الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
) أَي بِحِسَاب مَعْلُوم للشهور والأعوام لَا يجاوزانه حَتَّى ينتهيا إِلَى أقْصَى منازلهما وَقَالَ تَعَالَى {وَمن رَحمته جعل لكم اللَّيْل وَالنَّهَار لتسكنوا فِيهِ ولتبتغوا من فَضله} يَعْنِي جعل اللَّيْل للسكون والاستراحة وَالْيَوْم لكسب المعاش وَهَذِه الْعبارَة فِيهَا لف وَنشر مُرَتّب وَعلم مِنْهَا أَن اللَّيْل وَقت للإستراحة حَقِيقَة كَيْفَمَا كَانَ وَكَذَلِكَ الْيَوْم وَقت لإبتغاء الْفضل وَهُوَ المعاش كَيْفَمَا يكون وَلَا يقف ذَلِك على طُلُوع الشَّمْس وَالْقَمَر وغروبهما انْتهى كَلَامه
ذكر حكم الصَّلَاة وَالصَّوْم بِأَرْض البلغار
بلغار بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة فَسُكُون اللَّام وَالْألف بَين الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَالرَّاء وَضَبطه فِي الْقَامُوس بِلَا ألف وَقَالَ الْعَامَّة تَقول بلغار وَهِي مَدِينَة الصقالبة ضاربة فِي الشمَال شَدِيدَة الْبرد انْتهى
يطلع الْفجْر فِيهَا قبل غرُوب الشَّفق وَقت الْعشَاء وَالْوتر وَكَذَلِكَ وَقت الْفجْر أَيْضا فِي أربعينية الصَّيف ففاقدها مُكَلّف بهما يجب عَلَيْهِ صَلَاة الْعشَاء وَالْوتر وَيقدر الْوَقْت كَمَا فِي أَيَّام الدَّجَّال وَالْمرَاد بالتقدير مَا قَالَه الشافعيه من أَنه يكون وَقت الْعشَاء فِي حَقه بِقدر مَا يغيب فِيهِ الشَّفق فِي أقرب الْبِلَاد إِلَيْهِ وَالْأول أظهر وَالْوُجُوب عَلَيْهِ قَضَاء لَا أَدَاء وَلَا قَضَاء وَقيل أَن الصَّلَاة الْوَاقِع بَعْضهَا فِي الْوَقْت وَبَعضهَا خَارجه يُسمى مَا وَقع مِنْهَا فِي الْوَقْت أَدَاء وَبِه أفى الْبُرْهَان الْكَبِير وَاخْتَارَ الْكَمَال وَقد يُقَال لَا مَانع من كَونهَا لَا أَدَاء وَمَا وَقع خَارجه قَضَاء اعْتِبَارا لكل جُزْء بِزَمَانِهِ وَقيل لَا يُكَلف بهما لعدم السَّبَب وَبِه جزم فِي الْكَنْز والدرر والملتقى وَبِه أفتى البقالي وَوَافَقَهُ الْحلْوانِي والمرغيناني وَرجحه الشُّرُنْبُلَالِيّ والحلبي وأوسعا الْمقَال ومنعا مَا ذكره الْكَمَال وَقد كرّ على الْحلَبِي الْفَاضِل الْمحشِي بِالنَّقْضِ وانتصر للمحقق بِمَا يطول قَالَ فِي الدّرّ الْمُخْتَار وَلَا يساعده أَي الْكَمَال حَدِيث الدَّجَّال لِأَنَّهُ
وَإِن وَجب أَكثر من ثَلَاثمِائَة ظهر مثلا قبل الزَّوَال لَيْسَ كمسألتنا لِأَن الْمَفْقُود فِيهِ الْعَلامَة لَا الزَّمَان أما فِيهَا فقد فقد الْأَمْرَانِ انْتهى
قَالَ الشَّامي وَالْأَحْسَن فِي الْجَواب عَنهُ أَنه لم يذكر حَدِيث الدَّجَّال ليقيس عَلَيْهِ مَسْأَلَتنَا أَو يلْحقهَا بِهِ دلَالَة وَإِنَّمَا ذكره دَلِيلا على افتراض الصَّلَوَات الْخمس وَإِن لم يُوجد السَّبَب افتراضا عَاما وَمَا أورد عَلَيْهِ من عدم الإفتراض على الْحَائِض وَالْكَافِر يُجَاب عَنهُ بِمَا قَالَه الْمحشِي من وُرُود النَّص بإخراجهما من الْعُمُوم هَذَا وَقد أقرّ مَا ذكره الْمُحَقق تلميذاه العلامتان المحققان ابْن أَمِير حَاج وَالشَّيْخ قَاسم وَالْحَاصِل أَنَّهُمَا قَولَانِ مضجعان ويتأيد القَوْل بِالْوُجُوب بِأَنَّهُ قَالَ بِهِ إِمَام مُجْتَهد وَهُوَ الشَّافِعِي كَمَا نَقله فِي الْحِلْية عَن الْمُتَوَلِي عَنهُ إنتهى
وَالْمرَاد بالأمرين الْعَلامَة وَهِي غيبوبة الشَّفق قبل الْفجْر وَالزَّمَان الْمعلم وَهُوَ مَا تقع فِيهِ الصَّلَاة فِيهِ أَدَاء ضَرُورَة أَن الزَّمَان الْمَوْجُود قبل الْفجْر هُوَ زمَان الْمغرب وَبعده هُوَ زمَان الصُّبْح فَلم يُوجد الزَّمَان الْخَاص وَلَيْسَ المُرَاد فقد أصل الزَّمَان كَمَا لَا يخفى نعم إِذا قُلْنَا بالتقدير هُنَا يكون الزَّمَان مَوْجُودا تَقْديرا كَمَا فِي أَيَّام الدَّجَّال فَلَا يرد على الْمُحَقق الْكَمَال ذكره الشَّامي
أَقُول وصل إِلَيْنَا فِي هَذَا الزَّمَان أَعنِي سنة ألف وَمِائَتَيْنِ وَإِحْدَى وَتِسْعين مؤلف للشَّيْخ الْأَجَل والحبر الْأَكْمَل هَارُون بن بهاء الدّين الْمرْجَانِي شهَاب الدّين البلغاري سلمهما الله تَعَالَى على يَد الْحَاج الحبيب الشَّيْخ مُحَمَّد أحسن الطّيب الحاجي بوري أَلفه فِي مَسْأَلَتنَا هَذِه وَأطَال فِيهَا غَايَة الإطالة وَلم يدع لقَائِل عدم الْوُجُوب حجَّة وَلَا مقَالَة وَسَماهُ بناطورة الْحق فِي فَرضِيَّة الْعشَاء وَإِن لم يغب الشَّفق فلنلخص هُنَا كَلَامه ولنحرر مرامه بِمَا يَتَّضِح بِهِ الصَّوَاب وَيَجِيء الْحق ويزهق الْبَاطِل ويتحلى بِهِ كل جيد عاطل
فَأَقُول قَالَ سلمه الله تَعَالَى وَعَافَاهُ وعَلى معارج العلى رقاه قد ثَبت فَرضِيَّة كل وَاحِدَة من الصَّلَوَات الْخمس بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع
الْأمة على كل وَاحِد من الْمُكَلّفين من غير اخْتِصَاص بِأَهْل قطر دون قطر وحصرها على عصر دون عصر وكل وَاحِدَة مِنْهَا على قدم سَوَاء فِي عُمُوم الْفَرْضِيَّة وشمول الْوُجُوب ودخولها تَحت كليات الدَّلَائِل القطعية وعمومات الْبَرَاهِين اليقينية فَهَذَا مِمَّا لَا مساغ للارتياب فِيهِ لأحد فَإِنَّهَا أظهر من الشَّمْس وَأبين من الأمس لَا تمس الْحَاجة إِلَى تَفْصِيل الْأَمر فِيهِ وَبسط الْكَلَام فِي مبانيه ففرضيتها موزعة على أَوْقَاتهَا الْمَعْرُوفَة فِي الدّين ضَرُورَة غدْوَة وظهيرة وَعَشِيَّة وَمَسَاء وزلفة وَإِنَّمَا شَذَّ شرذمة قَليلَة من أَحْدَاث الْأمة واخلاف المتفقهة وَزَعَمُوا أَن الْعشَاء سَاقِطَة عَن سكان بعض الأقطار فِي عدَّة أَيَّام من السّنة يَنْتَهِي قصر لياليها إِلَى غَايَة لَا يغيب الشَّفق فِيهَا توهما مِنْهُم أَن وجود الْوَقْت الَّذِي هُوَ سَبَب لوُجُوب الصَّلَاة وَطَرِيق لَهَا وَشرط لتحققها يتَوَقَّف على غيبوبة الشَّفق وَهُوَ زعم سَاقِط وتوهم لَا مساغ لَهُ قطّ وَذَلِكَ لِأَن أدنى مَرَاتِب السَّبَب أَن يكون ملائما للمسبب وَهُوَ مُنْتَفٍ بَين الصَّلَاة وَالْوَقْت قطعا وَلِأَن السَّبَب لَا يجوز أَن يكون كل الْوَقْت لوُجُوب الصَّلَاة لمن صَار أَهلا لَهَا فِي آخر الْوَقْت وَلَا الْبَعْض مِنْهُ لصِحَّة الْأَدَاء مِمَّن أَقَامَهَا فِي غير ذَلِك الْجُزْء الْمعِين وَلَا الْغَيْر الْمعِين مُطلقًا لعدم وجوب أَدَائِهَا وَلَا قَضَائهَا وَلَا الْفِدْيَة عَنْهَا على من اعْتَرَضَهُ عدم الْأَهْلِيَّة فِي آخر الْوَقْت من موت أَو جُنُون مطبق أَو حيض أَو نِفَاس وَلَا الْجُزْء الْمُقَارن للْأَدَاء لوُجُوب قَضَائهَا على المساهل الَّذِي لم يشرع فِيهَا بل تعطل فِي الْوَقْت كُله مَعَ أَن الْجُزْء الْمُقَارن لَيْسَ لَهُ تقدم على الصَّلَاة أصلا فَكيف يكون سَببا مُوجبا لَهَا ومؤديا إِلَيْهَا وَبِالْجُمْلَةِ جعل الْوَقْت سَببا لِلْعِبَادَةِ بِمَا هُوَ وَقت غير مَعْقُول وَمَا ذَكرُوهُ فِي الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ فضول لَا يرتضيه الفحول وَقَوله سُبْحَانَهُ {أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس} إِنَّمَا يدل على السَّبَبِيَّة إِن لَو كَانَ اللَّام للتَّعْلِيل وَهُوَ فِي حيّز الْمَنْع فَإِنَّهَا ترد على معَان فقد جعلهَا فِي الْقَامُوس هُنَا بِمَعْنى بعد وَجعلهَا للتوقيت وَجعلهَا الْمجد أَيْضا بِمَعْنى عِنْدَمَا
قَالَ ابْن الْهمام وَهُوَ اسْتِعْمَال مُحَقّق فِي اللُّغَة وعَلى ذَلِك قَوْله تَعَالَى
{فطلقوهن لعدتهن} وَهُوَ الْمَفْهُوم من قَوْله صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيث جَابر هَذَا حِين دلكت الشَّمْس ثمَّ لَا شكّ أَن الْوَقْت مُتَحَقق فِي حق من هُوَ لَيْسَ بِأَهْل للصَّلَاة لَا شتماله على أَحْوَاله مَعَ عدم الْوُجُوب فيتقدح عَلَيْهِ فيقدح من ذَلِك أَن السَّبَب أَمر وَرَاء الْوَقْت وَقد ذهب الْفُقَهَاء المتقدمون وَالْعُلَمَاء الْمُحَقِّقُونَ إِلَى أَن سَبَب وجوب الْعِبَادَات توالي نعم الله تَعَالَى وتواتر أنعامه وإحسانه إِلَيْنَا فِي كل وَقت وَمن كل وَجه وعَلى كل حَال كَمَا دلّت عَلَيْهِ الْآيَات الكريمات وَالْأَحَادِيث الصحيحات ثمَّ النعم لما كَانَت غير دَاخِلَة تَحت الضَّبْط والإحصاء وَكَانَ الْوَقْت ظرفا لحدوثها أديرت الصَّلَوَات مَعَه ووزعت على أَوْقَاتهَا تيسيرا للعباد وَإِقَامَة للظرف مقَام المظروف
ثمَّ أَن الْوَقْت مِقْدَار مَحْدُود من زمَان غير مَحْدُود وَهُوَ أَمر بديهي الْآنِية وَإِن كَانَ خَفِي اللمية لِأَن الزَّمَان مِقْدَار متجدد غير قار فلتجعله مَا شِئْت وسمه بِهِ وَإِنَّمَا جعل الطُّلُوع والزوال والغروب والغيبوبة وأمثالها عَلَامَات لوُجُود الصَّلَوَات ومعرفات لَهَا يتَمَكَّن بهَا الْخَاصَّة بِحُضُور الْأَوْقَات الْمعينَة للصلوات وَلَو سلم أَن الْوَقْت سَبَب الْوُجُوب مَعَ عدم مَسَافَة فَإِنَّمَا يَنْتَفِي وجوب الصَّلَاة بانتفائه علاماته الْمُفَارقَة من غيبوبة الشَّفق وَغَيرهَا
وَالَّذِي ثَبت من الْأَوْقَات لَا نسلم انتفاءه بِانْتِفَاء تِلْكَ العلامات ثمَّ حَدِيث إِمَامَة جِبْرِيل وَغَيره مِمَّا ذكر فِيهِ غيبوبة الشَّفق فِي بَيَان وَقت صَلَاة الْعشَاء وَالْمغْرب لَا تدل أصلا على اشْتِرَاط غيبوبتة لخُرُوج وَقت الْمغرب وَدخُول وَقت الْعشَاء لِأَن قَوْله حِين غَابَ الشَّفق وَإِن احْتمل بِالنّظرِ إِلَى نفس اللَّفْظ أَمريْن أَحدهمَا تَقْدِير الْمدَّة الْمعينَة وقتا لصَلَاة الْمغرب بالمدة الفاصلة بَين غرُوب الشَّمْس وغيبوبة الشَّفق فِي الْبِلَاد الَّتِي كَانُوا فِيهَا من غير أَن يكون تحقق الْعَلامَة شرطا لخُرُوج وَقت الْمغرب وَدخُول وَقت الْعشَاء بل يكون الشَّرْط تحقق الْمدَّة الفاصلة فَقَط سَوَاء تحقق الْعَلامَة أَولا
وَثَانِيهمَا اعْتِبَار غيبَة الشَّفق شرطا لخُرُوج الْوَقْت ودخوله لَكِن بِالنّظرِ إِلَى تَمام الحَدِيث فِي هَذِه الرِّوَايَة وَإِلَى الْأَدِلَّة الْخَاصَّة يضمحل هَذَا الإحتمال الْمَرْجُوح بِالْكُلِّيَّةِ وَيتَعَيَّن الشق الأول مرَادا مِنْهُ
أما أَولا فَلِأَن فِي نَظَائِره لم تعْتَبر العلامات الْمَذْكُورَة شرطا لدُخُول وَقت وَخُرُوج وَقت مثلا صيرورة ظلّ كل شَيْء مثله أَو مثلَيْهِ لَيست بِشَرْط لخُرُوج وَقت الظّهْر أَو وَدخُول وَقت الْعَصْر لعدم تحقق ذَلِك فِي غيم الْهَوَاء وَيَوْم السَّحَاب افترى أَنه يسْقط عَن سكانها صَلَاة الظّهْر لَا يُكَلف أَهلهَا بهَا وَكَذَلِكَ إفطار الصَّائِم وَحُرْمَة الطَّعَام وَالشرَاب عَلَيْهِ شَرط لدُخُول وَقت الْمغرب وَوقت الْفجْر قطعا ضَرُورَة انْتِفَاء الصَّائِم فِي بعض أَيَّام السّنة وَكَذَلِكَ الْحَال فِي الرِّوَايَات الْفِقْهِيَّة من نَحْو قَوْلهم وَقت الْمغرب من غرُوب الشَّمْس إِلَى غيبية الشَّفق وَوقت الْعشَاء مِنْهُ إِلَى طُلُوع الْفجْر مَعْنَاهُ أَن إمتداد الْوَقْت مُقَدّر بذلك الْقدر وَإِن لم يتَحَقَّق الْعَلامَة كَيفَ لَا فَإِن غيبَة الشَّفق كَمَا أخذت فِي دُخُول وَقت الْعشَاء اعْتبرت فِي خُرُوج وَقت الْمغرب فَلَو كَانَ شرطا لما تحقق خُرُوج وَقت الْمغرب أصلا فِيمَن لَا يغيب عَنْهُم الشَّفق وَلَا يُوجد حِين يحرم فِيهِ الطَّعَام وَالشرَاب على الصَّائِم عِنْد أُولَئِكَ وَمُقْتَضَاهُ سُقُوط الْفجْر عَنْهُم وَعدم وجوب صَوْم الشَّهْر عَلَيْهِم وَهُوَ بَاطِل بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع
وَأما ثَانِيًا فَلِأَن حَدِيث إِمَامَة جِبْرِيل عليه السلام وَحَدِيث عَائِشَة وَعمر وَأبي مُوسَى وَبُرَيْدَة وَأبي سعيد وَفِي رِوَايَة عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي بَرزَة وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قد اعْتبر فِي بَيَان آخر وَقت الْعشَاء ثلث اللَّيْل وَفِي رِوَايَة عَن أبي هُرَيْرَة وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَأنس وَعَائِشَة وَعمر وَأبي سعيد نصف اللَّيْل ثمَّ مَا تضمن حَدِيث بُرَيْدَة من قَوْله صلى الله عليه وسلم وَقت صَلَاتكُمْ بَين مَا رَأَيْتُمْ
وَحَدِيث الْإِمَامَة وَالْوَقْت مَا بَين هذَيْن الْوَقْتَيْنِ تشريع عَام لعُمُوم خطابة عليه السلام وَمفَاده أَن يكون آخر وَقت الْعشَاء لجَمِيع الْأمة ثلث اللَّيْل أَو نصفه وَالثلث وَالنّصف مُتَحَقق فِي جَمِيع اللَّيَالِي فِي كل قطر
يُوجد فِيهِ غرُوب الشَّمْس وطلوعها فيوجد آخر وَقت الْعشَاء عِنْد أهل ذَلِك الْقطر وَإِن لم يتَحَقَّق الغيبوبة من ضَرُورَته تحقق أَوله لَا محَالة
فَلَو حمل قَوْله صلى الله عليه وسلم حِين غَابَ الشَّفق على اشْتِرَاط تحقق الغيبوبة يلْزم أَن يتناقض مفَاد أول الحَدِيث ومفاد آخِره وَهُوَ محَال فِي كَلَام الشَّارِع الْمَعْصُوم عَن الْخَطَأ وَالْكذب وَلَئِن حمل على الإشتراط فَيكون مُخَصّصا لعمومه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأقطار الَّتِي لَا يغيب فِيهَا الشَّفق وَمُلَخَّص كَلَام الطَّحَاوِيّ فِي هَذِه الْأَحَادِيث أَنه يظْهر من مجموعها أَن آخر وَقت الْعشَاء حِين يطلع الْفجْر إِذْ قد ورد فِي رِوَايَة لعَائِشَة أَنه صلى الله عليه وسلم اعتم بهَا حَتَّى ذهب عَامَّة اللَّيْل وَفِي رِوَايَة لِابْنِ عمر إِلَى آخر اللَّيْل
وَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَنه كتب إِلَيْهِ عمر صل الْعشَاء أَي اللَّيْل شِئْت وَلَا تغفلها وَفِي رِوَايَة عَنهُ أَنه صلى الله عليه وسلم أَخّرهَا حَتَّى انهار اللَّيْل وَغير ذَلِك وَكلهَا فِي الصَّحِيح قَالَ فَثَبت أَن اللَّيْل كُله وَقت لَهَا وَلكنهَا على أَوْقَات ثَلَاثَة إِلَى الثُّلُث أفضل وَإِلَى النّصْف دونه وَمَا بعده دونه
وَأما ثَالِثا فَلِأَنَّهُ على ذَلِك التَّقْدِير يكون مناقضا لحَدِيث جَابر بن عبد الله أَنه صلى الله عليه وسلم صلى الْعشَاء قبل غيبوبة الشَّفق وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة صلاهَا حِين ذهبت سَاعَة من اللَّيْل وَلما مر عَن عمر صل أَي اللَّيْل شِئْت أخرجه الطَّحَاوِيّ بطرق رِجَاله ثِقَات وَلِحَدِيث نعْمَان بن بشير كَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم يُصليهَا لسُقُوط الْقَمَر لثالثة وَلَا ريب أَن غرُوب الْقَمَر فِي اللَّيْلَة الثَّالِثَة من رُؤْيَته لَيْسَ بِشَرْط لدُخُول وَقت الْعشَاء فِي جَمِيع أَيَّام الدَّهْر فَإِن الْمَقْصُود من النَّقْل بِلَفْظ ظَاهره الْمُوَاظبَة بَيَان الْمَشْرُوع الْعَام لجَمِيع الْأمة
وَلَو فرض على منوال فرض الْمحَال أَن الحَدِيث بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَمريْنِ على قدم سَوَاء فِي الإحتمال فَمَا أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه من رِوَايَة نواس بن سمْعَان من حَدِيث الدَّجَّال وَفِيه قُلْنَا يَا رَسُول الله فَذَلِك
الْيَوْم الَّذِي كَسنة تكفينا فِيهِ صَلَاة يَوْم قَالَ لَا أقدروا لَهُ يلْتَحق بَيَانا لهَذَا الْمُحْتَمل وَكَذَلِكَ عدَّة أَحَادِيث غَيره فِي هَذَا الْمَعْنى فَلَو شَرط غيبَة الشَّفق لدُخُول وَقت الْعشَاء لزم نسخ عمومات الْكتاب ومحكمات الْأَدِلَّة الْوَارِدَة فِي إِيجَاب الصَّلَوَات الْخمس على كل مُؤمن ومؤمنة بِالنِّسْبَةِ إِلَى سكان الأقطار الَّتِي لَا يغيب فِيهَا الشَّفق وَلذَلِك اخْتلف فِي مفاده فُقَهَاء الْأمة وعلماء الْملَّة فَإِن أَصْحَابنَا وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأحمد ومالكا فِي رِوَايَة وَالشَّافِعِيّ فِي قَوْله الْقَدِيم ذَهَبُوا إِلَى أَن وَقت الْمغرب يَمْتَد إِلَى غرُوب الشَّفق مَعَ اخْتلَافهمْ فِي الشَّفق وَذهب الْأَوْزَاعِيّ وَابْن الْمُبَارك وَالشَّافِعِيّ فِي قَوْله الْجَدِيد وَمَالك فِي رِوَايَة إِلَى أَنه قدر مَا يُصَلِّي خمس رَكْعَات متوسطات بِوضُوء وأذان وَإِقَامَة فَحسب وَيدخل وَقت الْعشَاء بعده والشفق هُوَ الْبيَاض عِنْد أبي حنيفَة وَأحمد بن حَنْبَل والمزني والصفرة فِيمَا أختاره الْجُوَيْنِيّ والحمرة عِنْد آخَرين وَذهب أَبُو سعيد الصخري من الشَّافِعِيَّة إِلَى أَن آخر وَقت الْعشَاء إِلَى نصف اللَّيْل وَقَالَ الْحسن بن زِيَاد آخر وَقت الْعَصْر إِلَى اصفرار الشَّمْس فَقَط وَمن مَذْهَب الْمُخَالفين أَن وَقت الظّهْر وَالْعصر وَاحِد وَكَذَا وَقت الْمغرب وَالْعشَاء وَجَوَاز الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي السّفر والحضر وَلَو كَانَ قَطْعِيا لزمَه الْإِجْمَاع وَلما سَاغَ هَذَا الْخلاف فِيمَا بَين هَؤُلَاءِ
هَذَا وَالْمذهب أَن العلامات حَيْثُ مَا تحققت يجب مراعاتها وَلَا يجوز المساهلة فِي تحقيقها تحصيلا لليقين وسلوكا لطريق الإحتياط وَعَملا بقوله صلى الله عليه وسلم دع مَا يريبك إِلَى مايريبك وَمهما لم يكن اعْتِبَارهَا وَلم يَتَيَسَّر مراعتها فَلَا يعبأ بهَا وَلَا يعْتَمد عَلَيْهَا فِي إِسْقَاط مَا ثَبت من الْفَرَائِض بالأدلة القطعية من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع
وَهل فِي ذَلِك من رِيبَة فَيقدر وَقت الْمغرب بِمدَّة يغيب فِيهَا الشَّفق فِي الْأَيَّام الإعتدالية والأقطار الإستوائية ثمَّ يدْخل وَقت الْعشَاء إِن أمكن ذَلِك وَإِلَّا فبقدر مَا يغيب فِيهِ أسْرع من غيبته فِي هَذِه الْأَيَّام والأقطار ثمَّ الأسرع فالأسرع فَإِن لم يكن ذَلِك بِأَن لَا يكون بَين غرُوب الشَّمْس وطلوعها إِلَّا زمَان قَلِيل لَا يسع فِيهِ التَّقْدِير بِشَيْء
فَالْوَاجِب إِذن إِيقَاع الْمغرب وَالْعشَاء وَالْفَجْر بَين الْغُرُوب والطلوع فَإِن لم يكن بَينهمَا مُدَّة تسع فِيهَا تِلْكَ الْفَرَائِض فَيسْقط اعْتِبَار تِلْكَ العلامات بِالْكُلِّيَّةِ وَيرجع الْأَمر إِلَى التَّقْدِير فِي كل صَلَاة للضَّرُورَة وَيكون أَدَاء لما ثَبت فرضيته بالأدلة الْمُطلقَة فِي الْوُجُوب وتلخيص الْبَيَان أَن كَون الْأَوْقَات أسبابا لوُجُوب الصَّلَاة ووجودها مَشْرُوطًا بتحقق العلامات مِمَّا لَا مساغ لَهُ قطّ فَلَا نسلم فقد الْأَوْقَات بانتفائها وَلَا سُقُوط الصَّلَوَات بفقدانها وَلَو قدر التَّسْلِيم فِي ذَلِك لما عرف مِنْهَا عَلامَة بقاطع من نَص الشَّارِع وَهُوَ الغدوة والظهيرة والعشية والمساء والزلفة وَأما نَحْو صيرورة الظل وغيبوبة الشَّفق فَلَو ثَبت شرطا فَإِنَّمَا يثبت بِدَلِيل ظَنِّي وبمدخل من الرَّأْي على أَنه رُبمَا يسْقط بِحكم الشَّرْع اعْتِبَار الْأَركان فضلا عَن الشَّرَائِط والأسباب كَالْإِقْرَارِ فِي الْإِيمَان وَطواف الزِّيَارَة فِي الْحَج وَالْقِيَام وَالْقِرَاءَة وَالرُّكُوع وَالسُّجُود للْعُذْر وَقد تقرر فِي مقره أَن الْأَسْبَاب والشرائط إِنَّمَا تعْتَبر بِحَسب الْأَمَاكِن وَلَا يسْقط الْمُمكن بِسُقُوط مَا لَيْسَ بممكن هَذَا وَإنَّهُ لَو انْتَفَت تِلْكَ العلامات الْمعرفَة للمدة الفاصلة بَين أَوْقَات الصَّلَوَات أصلا بِأَن لَا يتَحَقَّق غرُوب الشَّمْس وَلَا طُلُوعهَا مُدَّة مديدة نصف سنة أَو أقل أَو بِأَن تطلع الشَّمْس كَمَا تغرب فَإِن مثل هَذِه المعمورة مُتَحَقق لَا محَالة فَإِن الْعِمَارَة مَوْجُودَة فِي عرض سِتّ وَسِتِّينَ من الشمَال مَعْرُوفَة من لدن عصر بطليموس بل فِي خَارج دَائِرَة قطب البروج فَإِن عرض ثَمَان وَسِتِّينَ قد بلغ إِلَيْهِ الْحَكِيم المسكوبي وَفِيه قلعة للروس يُقَال لَهَا قَوْله لَا تغرب فِيهَا الشَّمْس من أول الجموزاء إِلَى أول الْأسد مُدَّة اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ يَوْمًا وَلَا تطلع من حادي عشر الْقوس إِلَى عشْرين من الجدي مُدَّة تِسْعَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَرُبمَا يردهَا أشخاص من أهل الْإِسْلَام من أَفْرَاد الْعَسْكَر فِي خدمات الدولة ويعترض عَلَيْهِم هَذِه الْحَالة وَيطول أيامهم على الْغَايَة كَمَا فِي أَيَّام الدَّجَّال وَتَحْت القطبة وأقصى المنطقة الْبَارِدَة لَا ى تغرب الشَّمْس أَكثر من سِتَّة أشهر فَإِنَّهُ لَا تطلع الشَّمْس فِيهَا وَلَا تغرب إِلَّا بحركتها الْخَاصَّة الشرقية وَيُمكن أَن يكون طول يَوْم وَاحِد كَسنة من حَيْثُ الْحِكْمَة
وَهل تجب الصَّلَوَات الْخمس وَالصَّوْم وَسَائِر الْعِبَادَات الْمُتَعَلّقَة بالأوقات
على سكان هَذِه الأقطار لم بر فِيهِ كَلَام فِي كتب الْمُتَقَدِّمين وَلم يرد خبر عَنْهُم فِي تصانيف وَاحِد من الْكِبَار المتبحرين وَقد كَانَت الْمَسْأَلَة معركة فِيمَا بَين الْعلمَاء الْمُتَأَخِّرين من أهل الْقرن السَّادِس وَبعده فِي وجوب الْعشَاء وَالْوتر وَعَدَمه على من لَا يجد وقتهما بِأَن لَا تتَحَقَّق الْمدَّة الفاصلة الَّتِي هِيَ مُدَّة غرُوب الشَّفق فِي الْأَيَّام المعتدلة والأقطار المتوسطة فَفِي الْفَتَاوَى الظهيرة والمضمرات والتتارخانية وَغَيرهَا أفتى الْبُرْهَان الْكَبِير فِي أهل بلد كَمَا تغرب الشَّمْس يطلع الْفجْر أَن عَلَيْهِم صَلَاة الْعشَاء وَالصَّحِيح أَنه لَا يَنْوِي الْقَضَاء لفقد وَقت الْأَدَاء
وَقَالَ ابْن الْهمام فِي فتح الْقَدِير وافتى الْبُرْهَان الْكَبِير بوجوبهما وَفِي التيين شرح الْكَنْز للزيلعي عَن المرغيناني عَن الْبُرْهَان الْكَبِير نَحوه وَقَالَ التمرشاني الْغَزِّي فِي تنوير الإبصار وفاقد وقتهما مُكَلّف بهما وَقَالَ سري الدّين الْمَعْرُوف بِابْن الشّحْنَة فِي الذَّخَائِر الأشرفية أَن الصَّحِيح خلاف مَا اخْتَارَهُ صَاحب الْكَنْز فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَقَالَ فِي تَرْجَمَة الْكَنْز أَن الْفَتْوَى على الْوُجُوب وَفِي الْمُحِيط البرهاني عَن الصَّدْر الْكَبِير أَنه لَيْسَ عَلَيْهِم صَلَاة الْعشَاء هَكَذَا كَانَ يُفْتِي ظهير الدّين المرغيناني وَنَحْوه فِي الْمُضْمرَات وخلاصة الْفَتَاوَى وَلَو كَانُوا فِي بَلْدَة إِذا غربت الشَّمْس طلع الْفجْر لَا يجب عَلَيْهِم صَلَاة الْعشَاء وَفِي الْكَافِي للنسفي وَلَا يجب الْعشَاء على قوم لم يَجدوا وقته بِأَن يطلع فجر كَمَا غربت الشَّمْس لعدم سَبَب الْوُجُوب وَهُوَ وقته وَفِي الْكَنْز وَمن لم يجد وقتهما لم يجبا وَذكر الزَّاهدِيّ فِي الْمُجْتَبى شرح الْمُخْتَصر عَن الْبَدْر الطَّاهِر نَحْو مَا فِي الْمُحِيط وَنَحْوه فِي جَوَاهِر الْفِقْه لطاهر بن سَلام الْخَوَارِزْمِيّ وَقد نسب الْفَتْوَى بِالْوُجُوب إِلَى ظهير الدّين المرغيناني فِي غير وَاحِد من الشُّرُوح وَغَيرهَا
وَبِالْجُمْلَةِ فمأخذ القَوْل بِالْوُجُوب هُوَ برهَان الدّين الْكَبِير ومأخذ القَوْل بِعَدَمِهِ هُوَ الصَّدْر الْكَبِير برهَان الْأَئِمَّة وَاخْتلف عَن المرغيناني وَقد شَارك فِي هَذَا اللقب وَالنِّسْبَة رجلَانِ من بَيت وَاحِد وَلم يبين أحد أَن الْمُفْتِي فِي هَذِه الْحَادِثَة أَيهمَا أَحدهمَا ظهير الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الْعَزِيز بن عبد الرَّزَّاق المرغيناني مَاتَ سنة سِتّ وَخَمْسمِائة وَهُوَ
جد صَاحب الْخُلَاصَة لأمة وَعم وَالِد قاضيخان وَثَانِيهمَا ابْنه ظهير الدّين أَبُو المحاسن حسن بن عَليّ المرغيناني صَاحب كتاب الْأَقْضِيَة وَغَيرهَا وَالظَّاهِر أَن تِلْكَ الْفَتْوَى بِالْوُجُوب منسوبة إِلَيْهِ ثمَّ صِحَة كَلَام الزَّيْلَعِيّ ترفع الِاحْتِمَال وَتبين أَنه هُوَ المُرَاد من المرغيناني وَمن برهَان الدّين الْكَبِير هُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الْعَزِيز بن عمر الْمروزِي بَعثه سُلْطَان سنجر بن ملك شاه السلجوقي إِلَى بخاري فِي مُهِمّ وَسَماهُ صَدرا سنة خمس وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وَهُوَ الْمَعْرُوف بالصدر الْمَاضِي والصدر الْكَبِير وبرهان الدّين الْكَبِير وبرهان الْأَئِمَّة وَهُوَ أَبُو الصُّدُور وَهَذَا اللقب مُقَارنًا لوصفه بالكبير لم يَقع إِلَّا عَلَيْهِ
وَأما التَّعْبِير بالصدر الْكَبِير وبرهان الْأَئِمَّة وبرهان الدّين فقد وَقع عَلَيْهِ وعَلى جمَاعَة من أَوْلَاده وَغَيرهم وَلَعَلَّ الْمُفْتِي بالسقوط كَانَ أحدهم إِن صَحَّ ذَلِك وَلَا يساعد عصر وَاحِد مِنْهُم أَن يَحْكِي عَنهُ ظهير الدّين المرغيناني إِلَّا الصَّدْر الْمَاضِي والدهم وأخاف أَن يكون الزيلغي أخطأفينقله عَن المرغيناني ذَلِك وَأرى أَنه أَخذ من الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة وَزعم أَن صَاحبهَا ظهير الدّين المزغيناني وَجرى من جَاءَ بعده مِمَّن نسب إِلَيْهِ القَوْل بِالْوُجُوب على أَثَره وَلَيْسَ كَمَا زعم بل هُوَ ظهير الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد البُخَارِيّ مَاتَ سنة تسع عشرَة وسِتمِائَة
وَبِالْجُمْلَةِ أَن طَائِفَة من أَحْدَاث الْجُهَّال المتعصبين على الْحق المنهمكين فِي التَّقْلِيد المتهالكين فِي إِضَاعَة الصَّلَوَات قد حرفوا عبارَة الظَّهِيرِيَّة والمضمرات وَغَيرهَا وَزَادُوا فِيهَا كلمة لَيْسَ النافية وسلطوها على الْوُجُوب زعما مِنْهُم أَنه لَو لم تكن مَوْجُودَة فِي الْعبارَة لَكَانَ آخر الْكَلَام منافيا لأوله حَيْثُ قَالَ وَالصَّحِيح أَنه لَا يَنْوِي الْقَضَاء لفقد وَقت الْأَدَاء وَهُوَ زعم سقيم وَوهم عقيم فَإِن عِبَارَات تِلْكَ الْكتب محكمَة فِي عدم هَذِه الْكَلِمَة والنسخ مِنْهَا مطردَة عَلَيْهِ وَقد عرفت أَن الْخلاف فِيمَن لَا يجد الْوَقْت أصلا وَمن أفتى بِالْوُجُوب لم يبال بِعَدَمِ الْوَقْت وَذهب إِلَى وُجُوبه مَعَ عَدمه لِأَن الْوَقْت غير مَقْصُود بِالذَّاتِ وَلَا بِسَبَب حَقِيقَة وَيسْقط اعْتِبَاره بِأَدْنَى سَبَب كَمَا فِي عَرَفَة ومزدلفة وَأَيَّام الدَّجَّال بالِاتِّفَاقِ
وَيجوز الْجمع بَين الظّهْر وَالْعصر فِي وَقت أَحدهمَا وَكَذَا الْمغرب وَالْعشَاء عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ وَمن وافقهما وَقد أخرج الشَّيْخَانِ عَن ابْن عمر أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم لما رَجَعَ من الْأَحْزَاب قَالَ لَا يصلين أحدا الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة فَأدْرك بَعضهم الْعَصْر فِي الطَّرِيق وَقَالَ بَعضهم لَا نصلي حَتَّى نأتيها
وَقَالَ بَعضهم لم يرد ذَلِك منا فَذكر ذَلِك للنَّبِي صلى الله عليه وسلم فَلم يعنف أحدا مِنْهُم
وَقد رُوِيَ أَن بَعضهم صلاهَا بَعْدَمَا انتصف اللَّيْل وَقد قَامَ الدَّلِيل الْقطعِي على وجوب الْعشَاء بعد غرُوب الشَّمْس فَلَا يجوز تَركهَا بِانْتِفَاء سَبَب جعلي مُحْتَمل للسقوط والتكليف إِنَّمَا هُوَ بِقدر الوسع فَيجب أَدَاؤُهَا وَإِن لم يتَحَقَّق الْوَقْت أصلا لثُبُوت أصل الْوُجُوب فِي الذِّمَّة
فَقَوْلهم الصَّحِيح أَنه لَا يَنْوِي الْقَضَاء متفرع على وجوب الْأَدَاء مَعَ عدم تحقق وَقت الْعشَاء وَلَا تنَافِي بَين أَطْرَاف الْكَلَام أصلا أَلا ترى الْمُحَقق ابْن الْهمام بَعْدَمَا بسط الْكَلَام فِي الْوُجُوب وزيف القَوْل بالسقوط قَالَ الصَّحِيح أَنه لَا يَنْوِي الْقَضَاء وَاعْترض عَلَيْهِ الزَّيْلَعِيّ بِمَا هُوَ ظَاهر السُّقُوط لَا يكَاد يَصح وَتَبعهُ صَاحب الدُّرَر والجواهر وأمثالهما وَإِنَّمَا الْخلاف فِيمَن لَا يجد الْوَقْت أصلا وَإِن الْحق الأبلج فِيهِ هُوَ الْوُجُوب أَيْضا وَالْفرق بَينهمَا ظَاهر وليت شعري مَاذَا يَقُول الزَّيْلَعِيّ وَأَتْبَاعه فِي الْمغرب هَل يرى سُقُوطه عَن هَؤُلَاءِ أَو يَجعله فرض الْوَقْت وَإِن دخل وَقت الْفجْر وَذكر الزَّاهدِيّ فِي الْمُجْتَبى حِكَايَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة عَن الْحلْوانِي والبقالي وَأَن البقالي وَافقه فِيهَا
وَقد انتحل هَذِه الْحِكَايَة عَن الزَّاهدِيّ رجال من الْمُتَأَخِّرين وشوشوا بِهِ عقيدة الْحق على أَهله وفرحوا بإضاعتهم الصَّلَاة مَعَ زعمهم البقالي هُوَ أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم الْخَوَارِزْمِيّ وَهُوَ مُتَأَخّر الزَّمَان توفّي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ أَو سبعين وَخَمْسمِائة فَكيف يُمكن معاصرته للحلواني فَإِن وَفَاة الْحلْوانِي كَانَت سنة ثَمَان أَو تسع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَهَذَا الْوَصْف قد وَقع على عدَّة أشخاص يعرف كل مِنْهُم بالبقالي
وَقد وَقع النَّقْل عَنهُ فِي الْمُحِيط البرهاني وخلاصة الْفَتْوَى وفتاوى قَاضِي خَان وَفِي الْقنية وعصر هَؤُلَاءِ لَا ينجعه النَّقْل عَن أبي الْفضل البقالي لعدم سبق زَمَانه عَلَيْهِم وأيا مَا كَانَ فالبقالي من أهل الاعتزال فِي العقيدة ويلوح من كَلَام الزَّاهدِيّ تعصبه لإخوانه من أَرْبَاب تِلْكَ النحلة
وَقَالَ ابْن الشّحْنَة فِي شرح الْمَنْظُومَة أَن كَلَام الزَّاهدِيّ لَا يُؤْخَذ بِهِ مَا لم يعضده نقل عَن غَيره وَلِهَذَا اعْترض عَلَيْهِ ابْن الْهمام وَقَالَ انْتِفَاء الدَّلِيل على الشَّيْء لَا يسْتَلْزم انتفاءه لجَوَاز دَلِيل آخر وَقد وجد وَهُوَ مَا تُوطأ من أَخْبَار الْإِسْرَاء من فرض الصَّلَاة خمْسا بَعْدَمَا أَمر أَولا بِخَمْسِينَ ثمَّ اسْتَقر الْأَمر على الْخمس شرعا عَاما لأهل الْآفَاق لَا تَفْصِيل فِيهِ بَين قطر وقطر
وَمَا رُوِيَ من حَدِيث الدَّجَّال عِنْد مُسلم فقد أوجب أَكثر من ثَلَاثمِائَة عصر قبل صيرورة الظل مثلا أَو مثلين وَقس عَلَيْهِ فاستفدنا أَن الْوَاجِب فِي نفس الْأَمر خمس على الْعُمُوم غير أَن توزيعها على تِلْكَ الْأَوْقَات عِنْد وجودهَا لَا يسْقط بعدمها الْوُجُوب وَكَذَا قَالَ صلى الله عليه وسلم خمس صلوَات كتبهن الله على الْعباد وَمن أفتى بِوُجُوب الْعشَاء يجب على قَوْله الْوتر أَيْضا انْتهى
ولعمري أَن هَذَا الْكَلَام قد بلغ من التَّحْقِيق والإتقان الْغَايَة وَمن الطلاوة وَحسن الْبَيَان النِّهَايَة وَلَكِن قد كثر مدافعة الْمُتَأَخِّرين لَهُ ومناقشتهم فِيهِ وَذَلِكَ لإهمالهم الْفِقْه وَالْأُصُول وإغفالهم مَعَاني الْمَعْقُول ومدارك الْمَنْقُول وانتصر إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْحلَبِي فِي شرح الْمنية للبقالي وَقَالَ الحَدِيث ورد على خلاف الْقيَاس وَقَالَ القَاضِي عِيَاض إِنَّه حكم مَخْصُوص بذلك الْيَوْم شَرعه لنا صَاحب الشَّرْع وَلَو وكلنَا فِيهِ لاجتهادنا لكَانَتْ الصَّلَاة فِيهِ عِنْد الْأَوْقَات الْمَعْرُوفَة ولاكتفينا بالصلوات الْخمس انْتهى
قَالَ الحسكفي فِي شرح تنوير الْأَبْصَار وَقيل لَا أبي لَا يُكَلف بهما لعدم سببهما وَبِه جزم فِي الْكَنْز والدرر والملتقى وَبِه أفتى البقالي وَوَافَقَهُ الْحلْوانِي وظهير الدّين المرغيناني وَرجحه الشُّرُنْبُلَالِيّ والحلبي
قلت كَلَام المحبط وَالْخُلَاصَة وَالْكَافِي والكنز وأمثالها مَحْمُول على من لم يجد الْوَقْت أصلا غير أَن الزَّيْلَعِيّ وَمن تَابعه لما زَعَمُوا أَن وَقت الْعشَاء لَا يُوجد إِلَّا بغروب الشَّفق نزلُوا هَذَا القَوْل على من لَا يغيب عَنهُ الشَّفق وبنوا كَلَامهم عَلَيْهِ وتصرفوا فِي الْعبارَات وَكَيف مَا كَانَ فقد أظهر الدَّلِيل فَسَاده وأبدت الْحجَّة عَلَيْهِ عواره وَأثبت ابْن الْهمام الْوُجُوب على الْإِطْلَاق وَأقَام برهانه وشيد أَرْكَانه وَلم يَأْتِ الشُّرُنْبُلَالِيّ فِي كِتَابه شرح الْمُلْتَقى وَلَا فِي امداد الفتاح بِشَيْء سوى مَا نَقله من كَلَام الْحلَبِي بعبارته الَّتِي بُطْلَانهَا أظهر من أَن يحْتَاج المُصَنّف إِلَى التَّأَمُّل فِيهِ فَإِن الْمُحَقق لَا يسلم أَولا فقدان الْوَقْت بِعَدَمِ غيبَة الشَّفق وَإِنَّمَا كَلَامه فِي إِثْبَات الْوُجُوب على من لَا يجد الْوَقْت أصلا ثمَّ لَا يسلم كَون الْوَقْت سَببا لِأَن السَّبَب هُوَ تتالي نعم الله تَعَالَى على عباده وَلَئِن كَانَ سَببا فَلَا نسلم أَن الْوَقْت الَّذِي هُوَ سَبَب غير مَوْجُود لِأَن مُدَّة الْيَوْم وَاللَّيْلَة فِي قطر تغيب فِيهِ الشَّمْس تكون أَرْبَعَة وَعشْرين سَاعَة سَوَاء تساوى اللَّيْل وَالنَّهَار أَو تَفَاوتا فِي الطول وَالْقصر وَلَا نسلم أَن الْوَقْت من الْأَسْبَاب والشروط لَا تحْتَمل السُّقُوط لِأَنَّهُ يسْقط بِأَدْنَى عِلّة مثل عَرَفَة ومزدلفة وَأَيَّام الدَّجَّال بالإتفاق وبعذر الْمَطَر وَالسّفر وَالْمَرَض وَغير ذَلِك عِنْد الشَّافِعِي وَمن وَافقه لكَونه وَسِيلَة غير مَقْصُودَة والنقض يمثل الْحَائِض وَالْكَافِر ظَاهر السُّقُوط فَإِنَّهُ حكم اسْتَثْنَاهُ الشَّرْع وَورد فِيهِ دَلِيل قَطْعِيّ من الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة
وَالْقَوْل بِأَن الْقيَاس على حَدِيث الدَّجَّال غير صَحِيح ظَاهر الْبطلَان لِأَن الْمُحَقق فِي غنى عَن وضع السَّبَب بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي صدد بَيَان الْمُعَرّف الآخر للْوُجُوب الْعَام وَإِن انْتَفَى الْمَعْرُوف الْمَعْهُود وَهُوَ الزَّوَال والغروب وَغَيرهمَا وَقد حكى النَّسَفِيّ فِي الْمُصَفّى شرح الْمَنْظُومَة عَن جمال الدّين المحبوبي أَنه قَالَ كسَالَى بُخَارى لَا يمْنَعُونَ عَن الصَّلَاة وَقت طُلُوع الشَّمْس لِأَن الْغَالِب أَنهم إِذا منعُوا عَن ذَلِك وَأمرُوا بالمكث فِي الْمَسْجِد إِلَى ارْتِفَاع الشَّمْس أَو بِالرُّجُوعِ ثمَّ الْحُضُور لم يَفْعَلُوا ذَلِك وَلم يقضوها وَلَو صلوها فِي هَذِه الْحَالة فقد أجَازه أَصْحَاب الحَدِيث وَالْأَدَاء فِي وَقت يُجِيزهُ بعض الْأَئِمَّة أولى من التّرْك
وَهَكَذَا نقل عَن الْحلْوانِي والمرغيناني فَانْظُر كَيفَ جوز هَؤُلَاءِ صِحَة الْفجْر عِنْد الطُّلُوع وَالْعشَاء قبل الغيبوبة بِنَاء على تَجْوِيز بعض الْأَئِمَّة مَعَ وُرُود النَّهْي عَنهُ ونصوص الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة القاضية على عدم الْجَوَاز مَخَافَة أَن يتركوها بِالْكُلِّيَّةِ بِمُجَرَّد الكسالة فَكيف يسوغ أَن يُفْتِي بِسُقُوط الْعشَاء عَمَّن لَا يغيب عَنْهُم الشَّفق بِجعْل إلهي وَسبب سماوي مَعَ نهوض براهين الْوُجُوب عَلَيْهِ نهوضا لَا مرد لَهُ وَلَيْسَ فِي الْعَالم قطر تغيب فِيهِ الشَّمْس
ثمَّ كَمَا تغرب يطلع الْفجْر من جَانب آخر بل تتحول الْحمرَة من جِهَة الْمغرب متدرجة إِلَى الصُّفْرَة ثمَّ إِلَى الْبيَاض حسب دوران الشَّمْس تَحت الْأُفق إِلَى أَن ينتصف اللَّيْل
ثمَّ ترجع على هَذِه الدراجة منعكسة قهقرى حَتَّى تطلع الشَّمْس من جِهَة الْمشرق وَعِنْدِي أَن نقُول الْفَتْوَى بالسقوط عَن الْحلْوانِي والمرغيناني والصدر الْكَبِير وأمثالهم لَا تصح أصلا وَإِن وجد فِي عدَّة كتب فَإِنَّهُ مَعَ خلوه عَن الْإِسْنَاد لَا دَلِيل بيتني عَلَيْهِ وَحسن الظَّن فيهم لَا يرخصنا فِي نسبه هَذِه المجازفة إِلَيْهِم وَمِمَّا يشْهد بذلك أَن إِسْلَام أهل بلغار كَانَ بِزَمَان كثير قبل زمَان أُولَئِكَ الْفُضَلَاء الَّذِي يعزى إِلَيْهِم الْإِفْتَاء بِسُقُوط الْعشَاء عَن سكان هَذِه الديار فِي لَيَال من السّنة تَنْتَهِي إِلَى غَايَة الْقصر فَمنهمْ من قَالَ أَنهم أَسْلمُوا فِي صدر ملك بني مَرْوَان فِي كبد الْقرن الأول من الْهِجْرَة وَمِنْهُم من قَالَ أَنهم أَسْلمُوا فِي خلَافَة الْمَأْمُون وَمِنْهُم من قَالَ فِي خلَافَة ابْن أَخِيه الواثق بِاللَّه ثمَّ ظهر الْإِسْلَام فيهم بِإِسْلَام ملك بلغار الماس خَان بن سلكي خَان فِي خلَافَة المقتدر فتسمى بالأمير جَعْفَر
وَلأَحْمَد بن فضلان رِسَالَة كتب فِيهَا مَا شَاهده فِي سَفَره إِلَى بلغار ومدينة بلغار كَانَت على خمس وَخمسين دَرَجَة من الْعرض الشمالي وَعرض قزان أَكثر مِنْهُ بِخمْس وَأَرْبَعين دقيقة وطولها فِي سِتّ وَسِتِّينَ دَرَجَة وست وَأَرْبَعين دقيقة من جزائر الخالدات وَطول بلغار أَكثر مِنْهُ بِشَيْء نَحْو سِتّ عشرَة دقيقة فَكيف يتخيل أَنه خَفِي عَلَيْهِم شَأْن الشَّفق فَمَا تكلمُوا فِي مَسْأَلَة الْعشَاء بهَا نعم كَانَ الْأَمر وَاضحا لَهُم فِي ذَلِك حِين
كَانُوا فِي بِلَادهمْ لِمَكَانِهِمْ بِمحل عَظِيم من الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَلَكنهُمْ لم يرَوا إِسْقَاط شَيْء من فَرَائض الله تَعَالَى وَمَا كَانَ لَهُم أَن يشكوا فِي هَذَا الحكم لما لَاحَ لَهُم من عُمُوم الْأَدِلَّة وَظُهُور الْبَرَاهِين القطعية وَالرِّوَايَات المستفيضه أم كَيفَ يهمل المتقدمون من أهل بلغار هَذِه الْمَسْأَلَة مَعَ فرط حَاجتهم إِلَيْهَا وَكَثْرَة ابتلائهم بهَا وَلم يستفتوا فِيهَا وَالْإِسْلَام غض المجنى جلو المغنى يحفظون حُدُوده ويلتزمون عهوده وَقد كَانَ فيهم من عُلَمَائهمْ جمَاعَة قبل عصر البقالي والحلواني وَبعده مثل عبد الْحَيّ ووالده عبد السَّلَام وَالْقَاضِي أَبُو الْعَلَاء حَامِد بن إِدْرِيس وَالْقَاضِي يَعْقُوب ابْن نعْمَان مؤرخ بلغار وَغَيرهم وهب أَنه لم يكن فيهم عُلَمَاء يفتون فِي الوقائع فَهَلا راجعوا إِلَى عُلَمَاء سَائِر الْأَمْصَار مَعَ كَثْرَة أسفارهم فِي الأقطار وشهرتهم بوفور التِّجَارَة وَحسن التمدن من قديم الْأَعْصَار وَمَا ظهر ذَلِك إِلَّا لِأَحْمَد بن فضلان وَغَيره من وُفُود الْعرَاق وعلماء دَار الْخلَافَة مَعَ طول مقامهم بهَا وورودهم مقامهم بهَا وورودهم إِلَيْهَا لتعليم الْإِسْلَام وإذاعة الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام بل علمُوا ذَلِك وَلَكِن لم يشكوا فِي الْوُجُوب بل إِنَّمَا حدثت هَذِه الشُّبْهَة الغثة والريبة والرثة بعد انْقِرَاض الْفُقَهَاء وَذَهَاب الْعلمَاء ورئاسة الْجُهَّال وإشراف الْإِسْلَام على الزَّوَال وانتكاس حَال الْأَنَام واختلال مصَالح الْبَريَّة عِنْد اضمحلال الدولة العباسية فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون انْتهى كَلَام الناظورة وَهُوَ حرف من الْكتاب وقطرة من الْعباب وَكم فِيهِ من أَدِلَّة وبراهين على فَرضِيَّة صَلَاة الْعشَاء على جَمِيع الْمُكَلّفين من الْأمة على السوَاء غَابَ عَنْهُم الشَّفق أَو لم يغب تركناها مَخَافَة الإطالة فَمن شَاءَ تَفْصِيل ذَلِك فَليرْجع إِلَيْهِ
وَأما مَسْأَلَة الصَّوْم فقد قَالَ الشَّامي فِي رد الْمُحْتَار حَاشِيَة در الْمُخْتَار لم أر من تعرض عندنَا لحكم صومهم فِيمَا إِذا كَانَ يطلع الْفجْر عِنْدهم كَمَا تغيب الشَّمْس أَو بعده بِزَمَان لَا يقدر فِيهِ الصَّائِم على أكل مَا يُقيم بنية وَلَا يُمكن أَن يُقَال بِوُجُوب مُوالَاة الصَّوْم عَلَيْهِم لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْهَلَاك فَإِن قُلْنَا بِوُجُوب الصَّوْم يلْزم القَوْل بالتقدير وَهل يقدر ليلهم بأقرب الْبِلَاد إِلَيْهِم كَمَا قَالَ الشَّافِعِيَّة هُنَا أَيْضا أم يقدر لَهُم بِمَا يسع
الْأكل وَالشرب أم يجب عَلَيْهِم الْقَضَاء فَقَط دون الْأَدَاء كل مُحْتَمل فَلْيتَأَمَّل وَلَا يُمكن القَوْل هُنَا بِعَدَمِ الْوُجُوب أصلا كالعشاء عِنْد الْقَائِل بِهِ فِيهَا لِأَن الْعلَّة عدم الْوُجُوب فِيهَا عِنْد الْقَائِل بِهِ عدم السَّبَب وَفِي الصَّوْم قد وجد السَّبَب وَهُوَ شُهُود جُزْء من الشَّهْر وطلوع فجر كل يَوْم هَذَا مَا ظهر لي وَالله تَعَالَى أعلم