَقَوْلُهُ: قِدِّيسِيهِ يُفِيدُ مَعْنَى تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً [الْفَتْح: 29] وَمَعْنَى سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الْفَتْح: 29] . وَقَوْلُهُ فِي «التَّوْرَاةِ» «جَالِسُونَ عِنْدَ قَدَمِكَ» يُفِيدُ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً [الْحَشْر: 8] . وَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ إِشَارَةً إِلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْوَصْفِ.

وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ.

ابْتِدَاءُ كَلَامٍ مُبْتَدَأٍ. وَيَكُونُ الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: فِي التَّوْراةِ وَالتَّشْبِيهُ فِي قَوْلِهِ:

ص: 207

كَزَرْعٍ خَبَرُهُ، وَهُوَ الْمَثَلُ. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ فَيَكُونُ مُشِيرًا إِلَى نَحْوِ قَوْلِهِ فِي «إِنْجِيلِ مَتَّى» الْإِصْحَاحِ 13 فِقْرَةِ 3 «هُوَ ذَا الزَّارِعُ قَدْ خَرَجَ لِيَزْرَعَ يَعْنِي عِيسَى عليه السلام وَفِيمَا هُوَ يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلَى الطَّرِيقِ فَجَاءَتِ الطُّيُورُ وَأَكَلَتْهُ» إِلَى أَنْ قَالَ «وَسَقَطَ الْآخَرُ عَلَى الْأَرْضِ الْجَيِّدَةِ فَأَعْطَى ثَمَرُهُ بَعْضَ مِائَةٍ وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلَاثِينَ» . قَالَ فِقْرَةً، ثُمَّ قَالَ:«وَأَمَا الْمَزْرُوعُ عَلَى الْأَرْضِ الْجَيِّدَةِ فَهُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ وَيَفْهَمُ، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي بِثَمَرٍ فَيَصْنَعُ بَعْضٌ مِائَةً وَبَعْضٌ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلَاثِينَ» . وَهَذَا يَتَضَمَّنُ نَمَاءَ الْإِيمَانِ فِي قُلُوبِهِمْ وَبِأَنَّهُمْ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الدِّينِ حَتَّى يَكْثُرَ الْمُؤْمِنُونَ كَمَا تُنْبِتُ الْحَبَّةُ مِائَةَ سُنْبُلَةٍ وَكَمَا تَنْبُتُ مِنَ النَّوَاةِ الشَّجَرَةُ الْعَظِيمَةُ.

وَفِي قَوْلِهِ: أَخْرَجَ شَطْأَهُ اسْتِعَارَةُ الْإِخْرَاجِ إِلَى تَفَرُّعِ الْفِرَاخِ مِنَ الْحَبَّةِ لِمُشَابَهَةِ التَّفَرُّعِ بِالْخُرُوجِ وَمُشَابَهَةِ الْأَصْلِ الْمُتَفَرَّعِ عَنْهُ بِالَّذِي يُخْرِجُ شَيْئًا مِنْ مَكَانٍ.

وَالشَّطْءُ بِهَمْزَةٍ فِي آخِرِهِ وَسُكُونِ الطَّاءِ: فِرَاخُ الزَّرْعِ وَفُرُوعُ الْحَبَّةِ. وَيُقَالُ: أَشْطَأَ الزَّرْعُ، إِذَا أَخْرَجَ فُرُوعًا. وَقَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِسُكُون الطَّاء وبالهمزة وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ شَطْأَهُ بِفَتْحِ الطَّاءِ بَعْدَهَا أَلِفٌ عَلَى تَخْفِيفِ الْهمزَة ألفا.

وفَآزَرَهُ قَوَّاهُ، وَهُوَ مِنَ الْمُؤَازَرَةِ بِالْهَمْزِ وَهِيَ الْمُعَاوَنَةُ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ الْإِزَارِ لِأَنَّهُ يَشُدُّ ظَهْرَ الْمُتَّزِرِ بِهِ وَيُعِينُهُ شَدُّهُ عَلَى الْعَمَلِ وَالْحَمْلِ كَذَا قِيلَ. وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي عَكْسُ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْإِزَارُ مُشْتَقًّا اسْمُهُ مِنْ: آزَرَ، لِأَنَّ الِاشْتِقَاقَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْجَامِدَةِ نَادِرٌ

لَا يُصَار إِلَى ادعائه إِلَّا إِذَا تَعَيَّنَ. وَصِيغَةُ المفاعلة فِي فَآزَرَهُ مُسْتَعَارَةٌ لِقُوَّةِ الْفِعْلِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: عَافَاكَ اللَّهُ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَبارَكَ فِيها [فصلت: 10] .

وَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ فِي فَآزَرَهُ لِلشَّطْءِ، وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ لِلزَّرْعِ، أَيْ قَوَّى الشَّطْءُ أَصْلَهُ.

ص: 208

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ فَآزَرَهُ. وَقَرَأَهُ ابْنُ ذَكْوَانَ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ فَأَزَّرَهُ بِدُونِ أَلِفٍ بَعْدِ الْهَمْزَةِ وَالْمَعْنَى وَاحِد.

وَمعنى فَاسْتَغْلَظَ غَلُظَ غِلْظًا شَدِيدًا فِي نَوْعِهِ، فَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ مِثْلُ:

اسْتَجَابَ. وَالضَّمِيرَانِ المرفوعان فِي فَاسْتَغْلَظَ واستوى عَائِدَانِ إِلَى الزَّرْعِ.

وَالسَّوَقُ: جَمْعُ سَاقٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ لِأَنَّ سَاقًا لَيْسَ بِوَصْفٍ وَهُوَ اسْمٌ عَلَى زِنَةِ فَعَلٍ بِفَتْحَتَيْنِ. وَقِرَاءَةُ الْجَمِيعِ عَلى سُوقِهِ بِالْوَاوِ بَعْدَ الضَّمَّةِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَرَأَ ابْن كثير سُوقِهِ بِالْهَمْزَةِ أَيْ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ السِّينِ الْمَضْمُومَةِ وَهِيَ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ يَهْمِزُونَ الْوَاوَ الَّتِي قَبْلَهَا ضَمَّةٌ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ (1) :

لَحَبُّ الْمُؤْقِدَانِ إِلَيَّ مُؤْسَى وَتُنْسَبُ لِقُنْبُلٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُفَسِّرُونَ وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي «حِرْزِ الْأَمَانِي» وَذَكَرَهَا النَوْرِيُّ فِي كِتَابِ «غَيْثِ النَّفْعِ» وَكَلَامُهُ غَيْرُ وَاضِحٍ فِي صِحَّةِ نِسْبَةِ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ إِلَى قُنْبُلٍ.

وَسَاقُ الزَّرْعِ وَالشَّجَرَةِ: الْأَصْلُ الَّذِي تَخْرُجُ فِيهِ السُّنْبُلُ وَالْأَغْصَانُ. وَمَعْنَى هَذَا التَّمْثِيلِ تَشْبِيه حَال بده الْمُسْلِمِينَ وَنَمَائِهِمْ حَتَّى كَثُرُوا وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَشْبِيهَ بَدْءِ دِينِ الْإِسْلَامِ ضَعِيفًا وَتَقَوِّيهِ يَوْمًا فَيَوْمًا حَتَّى اسْتَحْكَمَ أَمْرُهُ وَتَغَلَّبَ عَلَى أَعْدَائِهِ. وَهَذَا التَّمْثِيلُ قَابِلٌ لِاعْتِبَارِ تَجْزِئَةِ التَّشْبِيهِ فِي أَجْزَائِهِ بِأَنْ يشبه مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم بِالزَّارِعِ

(1) هُوَ جرير، وَتَمام الْبَيْت:

وجعدة إِذا أضاءهما الْوقُود وتقدّم عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ فِي سُورَة الْبَقَرَة [4] . وَالْبَيْت من قصيدة فِي مدح هِشَام بن عبد الْملك.

ص: 209

كَمَا مَثَّلَ عِيسَى غَلَبَ الْإِسْلَامَ فِي الْإِنْجِيلِ، وَيُشبه الْمُؤْمِنُونَ الْأَولونَ بِحَبَّاتِ الزَّرْعِ الَّتِي يَبْذُرُهَا فِي الْأَرْضِ مِثْلِ: أَبِي بَكْرٍ

وَخَدِيجَةَ وَعَلِيٍّ وَبِلَالٍ وَعَمَّارٍ، وَالشَّطْءُ: مَنْ أَيَّدُوا الْمُسْلِمِينَ فَإِن النبيء صلى الله عليه وسلم دَعَا إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ وَانْضَمَّ إِلَيْهِ نَفَرٌ قَلِيلٌ ثُمَّ قَوَّاهُ اللَّهُ بِمَنْ ضَامَنَ مَعَهُ كَمَا يُقَوِّي الطَّاقَةَ الْأَوْلَى مِنَ الزَّرْعِ مَا يَحْتَفُّ بِهَا مِمَّا يَتَوَلَّدُ مِنْهَا حَتَّى يُعْجِبَ الزُّرَّاعَ. وَقَوْلُهُ: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ تَحْسِينٌ لِلْمُشَبَّهِ بِهِ لِيُفِيدَ تَحْسِينَ الْمُشَبَّهِ.

لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ.

تَعْلِيلٌ لِمَا تَضَمَّنَهُ تَمْثِيلُهُمْ بِالزَّرْعِ الْمَوْصُوفِ مِنْ نَمَائِهِمْ وَتَرَقِّيهِمْ فِي الزِّيَادَةِ وَالْقُوَّةِ لِأَنَّ كَوْنَهُمْ بِتِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ تَقْدِيرِ اللَّهِ لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا عَلَيْهَا فَمَثَّلْ بِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ أَبُو عُرْوَةَ الزُّبَيْرِيُّ (1) : كُنَّا عِنْدَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فَذَكَرُوا عِنْدَهُ رَجُلًا يَنْتَقِصُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَرَأَ مَالِكٌ هَذِهِ الْآيَةَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى أَنْ بَلَغَ قَوْلَهُ:

لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ فَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ فِي قَلْبِهِ غَيْظٌ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَدْ أَصَابَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقُلْتُ: رَحِمَ اللَّهُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَرَضِيَ عَنْهُ مَا أَدَقَّ اسْتِنْبَاطَهُ.

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً.

أَعْقَبَ تَنْوِيهَ شَأْنِهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ بِوَعْدِهِمْ بِالْجَزَاءِ عَلَى مَا اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي لَهَا الْأَثَرُ الْمَتِينُ فِي نَشْرِ وَنَصْرِ هَذَا الدِّينِ.

وَقَوْلُهُ: مِنْهُمْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ (مِنْ) لِلْبَيَانِ كَقَوْلِهِ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الْحَج: 30]

(1) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: من ولد الزبير، قلت لَعَلَّه سعيد بن عمر الزبيرِي الْمدنِي من أَصْحَاب مَالك، تَرْجمهُ فِي المدارك وَلم يذكر كنيته.

ص: 210

وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ كَثِيرٌ، وَيَجُوزُ إِبْقَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَعْنَى مِنَ التَّبْعِيضِ لِأَنَّهُ وَعْدٌ لِكُلِّ مَنْ يَكُونُ مَعَ النبيء صلى الله عليه وسلم فِي الْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ فَيَكُونُ ذِكْرُ (مِنْ) تَحْذِيرًا وَهُوَ لَا يُنَافِي الْمَغْفِرَةَ لِجَمِيعِهِمْ لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَصْحَاب الرَّسُول صلى الله عليه وسلم هُمْ خِيرَةُ الْمُؤْمِنِينَ.

ص: 211