الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر طرف من هَيْئَة الأفلاك
إعلم أَن الْكَوَاكِب أجسام كريات وَالَّذِي أدْرك مِنْهَا الْحُكَمَاء بالرصد ألف كَوْكَب وَتِسْعَة وَعشْرين كوكبا وَهِي على قسمَيْنِ سيارة وثابتة فالسيارة سَبْعَة وَهِي زحل وَالْمُشْتَرِي والمريخ وَالشَّمْس والزهرة وَعُطَارِد وَالْقَمَر وَقد نظمها المقريزي فِي بَيت وَاحِد وَهُوَ
(زحل شري مريخه من شمسه
…
فتزاهرت بعطارد الأقمار)
وَيُقَال لهَذِهِ السَّبْعَة الخنس وَقيل أَنَّهَا الَّتِي عناها الله تَعَالَى بقوله {فَلَا أقسم بالخنس الْجوَار الكنس} وَالَّتِي عناها الله بقوله {فالمدبرات أمرا} وَقيل لَهَا الخنس لاستقامتها فِي سَيرهَا ورجوعها وَقيل لَهَا الكنس لِأَنَّهَا تجْرِي فِي البروج ثمَّ تكنس أَي تستتر كَمَا يكنس الظبي وَقيل الكنس والخنس مِنْهَا خَمْسَة وَهِي مَا سوى الشَّمْس وَالْقَمَر سميت بذلك من الأنخاس وَهُوَ الإنقباض وَفِي الحَدِيث الشَّيْطَان يوسوس للْعَبد فَإِذا ذكر الله خنس أَي انقبض وَرجع فَيكون الخنس على هَذَا فِي الْكَوَاكِب بِمَعْنى الرُّجُوع وَسميت بالكنس من قَوْلهم كنس الظبي إِذا دخل الكناس وَهُوَ مقره فالكنس على هَذَا فِي الْكَوَاكِب بِمَعْنى اختفائها تَحت ضوء الشَّمْس وَيُقَال لهَذِهِ الْكَوَاكِب الْمُتَحَيِّرَة لِأَنَّهَا ترجع أَحْيَانًا عَن سمت مسيرها بالحركة الشرقية وتتبع الغريبة فِي رَأْي الْعين فَيكون هَذَا الإرتداد لَهَا شبه التحير
وَهَذِه الْأَسْمَاء الَّتِي لهَذِهِ الْكَوَاكِب يُقَال أَنَّهَا مُشْتَقَّة من صفاتها
فزحل مُشْتَقّ من زحل فلَان إِذا أعيا سمي بذلك لبطء سيره وَيُقَال أَنه المُرَاد فِي قَوْله تَعَالَى {وَالسَّمَاء والطارق وَمَا أَدْرَاك مَا الطارق النَّجْم الثاقب}
وَالْمُشْتَرِي سمي بذلك لحسنه كَأَنَّهُ اشْترى الْحسن لنَفسِهِ وَقيل لِأَنَّهُ نجم الشِّرَاء وَالْبيع وَدَلِيل الرِّبْح وَالْمَال فِي قَوْلهم
والمريخ مَأْخُوذ من المرخ وَهُوَ شجر يحتك بعض أغصانه بِبَعْض فيوري نَارا سمي بذلك لإحمراره وَقيل المريخ سهم لَا ريش لَهُ إِذا رمي بِهِ لَا يَسْتَوِي فِي مَمَره وَكَذَا المريخ فِيهِ التواء كثير فِي سيره ودلالته بزعمهم تشبه ذَلِك
وَالشَّمْس لما كَانَت وَاسِطَة بَين ثَلَاثَة كواكب علوِيَّة لأَنهم من فَوْقهَا وَثَلَاثَة سفلية لأَنهم من تحتهَا سميت بذلك لِأَن الْوَاسِطَة الَّتِي فِي المخنقة تسمى شمسة
والزهرة من الزَّاهِر وَهُوَ الْأَبْيَض النير من كل شَيْء
وَعُطَارِد وَهُوَ النَّافِذ فِي كل الْأُمُور وَلذَلِك يُقَال لَهُ أَيْضا الْكَاتِب فَإِنَّهُ كثير التَّصَرُّف مَعَ مَا يقارنه ويلابسه من الْكَوَاكِب
وَالْقَمَر مَأْخُوذ من القمرة وَهِي الْبيَاض والأقمر الْأَبْيَض وَيُقَال لزحل كيوان وَللْمُشْتَرِي تبر والبرجيس أَيْضا وللمريخ بهْرَام وللشمس مهر وللزهرة أناهيذ وسدحت أَيْضا وناهيذ ايضا ولعطارد هرمس وللقمر ماه وَقد جمعهَا المقريزي فِي ثَانِي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ
(لَا زلت تبقى وترقى للعلى أبدا
…
مَا دَامَ للسبعة الأفلاك أَحْكَام)
(مهر وماه وكبوان وتبر مَعًا
…
وهرمس وأناهيذ وبهرام)
وَيُقَال لما عدا هَذِه الْكَوَاكِب السَّبْعَة من بَقِيَّة نُجُوم السَّمَاء الْكَوَاكِب الثَّابِتَة سميت بذلك لثباتها فِي الْفلك بِموضع وَاحِد وَقيل لبطء حركتها
فَإِنَّهَا تقطع الْفلك بزعمهم بعد كل سِتّ وَثَلَاثِينَ ألف سنة شمسية مرّة وَاحِدَة وَلكُل كَوْكَب من الْكَوَاكِب السَّبْعَة السيارة فلك من الأفلاك يَخُصُّهُ والأفلاك أجسام كريات مشفات بَعْضهَا فِي جَوف بعض وَهِي تِسْعَة أقربها إِلَيْنَا فلك الْقَمَر وَبعده فلك عُطَارِد ثمَّ بعده فلك الزهرة وَبعده فلك الشَّمْس وفوقه فلك المريخ ثمَّ فلك المُشْتَرِي وفوقه فلك زحل ثمَّ فلك الثوابت وَفِيه كل كَوْكَب يرى فِي السَّمَاء سوى السَّبْعَة السيارة وَمن فَوق فلك الثوابت الْفلك الْمُحِيط وَهُوَ الْفلك التَّاسِع وَيُسمى الأطلس وفلك الأفلاك وفلك الْكل
وَقد اخْتلفت فِي الأفلاك فَقيل هِيَ السَّمَوَات وَقيل بل السَّمَوَات غَيرهَا وَقيل بل هِيَ كرية وَقيل غير ذَلِك وَقيل الْفلك الثَّامِن هُوَ الْكُرْسِيّ والفلك التَّاسِع هُوَ الْعَرْش وَقيل غير ذَلِك
وَهَذَا الْفلك التَّاسِع دَائِم الدوران كالدولاب ويدور فِي كل أَرْبَعَة وَعشْرين سَاعَة مستوية دورة وَاحِدَة ودورانه يكون أبدا من الْمشرق إِلَى الْمغرب ويدور بدورانه جَمِيع الأفلاك الثَّمَانِية وَمَا حوته من الْكَوَاكِب دورانا حركته قسرية لإدارة التَّاسِع لَهَا وَعَن حَرَكَة التَّاسِع الْمَذْكُور يكون اللَّيْل وَالنَّهَار فالنهار مُدَّة بَقَاء الشَّمْس فَوق أفق الأَرْض وَاللَّيْل مُدَّة غيبوبة الشَّمْس تَحت أفق الأَرْض وفلك الْكَوَاكِب الثَّابِتَة مقسوم بِاثْنَيْ عشر قسما كحجم البطيخة كل قسم مِنْهَا يُقَال لَهُ برج وَهِي الْحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة وَالْمِيزَان وَالْعَقْرَب والقوس والجدي والدلو والحوت وكل برج من هَذِه البروج الأثني عشر يَنْقَسِم ثَلَاثِينَ قسما يُقَال لكل قسم مِنْهَا دَرَجَة وكل دَرَجَة من هَذِه الثَّلَاثِينَ مقسومة سِتِّينَ قسما يُقَال لكل قسم مِنْهَا دقيقة وكل دقيقة من هَذِه السِّتين مقسومة سِتِّينَ قسما يُقَال لكل قسم مِنْهَا ثَانِيَة وَهَكَذَا إِلَى الثوالث والروابع والخوامس إِلَى الثواني عشر وَمَا فَوْقهَا من الْأَجْزَاء وكل ثَلَاثَة بروج تسمى فصلا فالزمان على ذَلِك أَرْبَعَة فُصُول وَهِي الرّبيع والصيف والخريف والشتاء وجهات الأقطار
أَرْبَعَة اشرق والغرب وَالشمَال والجنوب والأركان أَرْبَعَة النَّار والهواء وَالْمَاء وَالتُّرَاب والطبائع أَرْبَعَة الْحَرَارَة والبرودة والرطوبة واليبوسة والأخلاط أَرْبَعَة الصَّفْرَاء والسوداء والبلغم وَالدَّم والرياح أَرْبَعَة الصِّبَا وَالدبور وَالشمَال والجنوب فالبروج مِنْهَا ثَلَاثَة ربيعية صاعدة فِي الشمَال زَائِدَة النَّهَار عليل وَهِي الْحمل والثور والجوزاء وَثَلَاثَة صيفية هابطة فِي الشمَال آخذة اللَّيْل من النَّهَار وَهِي السرطان والأسد والسنبلة وَثَلَاثَة خريفية هابطة فِي جنوب زَائِدَة اللَّيْل على النَّهَار وَهِي الْمِيزَان وَالْعَقْرَب والقوس وَثَلَاثَة شتوية صاعدة فِي الْجنُوب آخذة النَّهَار من اللَّيْل وَهِي الجدي والدلو والحوت والفلك الْمُحِيط كَمَا تقدم يَدُور أبدا من الْمشرق إِلَى الْمغرب فَوق الأَرْض وَمن الْمغرب إِلَى الْمشرق تحتهَا فَيكون دَائِما نصف الْفلك وَهُوَ سِتَّة بروج بِمِائَة وَثَمَانِينَ دَرَجَة فَوق الأَرْض ونصفة الآخر وَهُوَ سِتَّة بروج بِمِائَة وَثَمَانِينَ دَرَجَة تَحت الأَرْض وَكلما طلعت من أفق الْمشرق دَرَجَة من دَرَجَات الْفلك الَّتِي عدتهَا ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ دَرَجَة غرب نظيرها فِي أفق الْمغرب من البرج السَّابِع فَلَا يزَال دَائِما سِتَّة بروج طُلُوعهَا بِالنَّهَارِ وَسِتَّة بروج طُلُوعهَا بِاللَّيْلِ والأفق عبارَة عَن الْحَد الْفَاصِل من الأَرْض بَين المرئي والخفي من السَّمَاء والفلك يَدُور على قطبين شمَالي وجنوبي كَمَا يَدُور الْحق على قطبي المخروطة
وَيقسم الْفلك خطّ من دَائِرَة تقسمه نِصْفَيْنِ متساويين بعدهمَا من كلا القطبين سَوَاء وَتسَمى هَذِه الدائرة دَائِرَة معدل النَّهَار فَهِيَ تقاطع فلك البروج ودائرة فلك البروج تقاطع دَائِرَة معدل النَّهَار ويميل نصفهَا إِلَى الْجَانِب الشمالي بِقدر أَربع وَعشْرين دَرَجَة تَقْرِيبًا وَهَذَا النّصْف فِيهِ قسْمَة البروج السِّتَّة الشمالية وَهِي من أول الْحمل إِلَى آخر السنبلة ويميل نصفهَا الثَّانِي عَنْهَا إِلَى الْجنُوب بِمثل ذَلِك وَفِيه قسْمَة البروج السِّتَّة الجنوبية وَهِي من أول برج الْمِيزَان إِلَى آخر برج الْحُوت
وَمَوْضِع تقاطعين هَاتين الدرجتين أَعنِي دَائِرَة معدل النَّهَار ودائرة فلك
البروج من الْجَانِبَيْنِ هما نقطتا الاعتدالين أَعنِي رَأس الْحمل وَرَأس الْمِيزَان ومدار الشَّمْس وَالْقَمَر وَسَائِر النُّجُوم على محاذاة دَائِرَة فلك البروج دون دَائِرَة معدل النَّهَار
وتمر الشَّمْس على دَائِرَة معدل النَّهَار عِنْد حلولها بنقطتي الاعتدالين فَقَط لِأَنَّهَا مَوضِع تقاطع الدائرتين وَهَذَا هُوَ خطّ الاسْتوَاء الَّذِي لَا يخْتَلف فِيهِ الزَّمَان بِزِيَادَة اللَّيْل على النَّهَار وَلَا النَّهَار على اللَّيْل لِأَن ميل الشَّمْس عَنهُ إِلَى كلا الْجَانِبَيْنِ الشمالي والجنوبي سَوَاء فالشمس تَدور الْفلك وتقطع الاثْنَي عشر برجا فِي مُدَّة ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَسِتِّينَ يَوْمًا وَربع يَوْم بالتقريب وَهَذِه هِيَ مُدَّة السّنة الشمسية وتقيم فِي كل برج ثَلَاثِينَ يَوْمًا وكسرا من يَوْم وَتَكون أبدا بِالنَّهَارِ ظَاهِرَة فَوق الأَرْض وبالليل بِخِلَاف ذَلِك وَإِذا حلت فِي البروج السِّتَّة الشمالية الَّتِي هِيَ الْحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة فَإِنَّهَا تكون مُرْتَفعَة فِي الْهَوَاء قريبَة من سمت رؤوسنا وَذَلِكَ من فصل الرّبيع وَفصل الصَّيف وَإِذا حلت فِي البروج الجنوبية وَهِي الْمِيزَان وَالْعَقْرَب والقوس والجدي والدلو والحوت كَانَ فصل الخريف وَفصل الشتَاء وانحطت الشَّمْس وبعدت عَن سِتّ الرؤوس
وَزعم وهب بن مُنَبّه أَن أول مَا خلق الله تَعَالَى من الْأَزْمِنَة الْأَرْبَعَة الشتَاء فَجعله بَارِدًا رطبا وَخلق الرّبيع فَجعله حارا رطبا وَخلق الصَّيف فَجعله حارا يَابسا وَخلق الخريف فَجعله بَارِدًا يَابسا
وَأول الْفُصُول عِنْد أهل زَمَاننَا الرّبيع وَيكون فصل الرّبيع عِنْدَمَا تنْتَقل الشَّمْس من برج الْحُوت وَقد اخْتلف القدماء فِي الْبِدَايَة من الْفُصُول فَمنهمْ من اخْتَار فصل الرّبيع وخيره أول السّنة وَمِنْهُم من اخْتَار تَقْدِيم الانقلاب الصيفي وَمِنْهُم من اخْتَار تَقْدِيم الِاعْتِدَال الخريفي وَمِنْهُم من اخْتَار تَقْدِيم الانقلاب الشتوي فَإِذا حلت أول جُزْء من برج الْحمل اسْتَوَى اللَّيْل وَالنَّهَار واعتدل الزَّمَان وَانْصَرف الشتَاء وَدخل الرّبيع وطاب الْهَوَاء وهب النسيم وذاب الثَّلج وسالت الأودية ومدت الْأَنْهَار فِيمَا عدا مصر وَنبت العشب وَطَالَ الزَّرْع ونما الْحَشِيش وتلألأ الزهر وأورق الشّجر
وتفتح النُّور واخضر وَجه الأَرْض ونتجت الْبَهَائِم وَدرت الضروع وأخرجت الأَرْض زخرفها وأزينت وَصَارَت كصبية شَابة قد تزينت للناظرين وَللَّه در الْحَافِظ جمال الدّين يُوسُف بن أَحْمد الْيَعْمرِي رحمه الله حَيْثُ يَقُول
(واستنشقوا لهوا الرّبيع فَإِنَّهُ
…
نعم النسيم وَعِنْده ألطاف)
(يغذي الجسوم نسيمه وَكَأَنَّهُ
…
روح حواها جَوْهَر شفاف)
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة وَمن ذَلِك الرّبيع يذهب النَّاس إِلَى أَنه الْفَصْل الَّذِي يتبع الشتَاء وَيَأْتِي فِيهِ النُّور والورد وَلَا يعْرفُونَ الرّبيع غَيره وَالْعرب تخْتَلف فِي ذَلِك فَمنهمْ من يَجْعَل الرّبيع الْفَصْل الَّذِي تدْرك فِيهِ الثِّمَار وَهُوَ الخريف وَفصل الشتَاء بعد ثمَّ فصل الصَّيف بعد الشتَاء وَهُوَ الْوَقْت الَّذِي تَدعُوهُ الْعَامَّة الرّبيع ثمَّ فصل القيظ وَهُوَ الَّذِي تَدعُوهُ الْعَامَّة الصَّيف وَمن الْعَرَب من يُسَمِّي الْفَصْل الَّذِي يعتدل وتدرك فِيهِ الثِّمَار وَهُوَ الخريف الرّبيع الأول ويسمي الْفَصْل الَّذِي يتلوه الشتَاء وَيَأْتِي فِيهِ الكمام والنور الرّبيع الثَّانِي وَكلهمْ مجمعون على أَن الرّبيع هُوَ الخريف فَإِذا حلت الشَّمْس آخر برج الجوزاء وَأول برج السرطان تناهى طول النَّهَار وَقصر اللَّيْل وابتدأ وَزِيَادَة اللَّيْل وانصرم فصل الرّبيع وَدخل فصل الصَّيف وَاشْتَدَّ الْحر وحمي الْهَوَاء وهبت السمائم ونقصت الْمِيَاه إِلَّا بِمصْر ويبس العشب واستحكم الْحبّ وَأدْركَ حصاد الغلال ونضجت الثِّمَار وسمنت الْبَهَائِم واشتدت قُوَّة الْأَبدَان وَدرت أخلاف النعم وَصَارَت الأَرْض كَأَنَّهَا عروس فَإِذا بلغت آخر برج السنبلة وَأول برج الْمِيزَان تساوى اللَّيْل وَالنَّهَار مرّة ثَانِيَة وَأخذ اللَّيْل فِي الزِّيَادَة وَالنَّهَار فِي النُّقْصَان وانصرم فصل الصَّيف وَدخل فصل الخريف فبرد الْهَوَاء وهبت الرِّيَاح وَتغَير الزَّمَان وجفت الْأَنْهَار وَغَارَتْ الْعُيُون واصفر ورق الشّجر وصرمت الثِّمَار ودرست البيادر واختزن الْحبّ واقتنى العشب واغبر وَجه الأَرْض إِلَّا بِمصْر وهزلت الْبَهَائِم وَمَاتَتْ الْهَوَام وانجحرت الحشرات وَانْصَرف الطير والوحش يُرِيد الْبِلَاد الدافئة وَأخذ النَّاس يخزنون الْقُوت للشتاء وَصَارَت الدُّنْيَا كَأَنَّهَا امْرَأَة كهلة قد أَدْبَرت وَأخذ شبابها
يولي وَللَّه در الإِمَام أَبُو الْحسن أَحْمد بن عَليّ الْأَزْدِيّ المهلبي حَيْثُ يَقُول
(لله فصل الخريف المستلذ بِهِ
…
برد الْهَوَاء لقد أبدى لنا عجبا)
(أهْدى إِلَى الأَرْض من أوراقه ذَهَبا
…
وَالْأَرْض من شَأْنهَا أَن تهدي الذهبا)
وَقَالَ أَيْضا
(لله فصل الخريف فصلا
…
رقت حَوَاشِيه فَهُوَ رائق)
(فالماء يجْرِي من قلب سَالَ
…
والدمع يَبْدُو بِوَجْه عاشق)
(فبرد هَذَا ولون هَذَا
…
يلذه ذائق ووامق)
وَقَالَ أَيْضا
(أَتَى فصل الخريف بِكُل طيب
…
وَحسن معجب قلبا وعينا)
(أرانا الدوح مصفرا نضارا
…
وصافي المَاء مبيضا لجينا)
(فاحسن كل إِحْسَان إِلَيْنَا
…
وأنعم كل إنعام علينا)
وَقَالَ آخر يذم الخريف
(خُذ فِي التدثر فِي الخريف فَإِنَّهُ
…
مستوبل ونسيمه خطَّاف)
(يجْرِي مَعَ الْأَجْسَام جري حَيَاتهَا
…
كصديقها وَمن الصّديق يخَاف)
وَقَالَ آخر
(يَا عائبا فصل الخريف وغائبا
…
عَن فَضله فِي ذمه لزمانه)
(لَا شَيْء ألطف مِنْهُ عِنْدِي موقعا
…
أبدا يعري الْغُصْن من قمصانه)
(وتراه يفرش تَحْتَهُ أثوابه
…
فاعجب لرأفته وفرط خنانه)
(وألذ سَاعَات الْوِصَال إِذا دنا
…
وَقت الرحيل وحان حِين أَوَانه)
فَإِذا حلت الشَّمْس آخر برج الْقوس وَأول برج الجدي تناهى طول اللَّيْل وَقصر النَّهَار وَأخذ النَّهَار فِي الزِّيَادَة وَالنَّهَار فِي النُّقْصَان وانصرم فصل الخريف وَحل فصل الشتَاء وَاشْتَدَّ الْبرد وخشن الْهَوَاء وتساقط ورق الشّجر وَمَات أَكثر النَّبَات وَغَارَتْ الْحَيَوَانَات فِي جَوف الأَرْض
وَضعف قوى الْأَبدَان وعري وَجه الأَرْض من الزِّينَة ونشأت الغيوم وَكَثُرت الأنداء وأظلم الجو وكلح وَجه الأَرْض إِلَّا بِمصْر وَامْتنع النَّاس من التَّصَرُّف وَصَارَت الدُّنْيَا كَأَنَّهَا عَجُوز هرمة قد دنا مِنْهَا الْمَوْت فَإِذا بلغت آخر برج الْحُوت وَأول برج الْحمل عَاد الزَّمَان كَمَا كَانَ عَام أول وَهَذَا دأبه ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم وتدبير الْخَبِير الْحَكِيم لَا إِلَه إِلَّا هُوَ
وَقد شبه بطليموس فصل الرّبيع بِزَمَان الطفولية وَفصل الصَّيف بالشباب والخريف بالكهولة والشتاء بالشيخوخة وَعَن حَرَكَة الشَّمْس وتنقلها فِي البروج الاثْنَي عشر الْمَذْكُورَة تكون أزمان السّنة وأوقات الْيَوْم من اللَّيْل وَالنَّهَار وساعاتهما وَعَن حَرَكَة الْقَمَر فِي البروج الاثْنَي عشر تكون الشُّهُور القمرية وَالسّنة القمرية فالقمر يَدُور البروج الاثْنَي عشر وَيقطع الْفلك كُله فِي مُدَّة ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَبَعض يَوْم وَيُقِيم فِي كل برج يَوْمَيْنِ وَثلث يَوْم بالتقريب وَيُقِيم فِي كل منزلَة من منَازِل الْقَمَر الثَّمَانِية وَالْعِشْرين منزلَة يَوْمًا وَلَيْلَة فَيظْهر عِنْد إهلاله من نَاحيَة الغرب بعد غرُوب جرم الشَّمْس وَيزِيد نوره فِي كل لَيْلَة قدر نصف سبع حَتَّى يكمل نوره ويمتلئ فِي لَيْلَة الرَّابِع عشر من إهلاله ثمَّ يَأْخُذ من اللَّيْلَة الْخَامِسَة عشرَة فِي النُّقْصَان فينقص من نوره فِي كل لَيْلَة نصف سبع كَمَا بَدَأَ إِلَى أَن يمحق نوره فِي آخر الثَّمَانِية وَعشْرين يَوْمًا من إهلاله ويمر فِي هَذِه الْمدَّة مُنْذُ يُفَارق الشَّمْس ويبدو فِي نَاحيَة الغرب ويسير إِلَى أَن يُجَامِعهَا بِثمَانِيَة وَعشْرين منزلَة وَهِي السرطان والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة والذراع والنثرة والطرف والجبهة والزبرة والصرفة والعواء والسماك والغفر والزبانان والاكليل وَالْقلب والشولة والنعائم والبلدة وَسعد الذَّابِح وَسعد بلع وَسعد السُّعُود وَسعد الأخبية وَالْفرع الْمُقدم وَالْفرع الْمُؤخر وبطن الْحُوت ولحساب ذَلِك كتب مَوْضُوعَة وَفِيمَا ذكرنَا كِفَايَة وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ