الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر محَاسِن الْفُصُول الْأَرْبَعَة للسّنة على لِسَان الْأَدَب
من كتاب نسيم الصِّبَا للشَّيْخ شمس الدّين بن حبيب رحمه الله قَالَ حضر فُصُول الْعَام مجْلِس الْأَدَب فِي يَوْم بلغ فِيهِ الأريب نِهَايَة الأرب بمشهد من ذَوي البلاغة ومنتهى صناعَة الصاغة فَقَامَ كل مِنْهُم يعرب عَن نَفسه ويفتخر على أَبنَاء جنسه
فَقَالَ الرّبيع أَنا شباب الزَّمَان وروح الْحَيَوَان وإنسان عين الْإِنْسَان أَنا حَيَاة النُّفُوس وزينة عروس الغروس ونزهة الْأَبْصَار ومنطق الأطيار عرف أوقاتي ناسم وأيامي أعياد ومواسم فِيهَا يظْهر النَّبَات وتنشر الْأَمْوَات وَترد الودائع وتتحرك الطبائع ويمرح جنيب الْجنُوب ويبرح وجيب الْقُلُوب وَتفِيض عُيُون الْأَنْهَار ويعتدل اللَّيْل وَالنَّهَار كم لي من عقد منظوم وطراز وشي مرقوم وحلة فاخرة وَحلية ظَاهِرَة وَنجم سعد يدني راعيه من الأمل وشمس حسن بأبعد مَا بَين برج الجدي وَالْحمل عساكري منصورة وأسلحتي مَشْهُورَة فَمن سيف غُصْن مجوهر وَدرع بنفسج مشهر ومغفر شفيق أَحْمَر وترس بهار يبهر وَسَهْم آس يرشق فينشق ورمح سوسن سنانه أَزْرَق تحرسها آيَات وتكنفها ألوية ورايات بِي تحمر من الْورْد خدوده وتهتز من البان قدوده ويخضر عذار الريحان وينتبه من النرجس طرفه الْوَسْنَان وَتخرج الخفايا من الزوايا ويفتر ثغر الأقحوان قَائِلا أَنا ابْن جلا وطلاع الثنايا
(إِن هَذَا الرّبيع شَيْء عَجِيب
…
تضحك الأَرْض من بكاء السَّمَاء)
(ذهب حَيْثُمَا ذَهَبْنَا ودر
…
حَيْثُ درنا وَفِضة فِي الفضاء)
وَقَالَ الصَّيف أَنا الْخلّ الْمُوَافق وَالصديق الصَّادِق وَالطّيب الحاذق أجتهد فِي مصلحَة الْأَصْحَاب وَأَرْفَع عَنْهُم كلفة حمل الثِّيَاب وأخفف أثقالهم وأوفر أَمْوَالهم وأكفيهم المؤونة واجزل لَهُم المعونة وأغنيهم من شِرَاء الفرا وأحقق عِنْدهم أَن كل الصَّيْد فِي جَوف الفرا نصرت بالصبا وَأُوتِيت الْحِكْمَة فِي زمن الصبى بِي تتضح الجادة وتنضج من الْفَوَاكِه الْمَادَّة ويزهو الْبُسْر وَالرّطب وينصلح مزاج الْعِنَب ويقوى قلب اللوز ويلين عطف التِّين والموز وَينْعَقد حب الرُّمَّان فيقمع الصَّفْرَاء ويسكن الخفقان وتخضب وجنات التفاح وَيذْهب عرف السفرجل مَعَ هبوب الرِّيَاح وَتسود عُيُون الزَّيْتُون وتتخلق تيجان النارنج والليمون مواعيدي منقودة وموائدي ممدودة الْخَيْر مَوْجُود فِي مقَامي والرزق مقسوم فِي أيامي والفقر ينصاع على مده وصاعه ويالغنى يرتع فِي ملكه وإقطاعه والوحش تَأتي زرافات ووحدانا وَالطير تَغْدُو خماصا وتعود بطانا
(مصيف لَهُ ظلّ مديد على الورى
…
فكم قد حلا طعما وحليل أخلاطا)
(يعالج أَنْوَاع الْفَوَاكِه مبديا
…
لصحتها حفظا ويعجز بقراطا)
وَقَالَ الخريف أَنا سائق الغيوم وكاسر جَيش الغموم وهازم أحزاب السمُوم وحادي نَجَائِب السحائب وحاسر نقاب المناقب أَنا أصد الصدى وأجود بالندى وَأظْهر كل معنى جلى وأسمو بالوسمى والولى فِي أيامي تقطف الثِّمَار وتصفو الْأَنْهَار من الأكدار ويترقرق دمع الْعُيُون ويتلون ورق الغصون طورا يحاكي البقم وَتارَة يشبه الأرقم وحينا يَبْدُو فِي حلته الذهبية فيجذب إِلَى جَانِبه الْقُلُوب الأبية وفيهَا يَكْفِي النَّاس هم الْهَوَام ويتساوى فِي لَذَّة المَاء الْخَاص وَالْعَام وَتقدم الأطيار مطربة بنشيشها رافلة فِي الملابس الجديدة من ريشها وتعصر بنت العنقود وتوثق فِي سجن الدن بالقيود على أَنَّهَا لم تجترح إِثْمًا وَلم تعاقب إِلَّا عُدْوانًا وظلما بِي تطيب الْأَوْقَات وَتحصل اللَّذَّات وترق النسمات وترمى حَصى الجمرات وتسكن
حرارة الْقُلُوب وتكثر أَنْوَاع المطعوم والمشروب كم لي من شَجَرَة أكلهَا دَائِم وَحملهَا للنفع الْمُتَعَدِّي لَازم وورقها على الدَّوَام غير ذابل وقدود أَغْصَانهَا تخجل كل رمح ذابل
(إِن فصل الخريف وافي إِلَيْنَا
…
يتهادى فِي حلية كالعروس)
(غَيره كَانَ للعيون ربيعا
…
وَهُوَ مَا بَيْننَا ربيع النُّفُوس)
وَقَالَ الشتَاء أَنا شيخ الْجَمَاعَة وَرب البضاعة والمقابل بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة أجمع شَمل الْأَصْحَاب وأسدل عَلَيْهِم الْحجاب وأتحفهم بِالطَّعَامِ وَالشرَاب وَمن لَيْسَ لَهُ بِي طَاقَة أغلقت من اجله الْبَاب أميل إِلَى الْمُطِيع الْقَادِر المستطيع المعتضد بالبرود والفرا والمستمسك من الدثار بأوثق العرى المرتقب قدومي وموافاتي المتأهب للسبعة الْمَشْهُورَة من كافاتي وَمن يَعش عَن ذكري وَلم يتَمَثَّل أَمْرِي أرجفته بِصَوْت الرَّعْد وأنجزت لَهُ من سيف الْبَرْق صَادِق الْوَعْد وسرت إِلَيْهِ بعساكر السَّحَاب وَلم أقنع بِالْغَنِيمَةِ بالإياب معروفي مَعْرُوف ونيل نيلي مَوْصُوف وثمار إحساني دانية القطوف كم لي من وابل طَوِيل المدى وجود وافر الجدا وقطر حلا مذاقه وغيث قيد العفاة إِطْلَاقه وديمة تطرب السّمع بصوتها وَحيا يحي الأَرْض بعد مَوتهَا أيامي وجيزة وأوقاتي عزيزة ومجالسي معمورة بذوي السِّيَادَة مغمورة بِالْخَيرِ والمبر والسعادة نقلهَا يَأْتِي من أَنْوَاعه بالعجب ومناقلها تسمح بِذَهَب اللهب وراحها تنعش الْأَرْوَاح وسقاتها يجفونهم السقيمة تفتن الْعُقُول الصِّحَاح إِن زرتها وجدت مَالا ممدودا وَإِن زرتها شاهدت لَهَا بَنِينَ شُهُودًا
(وَإِذا رميت بِفضل كأسك فِي الهوا
…
عَادَتْ عَلَيْك من العقيق عقودا)
(يَا صَاحب العودين لَا تهملهما
…
حرك لنا عودا واحرق عودا)
فَلَمَّا نظم كل مِنْهُم سلك مقَال وَفرغ من الْكَلَام على شرح حَاله أَخذ الْجَمَاعَة من الطَّرب مَا يَأْخُذ أهل السكر وتجاذبوا أَطْرَاف مطارف الثَّنَاء وَالشُّكْر وَظَهَرت أسرار السرُور وانشرحت صُدُور الصُّدُور وهبت قبُول الاقبال وَأنْشد لِسَان الْحَال