الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر حكم الصَّلَاة وَالصَّوْم فِي أَرض التسعين
قَالَ الشَّيْخ رفيع الدّين الدهلوي فِي بعض إفاداته لم أجد أحدا من أهل الْعلم تكلم فِي ذَلِك وَلم يذكر الْفُقَهَاء فِي كتاب من كتب الْفِقْه حكم هَذِه الْمَسْأَلَة بالخصوص وَلَعَلَّ السّلف من الْعلمَاء لما رَأَوْا هَذَا الْموضع من الأَرْض لَا يسكن فِيهِ الْحَيَوَان فضلا عَن نوع الْإِنْسَان وَلَا يُمكن ذَلِك طَوَوْا كشح الْبَحْث عَن ذكرهَا وَعَلمُوا أَن لَا فَائِدَة فِي الْبَحْث عَن ذَلِك لِأَن الشَّمْس بَعدت عَن تِلْكَ الأَرْض جدا واستولت عَلَيْهَا الْبُرُودَة غَايَة الإستيلاء حَتَّى لم يُمكن الْعَيْش بهَا لذِي حَيَاة أبدا فَإِن الْحَيَاة تتَوَقَّف على الْحَرَارَة الغريزية وَهِي لَا تُوجد هُنَاكَ فَكيف يعِيش أَو كَيفَ يُوجد بهَا حَيَوَان وَحِينَئِذٍ الْبَحْث عَن حكم الصَّلَاة وَالصَّوْم فِي تِلْكَ الْبقْعَة من الأَرْض الْمَفْرُوضَة عَبث لَا جدوى تَحْتَهُ
وَلَكِن الْقُرْآن الْعَزِيز يُسْتَفَاد مِنْهُ حكمهَا فِي هَذَا الْموضع من الأَرْض وَصورته هَكَذَا أَن الشَّمْس إِذا دخلت بحركتها الْخَاصَّة فِي البروج الشمالية من الْحمل إِلَى آخر السنبلة لَا تغيب عِنْد سكناهَا فِي تَمام دورة الْيَوْم وَاللَّيْلَة بل تقطع كل يَوْم مدارا بحركة فلك الأفلاك وعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يَجْعَل الْمُصَلِّي مدارا كل يَوْم حصتين وَيعْتَبر أَحدهمَا يَوْمًا وَيُصلي فِيهِ للصلوات الثَّلَاث الصُّبْح وَالظّهْر وَالْعصر فِي مواقيتها بتقسيم ذَلِك الْمدَار على تِلْكَ الْأَوْقَات وَيعْتَبر النّصْف الآخر لَيْلًا وَيُصلي فِيهِ الْمغرب أَولا ثمَّ إِذا بلغت الشَّمْس ربع الْمدَار يُصَلِّي الْعشَاء الْآخِرَة وَهَذَا حكم الصَّلَاة حِين تكون الشَّمْس فِي المدارات الشمالية ظَاهِرَة فِي أنظار سكانها وَأما إِذا كَانَت فِي البروج الجنوبية من الْمِيزَان إِلَى آخر الْحُوت فَيقدر المدارات الجنوبية كَمَا كَانَ قدر المدارات الشمالية وينصف الْيَوْم وَاللَّيْلَة وَيعْتَبر أحد النصفين
لَيْلًا وَالْآخر يَوْمًا لِأَن كلا من المدارات الشمالية والجنوبية متساويان لَا تفَاوت بَينهمَا وَإِن وجدا متفاوتين فِي النّظر باخْتلَاف الأوج والحضيض تَفَاوتا غير محسوس
وَأما الصَّوْم فيستفسر من أهل المراكب الَّتِي تَأتي من قرب الأَرْض المعمورة أَي شهر هَذَا من الشُّهُور القمرية فَإِذا أخبروهم بذلك حسبوا كل شهر ثَلَاثِينَ يَوْمًا من الشُّهُور القمرية الْأُخْرَى فَإِذا جَاءَ شهر رَمَضَان على ذَلِك الْحساب يَجْعَل نصف الْمدَار يَوْمًا وَالنّصف الآخر لَيْلًا ويصوم بِالنَّهَارِ وَيفْطر بِاللَّيْلِ كَمَا ذكرنَا فِي الصَّلَاة
وَهَذَا هُوَ الطَّرِيق السهل وَإِن كَانَت هُنَاكَ آلَات النجامية وَمَعْرِفَة التفاويم كَمَا يذكر أَن فِي بِلَاد الرّوم أجراسا تصنع لمعْرِفَة الشُّهُور يعْرفُونَ بهَا جملَة تشكلات الشَّهْر الْقمرِي من أَوله إِلَى آخِره فَيعْتَبر بِهَذِهِ الْآلَة أَولا شهر رَمَضَان ثمَّ بِآلَة أُخْرَى سَاعَات الْيَوْم وَاللَّيْلَة وَيفْطر الصَّائِم على وفقها وَيُمكن أَن يعرف منَازِل الْقَمَر من إبتداء ذَلِك الشَّهْر وَيجْعَل كل منزل مِنْهَا قسمَيْنِ فَيعْتَبر وَنصفا من الْيَوْم وَنصفا اللَّيْل وأسهل الطّرق أَن الْقَمَر فِي الْمنَازل الشمالية كَانَ مَدَاره دَائِم الظُّهُور على سكان تِلْكَ الأَرْض فينصف كل مدَار ويصوم وَيفْطر وَإِذا سَار الْقَمَر فِي البروج الجنوبية يعْمل على ذَلِك الْحساب الْكَائِن فِي الْمنَازل الشمالية وَهَذَا الحكم دلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {هُوَ الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا وَقدره منَازِل لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحساب} ومنازل الْقَمَر وَعِشْرُونَ منزلَة وَهَذِه الْمنَازل مقسومة على البروج وَهِي إثنا عشر برجا وَلكُل برج منزلتان وَثلث فَينزل الْقَمَر كل لَيْلَة مِنْهَا منزلا وَيكون إنقضاء الشَّهْر مَعَ نُزُوله تِلْكَ الْمنَازل وَالْمعْنَى لِتَعْلَمُوا عدد الشُّهُور وَالْأَيَّام والساعات وَمَا يتَفَرَّع عَلَيْهَا مثل الصَّلَاة وَالصَّوْم وحلول الدُّيُون وَوُجُوب المشاهرة وَغير ذَلِك قَوْله تَعَالَى {الشَّمْس وَالْقَمَر بحسبان} أَي يجريان بِحِسَاب
البروج والمنازل لَا يعدوانها يَعْنِي بهما تحسب الْأَوْقَات والآجال فَإِن قيل أَن أَوْقَات الصَّلَوَات مَوْقُوفَة على سَاعَات اللَّيْل وَالنَّهَار طَوِيلَة كَانَت أَو قَصِيرَة فَيجب أَن يصلى ثَلَاث صلوَات فِي سِتَّة أشهر وصلاتين فِي السِّتَّة الْأُخْرَى وَكَذَلِكَ الصَّوْم فِي الشَّرْع إِنَّمَا يجب بِطُلُوع الْقَمَر فِي أول الشَّهْر وعَلى هَذَا إِذا طلع الْقَمَر على سكان تَحت القطب بحركته الْخَاصَّة يَصُوم من هُنَاكَ بطلوعه وَإِذا سَار نَحْو الْجنُوب يفْطر من بهَا بسيره
قلت هَذِه الصُّورَة تخَالف مَقْصُود الشَّرْع ومقصود الْآيَات الْكَرِيمَة بِوُجُوه أَحدهَا إِن انقسام أَوْقَات الصَّلَاة على سَاعَات الْيَوْم وَاللَّيْلَة إِنَّمَا يتَعَلَّق بحركة أولية هِيَ أسْرع الحركات بحركة الشَّمْس الْخَاصَّة بهَا فِي فلكها قَالَ الله تَعَالَى {وَهُوَ الَّذِي جعل اللَّيْل وَالنَّهَار خلفة لمن أَرَادَ أَن يذكر أَو أَرَادَ شكُورًا} أَي يخلف أَحدهمَا صَاحبه إِذا ذهب أَحدهمَا جَاءَ الآخر فهما يتعاقبان فِي الضياء والظلام وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فَمن فَاتَهُ عمله فِي أَحدهمَا قَضَاهُ فِي الآخر
وَالْمعْنَى يذكر بِاللِّسَانِ أَو الْقلب أَو يشْكر نعْمَة ربه عَلَيْهِ بالجسد والجوارح فَعلم من هَذِه الْآيَة أَن الْيَوْم وَاللَّيْل المتعلقين بالحركة الأولية هما المتعينان للذّكر وَالشُّكْر وَالصَّوْم دَاخل فِي الشُّكْر لِأَن الصَّائِم يصون بدنه بترك الْغذَاء لله تَعَالَى وَثَانِيها أَن الصَّلَاة إِنَّمَا فرضت لأجل أَن يتَوَجَّه العَبْد إِلَى خالقه سَاعَة فساعة بفاصله يسيرَة ومسافة قَليلَة ويعبده هَكَذَا حَتَّى يستولي لون التَّوَجُّه وَالْعِبَادَة على روحه وَنَفسه وَيذْهب عَنهُ صبغ الْغَفْلَة والسكرة فَإِن تقع هَذِه الْقَضِيَّة فِي عَام خمس مَرَّات لَا تُؤثر فِي الرّوح والجسد أصلا بل تنس
وَكَذَلِكَ الصَّوْم إِن امْتَدَّ إفطاره إِلَى سِتَّة أشهر فِي حق سكان تِلْكَ الأَرْض لَكَانَ لَهُم تَكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق فَإِن الإمتناع من الْأكل وَالشرب إِلَى هَذِه الْغَايَة الطَّوِيلَة مهلك فِي مجاري الْعَادَات وَقد نطق الْكتاب الْعَزِيز بِنَفْي هَذَا التَّكْلِيف قَالَ تَعَالَى {لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا}
وَأَيْضًا قَالَ تَعَالَى عِنْد ذكر فَرضِيَّة الصَّوْم {كتب عَلَيْكُم الصّيام كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون أَيَّامًا معدودات} وَالظَّاهِر أَن عدد الْأَيَّام فِي شهر وَاحِد يكون فِي أقل من شهر عرفا فيعدون مثلا أَيَّام الشَّهْر وَيَقُولُونَ يَوْم أَو يَوْمَانِ أَو ثَلَاثَة أَيَّام أَرْبَعَة أَيَّام وَإِذا تجاوزوا الشَّهْر قَالُوا شهر أَو شَهْرَان أَو ثَلَاثَة أشهر أَو شَهْرَان وَنصف فَعلم أَن الصّيام لَا يزِيد على شهر فضلا عَن أَن يزِيد إِلَى سِتَّة أشهر
وَقَالَ بعض المتفهمين موردا للشُّبْهَة فِي هَذَا الْمقَام أَن فِي كتب الْأُصُول أَن الصَّلَاة وَالصَّوْم إِنَّمَا سَبَب وجوبهما الْوَقْت وَلَيْسَ فِي أَرض التسعين وَقت لَهما يَعْنِي لَا طُلُوع وَلَا زَوَال وَلَا غرُوب فِي كل يَوْم حَتَّى تجب الصَّلَاة وَالصَّوْم والمسبب لَا يتَحَقَّق إِلَّا بِوُجُود السَّبَب وَالْجَوَاب عَنهُ أَن المُرَاد يكون الْوَقْت سَببا للوجود هُوَ الْعَلامَة وَإِلَّا فَأصل السَّبَب فِي الْوُجُوب إِنَّمَا هُوَ حكم الله سُبْحَانَهُ حكم بِهِ لحكمة مَقْصُودَة فالسبب فِي وجوب الصَّلَاة حَقِيقَة التنبه بِذكر الْخَالِق وفكره وَدفع الْغَفْلَة عَن تذكره وَفِي الصَّوْم كسر النَّفس وهضمها بترك المألوفات إِلَى مُدَّة طَوِيلَة وَهَذِه الْأَسْبَاب تلازم وجود نوع الْإِنْسَان أَيْنَمَا كَانَ وكيفما كَانَ وعَلى أَن الشَّرْع الشريف فِيهِ يسر يُمكن اسْتِخْرَاج حكم الصَّلَاة وَالصَّوْم بطرِيق آخر وَهُوَ إِذا كَانَ الْيَوْم سِتَّة أشهر وَاللَّيْل سِتَّة اشهر يَسْتَحِيل عَادَة أَن يبْقى يقظانا ويشتغل بالحوائج تِلْكَ الْمدَّة على الِاتِّصَال فِي النَّهَار أَو ينَام بِلَا حس وحركة إِلَى تِلْكَ الْمدَّة الطَّوِيلَة بِحكم الجبلة البشرية بل لابد أَن يفرق بَين هَذِه الْمدَّة وَيجْعَل وقتا للإستراحة وَالنَّوْم ووقتا آخر للكسب والمعاش فَهَذَا الْوَقْت يكون فِي حَقه يَوْمًا وَيُصلي فِيهِ صلوَات النَّهَار وَالْوَقْت الأول يكون لَيْلًا وَيُصلي فِيهِ صَلَاة اللَّيْل فِي أول الْوَقْت وأوسطه وَكَذَلِكَ يعْمل فِي الصَّوْم وَفِي إفطاره وَهَذَا طَرِيق سهل يُوَافق قَوَاعِد الْفِقْه لِأَن الْعرف وَالْعَادَة لَهُ اعْتِبَار فِي بعض الْأَحْكَام عِنْد الضَّرُورَة وَالْقُرْآن الْكَرِيم يُشِير إِلَى أصل هَذَا الْمطلب قَالَ الله تَعَالَى {فالق الإصباح وَجعل اللَّيْل سكنا وَالشَّمْس وَالْقَمَر حسبانا}