المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌كتابة الحديث وضبطه - فتح الباقي بشرح ألفية العراقي - جـ ٢

[زكريا الأنصاري]

فهرس الكتاب

- ‌لَفْظُ الإِجَازَةِ وَشَرْطُهَا

- ‌الرَّاْبِعُ: الْمُنَاوَلَةُ

- ‌كَيْفَ يَقُوْلُ مَنْ رَوَى بِالمُنَاولَةِ وَالإِجَاْزَةِ

- ‌الْخَامِسُ: الْمُكَاتَبَةُ

- ‌السَّادِسُ: إِعْلَامُ الشَّيْخِ

- ‌السَّابِعُ: الوَصِيَّةُ بالكِتَابِ

- ‌الثَّامِنُ: الوِجَادَةُ

- ‌كِتَابَةُ الْحَدِيْثِ وضَبْطُهُ

- ‌الْمُقَابَلَةُ

- ‌تَخْرِيْجُ السَّاقِطِ

- ‌التَّصْحِيْحُ والتَّمْرِيْضُ

- ‌الكَشْطُ والْمَحْوُ والضَّرْبُ

- ‌العَمَلُ في اخْتِلَافِ الرُّوَايَاتِ

- ‌الإِشَارَةُ بِالرَّمْزِ

- ‌كِتَابَةُ التَّسْمِيْعِ

- ‌صِفَةُ رِوَايَةِ الْحَدِيْثِ، وأَدَائِهِ

- ‌الرِّوَايَةُ مِنَ الأَصْلِ

- ‌الرِّوَايَةُ بِالمَعْنَى

- ‌الاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِ الحَدِيْثِ

- ‌إِصْلَاحُ اللَّحْنِ، وَالْخَطَأِ

- ‌اخْتِلَافُ أَلْفَاْظِ الشُّيُوْخِ

- ‌الزِّيَاْدَةُ فِيْ نَسَبِ الشَّيْخِ

- ‌الرِّوَاْيَةُ مِنَ النُّسَخِ الَّتِي إسْنَاْدُهَا وَاحِدٌ

- ‌تَقْدِيْمُ المَتْنِ عَلى السَّنَدِ

- ‌إِبْدَاْلُ الرَّسُوْلِ بِالنَّبِيِّ، وَعَكْسُهُ

- ‌السَّمَاْعُ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الوَهْنِ، أَوْ عَنْ رَجُلَيْنِ

- ‌آدَاْبُ الْمُحَدِّثِ

- ‌العَالِي والنَّازِلُ

- ‌الغَرِيْبُ، وَالْعَزِيْزُ، وَالْمَشْهُوْرُ

- ‌غَرْيِبُ أَلْفَاْظِ الأَحَاْدِيْثِ

- ‌الْمُسَلْسَلُ

- ‌النَّاسِخُ، وَالْمَنْسُوْخُ

- ‌التَّصْحِيْفُ

- ‌مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم

- ‌مَعْرِفَةُ التَّابِعِينَ

- ‌رِوَايةُ الأَكَابِرِ عَنِ الأَصاغِرِ

- ‌رِوَايَةُ الأَقْرَانِ

- ‌الأُخْوَةُ والأَخَوَاتُ

- ‌السَّابِقُ وَاللَاّحِقُ

- ‌مَنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَاّ رَاوٍ وَاحِدٌ

- ‌أَفْرَادُ العَلَمِ

- ‌الأَسْمَاءُ والكُنَى

- ‌الأَلْقَابُ

- ‌الْمُؤْتَلِفُ والمُخْتَلِفُ

- ‌الْمُتَّفِقُ وَالْمُفْتَرِقُ

- ‌تَلْخِيْصُ المُتَشَابِهِ

- ‌المُبْهَمَاتُ

- ‌مَعْرِفَةُ الثِّقَاتِ والضُّعَفَاءِ

- ‌مَعْرِفَةُ مَنِ اخْتَلَطَ مِنَ الثِّقَاتِ

- ‌طَبَقَاتُ الرُّوَاةِ

- ‌أَوْطَانُ الرُّوَاةِ وَبُلْدَانُهُمْ

الفصل: ‌كتابة الحديث وضبطه

(وإنْ لَمْ يَحْصُلْ) إنْ قُرئ بإسكان اللامِ دخلَهُ القطعُ، أَوْ بكسرِها سلمَ مِنْهُ، لَكِنْ يَجِبُ كسرُ لامِ ((فقل))، وإسكانُ هاءِ ((خطِّهِ)) إجراءً للوصلِ مجرَى الوَقْفِ -، أي: وإنْ لَمْ يَحْصَل (بالنُّسْخَةِ الوثوقُ)، فَلا تجزمْ بِذَلِكَ، بَلْ (قُلْ: بَلَغَنيْ) عَنْ فُلَانٍ أنَّه ذكرَ كَذَا، أَوْ وجدتُ فِي نُسْخَةٍ مِنَ الكِتَابِ الفلانِيِّ، وَنحوُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْتَضِي الجزمَ.

(وَ) لَكِنْ (الجزمُ) في مثلِهِ (يُرجى حِلُّهُ للفَطِنِ) العالمِ الذي لا تَخْفَى عَلَيْهِ غَالباً مَواضِعُ الإسقاطِ، والسَّقْط، وَمَا أحيلَ عَنْ جِهَتِهِ إلى غَيْرِهَا (1).

‌كِتَابَةُ الْحَدِيْثِ وضَبْطُهُ

(كتابةُ الحَدِيْثِ، وضبطُهُ) بالشَّكلِ، والنُّقَطِ، وَمَا مَعَ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتي:

559 -

وَاخْتَلَفَ الِصّحَابُ وَألأَتْبَاعُ (2)

فِي كِتْبَةِ (3) الْحَدِيْثِ، وَالإِجْمَاعُ

560 -

عَلَى الْجَوَازِ بَعْدَهُمْ بالْجَزْمِ

لِقَوْلِهِ: (اكْتُبُوْا) وَكَتْبِ (السَّهْمِيْ)

(واخْتلفَ الصِّحابُ) - بِكَسْرِ الصَّادِ أفصحُ، وأشْهرُ مِن فَتْحِهَا -، أي: الصَّحَابَةُ، (والأَتْباعُ) لَهُمْ (في كِتْبَةِ) - بكسرِ الكافِ - أي: كِتَابَةِ (الحَدِيْثِ)، فكرِهَهَا جَمْعٌ مِنْهُمَا، كابنِ عُمَرَ (4)، وابنِ مَسْعُودٍ (5)، وأبي سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ (6)،

(1) فتح المغيث 2/ 140.

(2)

في (ب): ((والتّبّاع))، وفي (ج):((والتّباع)) وأشار إلى أن في نسخة ((الأتباع)) نسخة.

(3)

أي: في نسخ الحديث أو كتابته.

(4)

رواه عنه الخطيب في تقييد العلم: 44، وابن عبد البر في جامع بيان العلم 1/ 66. قال البقاعي في النكت الوفية 274 / أ:((إنما في كتاب ابن الصلاح عمر ولم يذكر ابنه في شيء من القسمين ولا ذكر عمر في المجيزين)) وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: 342.

(5)

رواه عنه الخطيب البغدادي في التقييد: 38 - 39، وابن عبد البر في الجامع 1/ 65.

(6)

رواه عنه أبو خيثمة في كتاب العلم: 24 رقم (95)، والدارمي في سننه (456)، (457) والخطيب البغدادي في تقييد العلم: 36 - 38، وابن عبد البر في جامع بيان العلم 1/ 64.

ص: 30

وكالشَّعْبيِّ، والنَخَعيِّ مُحْتَجِّينَ بِخَبرِ مُسْلِمٍ: عَنْ أبِيْ سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ، أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم،

قَالَ: ((لَا تَكْتُبُوْا عَنِّيْ شَيْئاً سِوَى القُرْآنِ، مَنْ كَتَبَ عَنِّيْ شَيْئاً سِوَى القُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ)) (1).

وَفِي رِوَايَةٍ: ((أنَّه اسْتَأْذَنَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فِيْ كَتْبِ الْحَدِيْثِ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ)) (2).

وَجَوَّزَهُ (3) جَمْعٌ مِنْهُمَا، كَعُمَرَ (4)، وابنِهِ (5) أَيْضَاً، وعَلِيٍّ (6)، وابنِهِ الْحَسَنِ (7) - رضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَكَقَتَادَةَ (8)، وَعُمَرَ بنِ عَبْدِ الْعَزيزِ (9).

وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمَا: ((قَيِّدُوْا الْعِلْمَ بِالْكِتَابَةِ)) (10).

(وَ) لَكِنْ (الإجْمَاعُ) مُنْعَقِدٌ (عَلَى الْجَوازِ بَعْدَهُمْ) أي: بَعْدَ الصَّحَابَةِ والتَّابِعينَ، (بِالْجَزْمِ)، أي: مَجْزُوماً بِهِ، بحيثُ زَالَ ذَلِكَ الْخِلافُ؛ (لِقَولِهِ) صلى الله عليه وسلم، كَمَا في " الصَّحِيْحَيْنِ ":(((أكْتُبُوْا) لأبِيْ شَاهٍ)) (11).

(1) صحيح مسلم 8/ 229 (3004)، وأخرجه أحمد 3/ 12 و21 و39 و46 و56. والدارمي (456)، والنسائي في الكبرى (8008) وفي فضائل القرآن (33) كلهم من طريق همام بن يحيى، عن زيد بن

أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري بِهِ مرفوعاً.

(2)

تقييد العلم: 32 - 33.

(3)

أي: وجوّزه بالقول أو الفعل جماعة، أي: قال بعضهم: إنّه جائز وفعله بعضهم فعلمنا بفعلهم له أنه جائز؛ لأنهم كانوا لا يقدمون على غير الجائز. وعبارة ابن الصلاح وممن روينا عنه إباحة ذلك أو فعله

إلى آخره أفاده البقاعي 274 / ب.

(4)

رواه عنه الرامهرمزي في المحدث الفاصل: 377، والخطيب البغدادي في تقييد العلم:88.

قلنا: ورُويَ?عنه المنع من الكتابة، كما في تقييد العلم: 49 - 50 وجامع بيان العلم 1/ 64.

(5)

رواه عنه الرامهرمزي في المحدث الفاصل: 366، وابن عبد البر في جامع بيان العلم 1/ 73.

(6)

رواه عنه البخاري في صحيحه 1/ 38 حديث (111)، والخطيب البغدادي في تقييد العلم: 88 - 91، وابن عبد البر في جامع بيان العلم 1/ 71.

(7)

رواه عنه الخطيب البغدادي في تقييد العلم: 91، وابن عبد البر في جامع بيان العلم 1/ 82.

(8)

تقييد العلم: 41 - 48، والإلماع:147.

(9)

المصدران السابقان.

(10)

تقييد العلم: 32 - 33.

(11)

جزء من حديث طويل، أخرجه أحمد 2/ 238، والبخاري 1/ 38 - 39 (112) و 3/ 164 - 165 (2434) و 9/ 6 (6880)، ومسلم 4/ 110 - 111 (1355)، وأبو داود (2017) و (3649) و (4505) والترمذي (2667)، وابن حبان (3717)، والدارقطني 3/ 96 - 98 والبيهقي 8/ 52، وفي دلائل النبوة 5/ 84، والخطيب في الفقيه والمتفقه 1/ 91 كلهم من طريق يحيى ابن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.

ص: 31

أي: الْخُطبةَ التي سَمِعَهَا مِنْهُ صلى الله عليه وسلم يومَ فَتَحِ مَكَّةَ.

(وكَتْبِ السَّهْمِيْ) مِن زيادتِهِ -، أي: وَلكتب عَبْدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العَاصِ السَّهميِّ، نِسْبةً لِسَهْمِ بنِ عَمْرِو بنِ هصيصٍ، كَمَا رَواهُ البُخَارِيُّ (1) مِن قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ:((مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَحَدٌ أكْثَرَ حَدِيثاً منِّيْ إلَاّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو، فإنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أكْتُبُ)).

وكَمَا (2) رَواهُ أَبُو داودَ (3) مِن قَوْلِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو: ((يا رَسُوْلَ اللهِ! أكْتُبُ مَا أسْمَعُهُ مِنْكَ فِيْ الْغَضَبِ وَالرِّضَى؟ قَالَ: نَعَمْ فَإنِّيْ لَا أقُوْلُ إلَاّ حَقَّا)).

وَجَمَعُوا بَيْنَ الأدِلَّةِ، بأنَّ النَّهيَ مُتَقَدِّمٌ، والإذنَ ناسِخٌ لَهُ.

وبحملِ النَّهْي عَلَى وقتِ نِزولِ القُرْآنِ خَشيةَ الْتِباسِهِ بِغَيْرِهِ.

أَوْ عَلَى مَن تَمَكَّنَ مِنَ الحِفْظِ.

أَوْ عَلَى مَن خَشِيَ مِنْهُ الاتِّكالَ عَلَى الكِتَابِ دُوْنَ الْحِفْظِ.

أَوْ عَلَى كِتَابَةِ غَيْرِ القُرْآنِ مَعَ القُرْآنِ فِي شيءٍ واحدٍ؛ لأنَّهم كَانوا يَسْمَعُونَ تأويلَهُ فربَّما كَتَبُوهُ مَعَهُ؛ فنُهوا عَنْ ذَلِكَ خوفَ الاشتباهِ.

(1) صحيح البخاريّ 1/ 39 (113). قال الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة 2/ 199: ((وهذا الاستدلال من الزوائد على ابن الصّلاح ممّا لم أميزه من كلامه)).

(2)

في (م): ((كما)) بدون واو.

(3)

أبو داود (3646)، وأخرجه أحمد 2/ 162 و 192، وأخرجه الخطيب في تقييد

العلم: 80، والمزي في تهذيب الكمال 7/ 475 من طريق الإمام أحمد بهذا الإسناد.

وأخرجه ابن أبي شيبة (26419)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم: 89 - 90، والحاكم 1/ 105 - 106.

قال ابن القيم في " تهذيب مختصر سنن أبي داود " 5/ 245: ((قد صحّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم النهي عن الكتابة والإذن فيها، والإذن متأخرٌ، فيكون ناسخاً لحديث النهي، فإن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال في غزاة الفتح: ((أكتبوا لأبي شاه)) يعني خطبته التي سأل أبو شاه كتابتها، وأذن لعبد الله ابن عمرو في الكتابة، وحديثه متأخر عن النهي، لأنه لم يزل يكتب، ومات وعنده كتابته، وهي الصحيفة التي كان يسميها " الصادقة " ولو كان النهي عن الكتابة متأخراً لمحاها عبد الله، لأمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم بمحو ما كتب عنه غير القرآن، فلما لم يمحها وأثبتها، دلّ على أن الإذن في الكتابة متأخّر عن النهي عنها، وهذا واضح. والحمد لله)).

ص: 32

وحُملَ الإذنُ عَلَى خِلافِ ذَلِكَ في الْجَمِيْعِ.

وبالْجُملةِ: فالكِتابَةُ مَسْنونةٌ، بَلْ قَالَ شَيْخُنا:((لا يَبْعُدُ وجوبُها عَلَى مَن خَشِيَ النِّسْيانَ مِمَّنْ يَتَعيَّنُ عَلَيْهِ تَبْليغُ العِلْم)) (1).

561 -

وَيَنْبَغِي إِعْجَامُ مَا يُسْتَعْجَمُ

وَشَكْلُ مَا يُشْكِلُ لَا مَا يُفْهَمُ

562 -

وَقِيْلَ: كُلِّهِ لِذِي ابْتِدَاءِ

وَأَكَّدُوْا مُلْتَبِسَ الأَسْمَاءِ

563 -

وَلْيَكُ (2) فِي الأَصْلِ وَفِي الْهَامِشِ مَعْ

تَقْطِعْيِهِ الْحُرُوْفَ فَهْوَ أَنْفَعْ

(وَيَنْبَغِي) نَدْباً (3)(إعْجَامُ) أي نقطُ (مَا يُسْتَعْجَمُ) بِتَركِ نَقْطِهِ بحيثُ يصيرُ فيهِ عُجْمَةٌ، بأن يُميِّزَ التاءَ من الياء، والحاء من الخاء. (4)

(و) ينبغي أَيْضَاً (شَكْلُ مَا يُشكِلُ) إعرابُه، وَهيئتُهُ مِنَ الْمُتونِ، والأسْماءِ في الكتبِ، ليزولَ إشكالُه (لا مَا يُفْهَمُ) بِلا نقطٍ وشكلٍ؛ لأنَّه اشتغالٌ بِمَا غيرُهُ أولى مِنْهُ، وتعبٌ بلا فائدة.

وحُكيَ عَنْ أَهْلِ العلمِ أنهم يَكْرهونَ الإعجامَ، والإعرابَ إلا في الْمُلْبسِ، وربَّما يحصلُ للكتابِ أظلامٌ.

(وَقِيلَ): بَلْ يَنْبَغِي الإعْجَامُ، والشَّكْلُ لِلْمَكْتوبِ (كُلِّهِ) الْمُشْكِلِ، وغيرِهِ (5).

وَصَوَّبَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ (لِذي ابْتِدَاءِ) أي: لأجلِ الْمُبْتَدِي في

الفَنِّ؛ لأنَّه لا يعرفُ الْمُشْكِلَ مِنْ غيرِهِ (6).

(1) في (م): ((الإسلام)): وما أثبتناه هو الموافق لما في نسخنا وفتح الباري 1/ 204 عقب (111).

(2)

أصلها: يكون، حذفت الواو لدخول الجازم، وحذفت النون تخفيفاً فأصبحت: ليك.

(3)

قال السخاوي في فتح المغيث 2/ 147: ((استحباباً متأكداً، بل عبارة ابن خلاد وعياض تقتضي الوجوب، وبه صرح الماوردي، لكن في حق من حفظ العلم بالخط لطالب العلم لاسيما الحديث ومتعلقاته صرف الهمة لضبط ما يحصله بخطه، أو بخط غيره من مرويه وغيره من كتب العلوم النافعة ضبطاً يؤمن معه الالتباس)). وانظر: المحدث الفاصل: 608، والإلماع: 149، وشرح التبصرة والتذكرة 2/ 200.

(4)

انظر: شرح التبصرة والتذكرة 2/ 200.

(5)

انظر: معرفة أنواع علم الحديث: 345، وشرح التبصرة والتذكرة 2/ 201.

(6)

الإلماع: 150.

ص: 33

وَلأنهُ رُبَّمَا يَكُونُ الشَّيْءُ واضِحاً عِنْدَ قَومٍ مُشْكِلاً عِنْدَ آخرِينَ، بَلْ رُبَّمَا يظنُّ لبراعَتِهِ الْمُشْكِلَ واضِحَاً، ثُمَّ يشكِلُ عَلَيْهِ بَعْدُ.

وَرُبَّما يقعُ النِّزاعُ في حُكمٍ مُسْتنبطٍ مِن حَدِيثٍ يَكُونُ مُتَوَقِّفاً عَلَى إعْرابِهِ، كحديثِ:((ذكَاةُ الْجَنِيْنِ ذكَاةُ أمِّهِ)) (1).

فالجمهورُ، كالشافعيةِ، والمالكيةِ (2)، وغيرِهما، لا يُوجِبونَ ذكاتَهُ بناءً على رفعِ ((ذكاةُ أُمِّهِ)) بالابتدائيةِ أَوْ (3) الْخَبريةِ، وَهُوَ الْمشهورُ في الرِّوَايَةِ. وغيرُهم كالحنفيةِ يوجبونَها بناءً عَلَى نَصْبِ ذَلِكَ عَلَى التَّشبيهِ أي: يُذكى مثلَ ذكاةِ أمِّهِ (4). وكحديثِ: ((لَا نُوْرَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ)) (5).

فالسنِّي يرفعُ (6)((صدقةٌ)) بالخبريةِ؛ لأنَّ الأنبياءَ عَلَيْهِمُ الصلاةُ والسلامُ لايورثونَ.

(1) أخرجه عبد الرزاق (8649)، وابن أبي شيبة (36139)، وأحمد 3/ 31 و 39 و53، وأبو داود (2827)، وابن ماجه (3199)، والترمذي (1476)، وابن الجارود (900)، وأبو يعلى (992)، وابن حبان (5898)، والدارقطني 4/ 272 و 273 و 274، والبيهقي 9/ 335، والبغوي (2789) من طريق أبي الوداك، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الترمذي:((حسن)). وله طريق آخر عند أحمد 3/ 45 من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد.

(2)

انظر: شرح التبصرة والتذكرة 2/ 202.

(3)

في (م) و (ق): ((و)).

(4)

انظر في المسألة: الإلماع: 150، وتهذيب الأسماء واللغات 3/ 111، والنهاية 2/ 164، وفيض القدير 3/ 563، وعون المعبود 3/ 23، وبذل المجهود 13/ 68 - 69، وسبل السلام 4/ 1855 - 1856، ونيل الأوطار 8/ 145 - 146.

(5)

أخرجه عبد الرزاق (9772)، وابن سعد في الطبقات الكبرى 2/ 314، وأحمد 1/ 25 و47 و48 و49 و60 و162 و164 و179 و191 و208، والبخاري 4/ 96 (3094) و5/ 113 (4033) و7/ 81 (5358) و8/ 185 (6728) و9/ 121 (7305)، ومسلم 5/ 151 (1757)(49) و153 (1757)(50)، وأبو داود (2963) و (2964)، والترمذي (1610)، والبزار (2) و (518)، والمروزي في مسند أبي بكر (2)، والنّسائيّ 7/ 135، وأبو يعلى (2) و (3) و (4)، والطحاوي في شرح المعاني 2/ 5، وابن حبان (6617)، والبيهقي 6/ 297و298، والبغوي (2738). عن أبي بكر وعمر. ويروى هذا الحديث عن عائشة ومالك بن أوس بن الحدثان وأبي هريرة.

(6)

في (ص): ((يرى)).

ص: 34

والمعتزليُّ ينصبُها تمييزاً، ويجعلُ ((مَا تركنا)) مفعولاً ثانياً ((لنورث)) أي: لا نورثُ مَا تركناه صدقةً، بَلْ ملكاً (1).

(و) لَكِنْ (أكَّدُوْا) أي: العُلَمَاءُ (مُلتَبِسَ) أي ضبطَ ملتبسِ (الأسْماءِ) إِذْ لا يدخُلُها قياسٌ، ولَا قَبْلَها وَلَا بَعْدَهَا شيءٌ يدلُّ عَلَيْهَا.

(وَلْيَكُ) ضَبْطُ الشكلِ (2)(في الأصلِ، وفي الْهَامِشِ) قُبالتَهُ: لأنَّ الْجمعَ بَيْنَهُمَا أَبْلغُ في الإبانةِ مِنَ الاقْتِصَارِ عَلَى ذَلِكَ في الأصْلِ.

ولْيَكُ مَا فِي الْهَامِشِ ثابتاً (مَعْ تَقْطِيْعِهِ) أي: الكاتبِ، (الْحُرُوفَ) مِنَ المشكلِ (3)، (فَهْوَ أنفعْ).

وَفَائِدَةُ تَقْطيعِها أنْ يُظهِرَ شكلَ الحرفِ (4) بكتابتِهِ مُفْرداً في بَعضِ الحُروفِ كالنونِ، والياءِ التحتيةِ، بخلافِ مَا إذَا كُتِبَتْ مُجْتَمِعَةً، والْحَرْفُ الْمَذْكورُ في أولِها، أَوْ (5) وسَطِها.

564 -

وَيُكْرَهُ الْخَطُّ الرَّقِيْقُ (6) إِلَاّ

لِضِيْقِ رَقٍّ أَوْ لِرَحَّالٍ فَلَا

565 -

وَشَرُّهُ التَّعْلِيْقُ وَالْمَشْقُ، كَمَا

شَرُّ الْقِرَاءةِ إذا مَا هَذْرَمَا

(وَيُكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ (7)(الْخَطُّ الدَّقيقُ) - بالدّالِ وَفِي نسخةٍ بالراءِ - لفواتِ الانتفاعِ، أَوْ كَماله بِهِ لِمَنْ ضعُفَ نظرُهُ، وربما ضعُفَ نظرُ كاتبِهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَلا ينتفعُ بِهِ.

(1) انظر: فتح المغيث 2/ 149.

(2)

في (ص) و (ق): ((المشكل)).

(3)

في (م): ((من الشكل))، وفي (ق):((مع المشكل)).

(4)

في (م): ((الحروف)).

(5)

في (ص): ((أو في)).

(6)

في النفائس و (أ): ((الدقيق)) بالدال، وما أثبتناه من (ب) و (ج) وشروح الألفية وهو الموافق لما يأتي، وسوف يشير المصنف إلى هذا الاختلاف.

(7)

فتح المغيث 2/ 150.

ص: 35

كَمَا قَالَ الإمامُ أَحْمَدُ (1) بنُ مُحَمَّدِ بنِ حَنْبَلٍ، لابنِ عَمِّهِ حَنْبَلِ بنِ إسحاقَ بنِ حَنْبَلٍ (2) ورآهُ يكتبُ خطَّا دقيقاً: لا تفعلْ فإنَّهُ يخونُك أحوجُ مَا تَكُونُ إِليهِ.

(إلَاّ) أنْ تكونَ (3) دِقَتُهُ (لضيقِ رَقٍّ)(4) -بفتح الراء-، وَهُوَ جِلدٌ رقيقٌ أبيضُ يكتبُ فِيهِ، وَمِثلُه الورقُ، وَذَلِكَ بأنْ عجزَ عَنْهُمَا، أَوْ عَنْ ثمنِهِما (5)، (أَوْ لِرَحَّالٍ) في طَلبِ العِلْمِ، يريدُ حَمْلَ كُتُبِهِ مَعَهُ، فتكونُ خَفيفةَ الْحَمْلِ (6)، (فَلَا) كَراهةَ لعذرِهِ.

والقضيةُ الْمُستثناةُ مانعةُ خُلوٍّ، فتصدقُ بطرفَيْهَا، بَلْ ذَلِكَ مفهومٌ بالأولى.

(وشرُّه) أي: الخط (التَّعْليقُ)، وَهُوَ خلطُ الحروفِ التي ينبغي تفرقَتُها (7)(والْمَشْق) - بفتح الميم - وَهُوَ سرعةُ الكِتَابَةِ (8) مَعَ بَعْثرةِ الحروفِ، (كَمَا) أنَّه (شرُّ القِرَاءةِ إذَا مَا) زائدةٌ (هَذْرَما) - بالمعجمةِ - أي: أسرعَ في قراءتهِ (9).

فعن عُمَرَ رضي الله عنه أنهُ قَالَ: شرُّ الكِتَابَةِ الْمَشقُ، وشرُّ القِرَاءةِ الْهَذْرَمَةُ، وأجودُ الخطِّ أبْينُهُ (10).

566 -

وَيُنْقَطُ الْمُهْمَلُ لَا الْحَا أَسْفَلَا

أَوْ كَتْبُ ذَاكَ الْحَرْفِ تَحْتُ مَثَلَا

567 -

أَوْ فَوْقَهُ قُلَامَةً، أَقْوَالُ

وَالْبَعْضُ نَقْطَ الِسّيْنِ صَفّاً قالَوْا

568 -

وَبَعْضُهُمْ يَخُطُّ فَوْقَ الْمُهْمَلِ

وَبَعْضُهُمْ كَالْهَمْزِ تَحْتَ يَجْعَلِ

(1) الجامع لأخلاق الرَّاوِي 1/ 261 (537)، وانظر: أدب الإملاء والاستملاء: 167.

(2)

((بن حنبل)): سقط من (م).

(3)

في (م): ((تكونه)).

(4)

انظر: شرح التبصرة والتذكرة 2/ 205، والنكت الوفية 281/ب.

(5)

انظر: فتح المغيث 2/ 151.

(6)

المصدر السابق.

(7)

انظر: فتح المغيث 2/ 151.

(8)

الصحاح 4/ 1555 مادة (مشق).

(9)

الصحاح 5/ 2057 مادة (هذرم).

(10)

أسنده الخطيب في الجامع لأخلاق الرّاوي 1/ 262 (541)، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: 347، وشرح التبصرة والتذكرة 2/ 205.

ص: 36

(وَيُنْقَطُ) الْحَرْفُ (الْمُهْمَلُ)، كَالدَّالِ والرَّاءِ (لا الْحَا (1)) - بالقصر - بِمَا فَوْقَ الْحرفِ المعجمِ المشاكلِ لَهُ (أسفلا) أي: أسفلَ المهمَلِ.

وإنَّما لَمْ ينقطِ الْحاءُ كَذلِكَ، لئلا تلتبسَ بالْجيمِ.

وَلَمْ يُصَرِّحِ ابنُ الصَّلاحِ، كالقاضِي عياضٍ (2) باستثنائِهما، للعلمِ بِهَا مِن علَّةِ ذَلِكَ، وَهِيَ التَّمييزُ.

وَلَيْسَ هَذَا الضَّبطُ مُتَّفَقاً عَلَيْهِ بينَهُم، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يَسْلُكُهُ، ومنهم من يَسْلُكُ غيرَهُ، كَمَا ذكرَهُ بقولِهِ:

(أَوْ) علامتُهُ (كَتْبُ ذاكَ الْحَرفِ) الْمُهْمَلِ (تَحْتُ) أي: تَحْتَهُ (مَثَلا) بِفَتْحَتَيْنِ لغةً في ((مِثْل)) بِكَسْرِ أوَّلِهِ، وإسكانِ ثانيهِ -، أي: كتبُ مثلِ ذَلِكَ الحرفِ، لَكِنَّ الأَنْسَبَ كونُهُ أصغرَ مِنْهُ.

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَهَذا عَمَلُ بعضِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ، والأندلُس (3).

(أَوْ) يَكْتُبُ (فَوقَهُ قُلَامةً) أي: صُورةَ هِلالٍ، كقُلامةِ الظُّفْرِ، مُضْطَجِعةٍ عَلَى قَفَاهَا (4)، لتكونَ (5) فرجتها (6) إلى فَوْق.

(أقوالُ) ثلاثةٌ شائعةٌ معروفةٌ (7)، وَهِيَ مَعَ مَا يأتِي خَمْسَةُ أقوالٍ، أَوْ ستةٌ، كَمَا سَتَراهُ، وقضيةٌ أولُها أنْ تَكُونَ (8) هيئةُ النَقْطِ مِن تحتُ كهيئتِهِ من فوقُ حَتَّى يَكُونَ مَا تحتَ السِّينِ الْمُهْمَلةِ كالأثافيِّ، وَعَلَيْهِ فالأنسبُ أنْ تَكُونَ النُّقْطةُ الثَّالثةُ تَحْتَ النُّقْطَتينِ الأُخرَيَيْنِ (9).

(1) في (م): ((الحاء)) بإثبات الهمزة، ولم يفهم مراد الشارح.

(2)

الإلماع: 157.

(3)

الإلماع: 157.

(4)

معرفة أنواع علم الحديث: 348، وشرح التبصرة والتذكرة2/ 208، وفتح المغيث2/ 154.

(5)

في (ص): ((ليكون)).

(6)

في (م): ((فوهتها)).

(7)

معرفة أنواع علم الحديث: 348.

(8)

في (م): ((يَكُوْن)).

(9)

فتح المغيث 2/ 154 - 155.

ص: 37

(والبَعْضُ) مِمَّنْ سَلَكَ النقطَ، (نَقْطَ السِّينَ) يَكون (صَفَّاً) تَحتَها، (قالوا): وإنما قالوا ذَلِكَ لئلا يزدحمَ (1) بَعْضُ النَّقطِ بالسَّطْرِ الَّذِي يليه فيظلم، وربما يلبسُ (2).

(وبعضُهم يخطُّ فوقَ الْمُهْمَلِ) خطّاً صغيراَ (3).

قَالَ ابنُ الصَّلَاحِ: وَذلِكَ مَوجودٌ في كثيرٍ مِنَ الكُتُبِ القَدِيْمَةِ (4)، ولا يفطنُ لَهُ كَثيرونَ (5).

أي: لِخَفَائِهِ، وَعَدمِ شُيوعِهِ حَتَّى تَوهَّمَهُ بَعْضُهُمْ فتحةً، فقرأ ((رَضوان)) - بفتحِ الرَّاءِ -، وَهِيَ لَيْسَتْ إلاّ عَلَامَةُ الإِهْمَالِ.

(وَبَعْضُهُم كَالْهَمْزِ تَحْتُ) أي: تَحْتَ المهملِ (يَجْعَلِ).

نقله ابنُ الصَّلَاحِ (6) عَنْ بعضِ الكُتُبِ القَدِيْمَةِ، ونقلَهُ القاضِي عِياضٌ (7) عَنْ بَعْضِهِم مَعَ نَقْلِهِ عَنْ بَعْضِهِمْ أيْضاً، أَنَّه يَجْعَلُها فوقَ الْمُهمَلِ، وعبَّر عَنْهَا بالنَّبْرَةِ.

وَيَكْتُبُ فِي بَطْنِ الكَافِ الْمُعَلَّقةِ كَافاً صَغِيْرَةً أوْ هَمْزةً، وَفي بَطْنِ الّلامِ لاماً هَكذا:((لا)) صورة.

569 -

وَإِنْ أَتَى بِرَمْزِ رَاوٍ مَيَّزَا

مُرَادَهُ وَاخْتِيْرَ أَنْ لَا يَرْمِزَا

570 -

وَتَنْبَغِي الدَّارَةُ فَصْلاً وَارْتَضَى

إِغْفَالَهَا (الْخَطِيْبُ) حَتَّى يُعْرَضَا

571 -

وَكَرِهُوْا فَصْلَ مُضَافِ اسْمِ اللهْ

مِنْهُ بِسَطْرٍ إِنْ يُنَافِ مَا تَلَاهْ

(وإنْ أَتَى) راوٍ في كِتَابٍ سَمِعَهُ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي بيانُهُ (بِرَمْزِ راوٍ) بِبَعْضِ حُروفِ اسْمِهِ (مَيّزَا مُرادَهُ) بتلكَ الرُمُوزِ في أوَّلِ الكِتَابِ، أوْ آخِرِهِ.

(1) في (م): ((يزدهم)).

(2)

في (م): ((يلتبس))، وانظر: فتح المغيث 2/ 155.

(3)

انظر: فتح المغيث 2/ 155.

(4)

في (ص): ((المتقدمة)).

(5)

معرفة أنواع علم الحديث: 348.

(6)

معرفة أنواع علم الحديث: 348.

(7)

الإلماع: 157.

ص: 38

كأن رَوَى البُخَارِيَّ راوٍ من روايةِ الفَرَبْرِي، وإبْرَاهِيْمَ بنِ معقلِ النَّسَفيِّ. وحَمّادِ ابنِ شاكرٍ النَّسَويِّ، فيَجْعَلُ راويَهِ في كتابِهِ للفَرَبْري:((ف))، وللنَّسفيِّ:((س))، وَلِحَمّادٍ:((ح)) (1).

وَهَذا لَا بَأسَ بِهِ، كَمَا قالَهُ ابنُ الصَّلَاحِ (2).

(و) مع ذَلِكَ (اخْتِيْرَ أَنْ لَا يَرْمِزَا) أي: الأولى أنْ يَجْتَنبَ الرَّمْزَ، ويكتبَ عِنْدَ كُلِّ رِوَايَةٍ اسمَ راويهِ، بكمالِهِ؛ لأنَّ تَمْيِيْزَ الرَّمْزِ، إمَّا في أوَّلِ الكِتَابِ، أَوْ آخرِهِ، وقد تَسْقُطُ الورَقَةُ الّتي هُوَ فِيْهَا، فيوقعُ في الحيرةِ، فإنْ أخلَى كتابَهُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ كرِهَ له لما يُوقعُ فِيْهِ غيرَهُ مِنَ الْحَيْرَةِ فِي فَهْمِ مرادِهِ (3).

(وَتَنْبَغِي) نَدْباً في إتْمَامِ الضَّبْطِ (الدَّارةُ)(4)، وَهِيَ حَلْقَةٌ (فَصْلاً)، أي: لِلْفَصْلِ بِها، لِلتَّمييزِ بَيْنَ الْحَدِيْثَيْنِ، فقد يَدْخُلُ عَجِزُ الأوَّلِ في صدرِ الثَّانِي أَوْ بالعَكْسِ فِيْمَا إِذَا تجرَّدتِ الْمُتونُ عَنْ أسانِيدِهَا.

وَمِنْهُم مَنْ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الدارةِ، بَلْ يَتْركُ بقِيَّةَ السَّطرِ بَياضاً. وَكذا يفعلُ في التراجِمِ، ورُؤوسِ المسائِلِ.

(وارْتَضَى) ندباً (إغْفَالَها) أي: تركَهَا مِنَ النقطِ، بِحَيْثُ يَكُونُ غُفْلاً لا أثرَ بِهَا الْحَافِظُ (الْخَطِيبُ، حَتَّى) أي: إلى أَنْ (يُعْرَضَا) أي: يقابلَ كتابُهُ بالأصلِ، أَوْ نحوِهِ (5).

وَحِينئِذٍ فَكُلُّ حَدِيثٍ فَرغَ مِن عرضِهِ يَنقُطُ في الدائِرةِ الَّتِي تليهِ نقطةً، أَوْ يخطُّ في وسطِهَا خطّاً، لئلا يَشُكَّ بعدُ هل عارَضَهُ أَوْ لَا؟ ولِيَعْرِفَ بِهِ كَمْ عَارَضَهُ مَرّةً حِيْنَ يُخَالِفُهُ فِيْهِ غَيْرُهُ (6).

(1) فتح المغيث 2/ 156.

(2)

معرفة أنواع علم الحديث: 349.

(3)

انظر: شرح التبصرة والتذكرة 2/ 210.

(4)

الجامع لأخلاق الرّاوي 1/ 272 قبيل (570)، ومعرفة أنواع علم الحديث: 349، وشرح التبصرة والتذكرة 2/ 210.

(5)

الجامع لأخلاق الرّاوي 1/ 273.

(6)

شرح التبصرة والتذكرة 2/ 210 - 211.

ص: 39

قَالَ الْخَطِيبُ: ((وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ لَا يُعْتَدُّ مِن سَمَاعِهِ إلا بِمَا كَانَ كَذَلِكَ، أَوْ في مَعْنَاهُ)) (1).

(وَكَرِهُوْا) أي: الْمُحَدِّثُوْنَ في الكِتَابَةِ (فَصْلَ مُضَافِ اسْمِ اللهْ مِنْهُ) كَعَبْدِ اللهِ، أَوْ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بنِ فُلَانٍ، أَوْ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

فَلَا يكتبُ ((عَبْدَ))، أَوْ ((رَسُوْلَ)) في آخرِ سَطْرٍ، و ((اللهِ))، أَو ((الرَّحْمَانِ))، مَعَ مَا بَعْدَهُ (ب) أوَّلِ (سَطْرٍ) آخرٍ، احتِرَازاً مِن قُبْحِ الصُّورَةِ (2)، وَهَذِهِ الكراهةُ للتَّنْزِيهِ.

وَقَوْلُ الْخَطيبِ: ((يَجِبُ اجتنابُ ذَلِكَ)) (3) حَمَلَهُ شَيْخُنا عَلَى التأكيدِ لِلْمَنْعِ.

وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ - كَمَا قَالَ النّاظِمُ (4) - أَسْماءُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وأَسْماءُ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم، كقولِهِ:((سَابُّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَافِرٌ)) (5)، وقولِهِ:((قَاتِلُ ابْنِ صَفِيَّةَ -يعني الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ- فِيْ النَّارِ)) (6).

فلا يكتُبْ ((سابُّ))، أَوْ ((قاتِلُ)) في آخرِ سطرٍ، وما بعدَهُ في أوّلِ آخر.

بَلْ ولا اخْتِصاصَ لِلكَرَاهَةِ بِالفَصْلِ بَيْنَ الْمُتضايفَيْنِ فَغَيْرهُما مِمَّا يُسْتَقْبَحُ فِيْهِ الْفَصْلُ كَذَلِكَ. كقولِهِ في شَارِبِ الْخَمْرِ الذِي أُتِيَ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ ثَمِلٌ، فَقَالَ عُمَرُ (7):((أخْزَاهُ اللهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ)) (8).

(1) الجامع 1/ 273 (571).

(2)

انظر: معرفة أنواع علم الحديث: 349، وشرح التبصرة والتذكرة 2/ 211.

(3)

الجامع 1/ 268 عقب (559).

(4)

شرح التبصرة والتذكرة 2/ 212.

(5)

هذا ليس حديثا وإنما هو قول عابر، وانظر المسألة في الموسوعة الفقهية 24/ 136.

(6)

أخرجه ابن سعد 3/ 105، والإمام أحمد 1/ 89 و 102 و 103، والترمذي (3745)، الطبراني (243) والحاكم 3/ 367، ومن قول علي بلفظ:((بشّر قاتل ابن صفية بالنار سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: لكل نبي حواري وحواريي الزبير)).

(7)

في (ص): ((عمرو)).

(8)

في صحيح البخاريّ 8/ 197 (6780) من حديث عمر بن الخطاب وفيه ((قال رجل)) بالإبهام، وليس فيه التصريح أن القائل هو عمر بن الخطاب. وقال ابن حجر في الفتح 2/ 77: ((لم أر هذا الرجل المسمى

ثم رايته مسمى في رواية الواقدي فعنده: فقال عمر)) ثم ليس في الحديث لفظة: ((ثمل)).

ص: 40

فلا يكتُبْ ((فَقَالَ)) في آخر سطرٍ، وما بعده (1) في أوَّلِ آخر.

هَذَا (إنْ يُنافِ) بِالْفَصْلِ (مَا تَلاهْ)، كَمَا في الأمْثِلَةِ الْمَذْكُورةِ، فإنْ لَمْ ينافِهِ - كأَنْ يَكُوْنَ اسمُ اللهِ مَثَلاً آخرَ الكِتَابِ، أَوْ الحَدِيْثِ، أَوْ يَكُوْنَ ما بعدَهُ مَا يلائِمُه نَحْوَ قَوْلِهِ في آخرِ البُخَارِيِّ:((سُبْحَانَ اللهِ العظيمِ)) (2) - فَلَا كَراهَةَ فِي الفَصْلِ بَيْنَهُمَا.

وَمَعَ ذَلِكَ فَجَمْعُهُمَا أَوْلَى، بَلْ (3) صَرَّحَ بَعْضُهُم بِالكَرَاهَةِ فِي فَصْلِ نَحوِ:((أَحَدَ عَشَر))، لكونهما (4) بِمَنْزِلَةِ اسمٍ واحدٍ، وَكَرِهوا جعلَ الكلمةِ في آخِرِ سَطرٍ، وبَعْضَهَا في أوَّلِ آخر.

572 -

وَاكْتُبْ ثَنَاءَ (اللهِ) وَالتَّسْلِيْمَا

مَعَ الصَّلَاةِ للِنَّبِيْ تَعْظِيْمَا

573 -

وَإِنْ يَكُنْ أُسْقِطَ فِي الأَصْلِ وَقَدْ

خُوْلِفَ فِي سَقْطِ الصَّلَاةِ (أَحْمَدْ)

574 -

وَعَلَّهُ (5) قَيَّدَ (6) بِالرِّوَايَهْ

مَعْ نُطْقِهِ، كَمَا رَوَوْا حِكَايَهْ

575 -

وَالْعَنْبَرِيْ وَابْنُ الْمَدِيْنِيْ بَيَّضَا

لَهَا لإِعْجَالٍ وَعَادَا عَوَّضَا (7)

576 -

وَاجْتَنِبِ الرَّمْزَ لَهَا وَالْحَذْفَا

مِنْهَا صَلَاةً أَوْ سَلَاماً تُكْفَى (8)

(1) في (م): ((بعد)).

(2)

صحيح البخاري 9/ 199 (7563)، وهو آخر حديث في الصحيح، رواه عن شيخه محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم)).

(3)

في (ص): ((ثم)).

(4)

في (ق) و (ص): ((لكونها)).

(5)

هي لغة في: ((لعلّ)). انظر: الصحاح 5/ 1774 (علل).

(6)

يجوز في ضبط (قيّد) البناء للمعلوم والمجهول كما أشار إليه البقاعي. انظر توجيه ذلك في النكت الوفية 284/أ.

(7)

قال البقاعي: ((أي: ورجعا إلى التعويض، أي: ورجعا بعد انقضاء سبب العجلة إلى التدارك فكتبا عوض الذي حذفاه وفوّتاه في ذلك الوقت)). النكت الوفية 284/ب.

(8)

تكفى: أي: همّك، وهذا إشارة إلى حديث أخرجه عبد بن حميد (170)، والترمذي (2457)، والحاكم 2/ 421، وحسّنه الترمذي.

ص: 41

(واكتُبْ) أَنْتَ نَدْباً (ثنَاءَ اللهِ) تَعَالَى، كُلّمَا (1) مَرَّ لَكَ ذكْرُهُ، كعزَّ وجلَّ، وَتَبَارَكَ وتَعَالَى (2).

(وَ) اكتبْ كَذَلِكَ (التَّسْلِيمَا مَعَ الصَّلاةِ لِلنَّبِيْ) - بإسْكانِ الياءِ صلى الله عليه وسلم، كُلَّمَا مَرَّ لَكَ ذِكْرُهُ (تَعْظِيْما)، وإجْلالاً لَهُمَا.

(وإنْ يَكُنْ) كُلُّ مِنَ الثَّلاثَةِ (أُسْقِطَ في الأَصْلِ) أي: أَصْلِ سَمَاعِهِ، أَوْ سَماعِ الشَّيخِ، فَلَا تَتَقَيَّدْ بإسقاطِ شَيْءٍ مِنْهَا (3)، بَلْ تَلفَّظْ بِهِ، وَاكتُبْهُ، لأنَّهُ ثناءٌ ودعاءٌ تثبتُه، لَا كلامٌ تَرْويهِ، ولَا تسأَمْ مِن تكريرِهِ عِنْدَ تكرُّرِهِ، فأجْرُهُ عَظيمٌ.

فَقَدْ قَالَ ابنُ حِبَّانَ في "صَحيحِهِ"(4) في قولِهِ صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ أوْلَى النَّاسِ بِيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاةً)) (5): إنَّهم أهلُ الحَدِيْثِ (6)، لأنَّهم أَكْثَرُ صَلاةً عَلَيْهِ مِنْ غَيرهم (7).

(1) في (ص) و (ع): ((كما)).

(2)

انظر: شرح التبصرة والتذكرة 2/ 213.

(3)

في (م): ((منهما)).

(4)

صحيح ابن حبان (الإحسان (908)).

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة (31778)، والبخاري في تاريخه 5/ 177 (559)، والترمذي (484)، والبزار (1446)، وأبو يعلى (5011)، والطبراني في الكبير10/ 17 - 18 (9800)، وابن عدي في الكامل 6/ 2342 طبعة دار الفكر، والخطيب في شرف أصحاب الحديث (63)، والبغوي (686)، من طريق موسى بن يعقوب الزمعي، عن عبد الله بن كيسان، أن عبد الله بن شداد أخبره، عن عبد الله بن مسعود، به، مرفوعاً. وفي بَعْض طرقه: عبد الله بن شداد، عن أبيه، عن ابن مسعود، به.

قلنا: هذا سند ضعيف؛ لضعف موسى بن يعقوب الزمعي وجهالة شيخه عَبْد الله بن كيسان. وفيه اضطراب كَمَا أشار إليه البزار عقب (1446) قَالَ الحَافِظ ابن حجر في الفتح 11/ 167: وللحديث شاهد من حَدِيْث أبي أمامة بلفظ: ((صلاة أمتي تعرض عليّ كُلّ جمعة فمن كَانَ أكثرهم عَلِيّ صلاة كَانَ أقربهم مني منزلة)). أخرجه البَيْهَقِيّ 3/ 249 ولا بأس بسنده. وفي بَعْض طرقه: عَبْد الله بن شداد، عَنْ أبِيْهِ، عَنْ ابن مسعود، بِهِ.

قلنا: وهذا الشاهد لا يصلح؛ للإنقطاع الذي فيه كما ذكره المنذري في الترغيب

2/ 503؛ فهو من رواية مكحول عن أبي أمامه، ولم يسمع منه.

(6)

انظر: النكت الوفية 285/أ.

(7)

صحيح ابن حبان (الإحسان) 2/ 133 عقب (908).

ص: 42

(وَقَدْ خُوْلِفَ فِي سَقْطِ)، بمعنى: سُقوطِ (1)(الصَّلاةِ)، والسَّلامِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الإمامُ (أَحْمَدْ)، فإنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ كَثِيْراً اسمَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (2) بِدونِ ذَلِكَ مِن جَمَاعَةٍ كَالعنبريِّ، وابنِ المدينيِّ، كَمَا سَيأتِي (3).

قَالَ ابنُ الصَّلَاحِ (4): (وَعَلَّهُ) أي: وَلعلَّ الإمَامَ أَحْمَدَ (قَيَّدَ) أي: تقيَّدَ في إسقاطِهِما (بِالرِّوَايَهْ)، لالتِزامِهِ اتّبَاعَها، فَلَمْ يَزِدْ فِيْهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا تورُّعاً، كمذهبِهِ في عَدَمِ إبدالِ ((النَّبِيِّ)) بـ ((الرَّسُوْلِ))، وإنْ لَمْ يَخْتَلِفْ الْمَعْنَى، لَكنْ (مَعْ نَطْقِهِ) بِهِمَا إِذَا قَرَأَ، أَوْ كتبَ (كَمَا رَوَوْا) أي: الْمُحَدِّثُوْنَ ذَلِكَ عَنْهُ، (حَكَايَهْ) لَمْ يَتَّصِلْ إسْنادُها.

فَقَدْ قَالَ الْخَطيبُ: ((وَبَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم نُطْقاً)) (5).

وَجَرى عَلَى التَّقيُّدِ بالرِّوايَةِ ابنُ دقيقِ العِيدِ (6) أَيْضاً، وَقَالَ:((إِذَا ذكرَ الصَّلَاةَ لَفْظاً مِن غَيرِ أَنْ تَكُوْنَ في الأَصْلِ، فينبغي أَنْ يصْحبَها قرينةٌ تدلُّ عَلَى ذَلِكَ، كَكونِهِ يَرْفَعُ رأْسَهُ عَن النَّظرِ في الكِتَابِ، وينوِي بِقَلْبِهِ أنَّه هُوَ الْمُصَلِّي، لا حَاكياً عَن غَيرِهِ)).

وَعَلَيْهِ فَمَنْ كَتَبَها، وَلَمْ تَكُنْ في الرِّوَايَةِ نبَّه عَلَى ذَلِكَ أَيْضاً برمزٍ، أَوْ غيرِهِ، كَمَا جَرى عَلَيْهِ بالرَّمْزِ الحافظُ أَبُو الْحُسَيْن اليُوْنِيْنِيُّ في نُسْخَتِهِ الَّتِي جَمَعَ فِيْهَا بَيْنَ الرِّواياتِ الّتِي وَقَعَتْ لَهُ (7).

(1) في (ص): ((السقوط)).

(2)

الجامع لأخلاق الرّاوي 1/ 271 عقب (566). قال الزركشي 3/ 579: ((ويدل على ذلك أنه كان لا يرى تبديل لفظ النبي بالرسول في الرّواية، وإن لم يختلف المعنى)).

(3)

الجامع 1/ 272 عقب (568).

(4)

معرفة أنواع علم الحديث: 350.

(5)

الجامع لأخلاق الرّاوي1/ 271عقب (566): قال البلقيني في المحاسن: 308: ((لا

يقال: لعل سببه أن كان يكتب عجلاً لأمرٍ اعتاده، فيترك ذلك للعجلة لا للتقييد بالرواية وشبهها؛ لأنا نقول: ترك مثل هذا الثواب بسبب الاستعجال، لا ينبغي أن ينسب للعلماء الجبال)).

(6)

الاقتراح: 292.

(7)

انظر: شرح التبصرة والتذكرة 2/ 209 - 210.

ص: 43

(وَ) عَبَّاسُ بنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ (الْعَنْبَرِيْ) - بالإسْكانِ لما مَرَّ - نسبةً لبني العَنْبرِ بنِ عَمْرِو بنِ تميمٍ، (و) عليُّ (ابنُ المدينيْ) - بالإسكان لما مَرَّ - نسبةً لِلْمَدِيْنَةِ النَّبَوِيَّةِ (بَيَّضَا) في كتابتِهما (1) (لَهَا) أي: لِلصَّلاةِ أحياناً (لإعْجَالٍ) أي: لِلْعَجَلَةِ، (وَعَادا) بعدُ (عَوَّضَا) بكتابةِ مَا تَركاهُ (2) لِلْعَجَلَةِ.

قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ سِنانٍ: سَمِعْتَهُمَا يقولانِ: ((مَا تركنا الصَّلَاةَ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في كُلِّ حَدِيْثٍ سَمِعْناهُ وربَّمَا عجلنا فنبيض الكتابَ في كُلِّ حَدِيْثٍ حَتَّى نرجعَ إِلَيْهِ)) (3).

وَتُسنُّ الصَّلَاةُ نَطْقاً وكِتَابَةً عَلَى سَائِرِ الأنْبِياءِ، والملائِكَةِ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ إجماعِ مَنْ يُعتدُّ بِهِ.

قَالَ: ((وَيُسَنُّ التَّرضِّي، والترحُّم عَلَى الصَّحَابَةِ، والتَّابعِينَ، وَسَائِرِ الأخيارِ)) (4).

(واجتنبِ) أَنْتَ (الرَّمْزَ لَهَا) أي للصَّلَاةِ مَعَ السَّلامِ في خَطِّكَ، كأن تَقْتَصِرَ مِنْهَا عَلَى حَرْفَينِ، كَمَا يَفْعَلُهُ أبناءُ العَجَمِ، وعوَامُّ الطَّلبةِ، فيكتبونَ بدلَها ((صم))، أَوْ ((صلعم)) فذلِكَ خلافُ الأولى.

بَلْ قَالَ الناظمُ: إنَّهُ مَكْرُوْهٌ (5).

ويقالُ: إنَّ من رمزَ لَهَا بـ ((صلعم)) قُطِعَتْ يَدُهُ.

(و) اجتنبْ أَيْضاً (الْحَذْفا) لِشيءٍ (مِنْهَا) أي: من صِيَغِ التعظيمِ لَهُ صلى الله عليه وسلم (صلاةً، أَوْ سلاماً) أي: حَذْفَ أحَدِهِما (تُكْفَى) مَا أهمَّكَ مِن أمرِ دينِكَ، كَمَا ثبتَ في الْخَبَرِ (6)، والاقتِصَارُ عَلَى أَحدِهِمَا مكروهٌ، كَمَا قَالَهُ النَّوويُّ (7).

(1) في (ق) و (ع): ((كتابيهما)).

(2)

في (ص): ((تركناه)).

(3)

الجامع 1/ 272 (568).

(4)

الإرشاد 1/ 434، والتقريب:125.

(5)

شرح التبصرة والتذكرة 2/ 216، وانظر: فتح المغيث 2/ 162 - 163.

(6)

وهو حديث أبيّ بن كعب رضي الله عنه مرفوعاً في سؤاله النبي صلى الله عليه وسلم، عما يجعله له من الصَّلَاة عليه، وفي نهايته:

((إذن تكفى همك، ويغفر لك ذنبك)).

أخرجه أحمد 5/ 136، وعبد بن حميد (170)، والترمذي (2457) وقال:((حسن)) والحاكم في المستدرك 2/ 421 و 513، وأبو نعيم في الحلية 1/ 256 و 8/ 377.

(7)

التقريب: 125.

ص: 44