الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وماذا يعيب الْمَرْء فِي مدح نَفسه إِذا لم يكن فِي قَوْله بكذوب ثمَّ انفض الْمجْلس وَحل النطاق وتفرق شَمل أَهله وَآخر الصُّحْبَة الْفِرَاق قَالَ بَعضهم الرّبيع مفضل على سَائِر الْفُصُول بِحسن آثاره ورياحينه وأزهاره قَالَ بقراط الْحَكِيم من لم يبتهج بِالربيعِ وأزهاره وَلم يسْتَمْتع بِبرد نسيمه وأمطاره فَهُوَ فَاسد المزاج مُحْتَاج إِلَى العلاج وَقَالَ بعض البلغاء الرّبيع جميل الْوَجْه ضَاحِك السن رَشِيق الْقد حُلْو الشَّمَائِل عطر الرَّائِحَة كريم الْخلق وَقَالَ ظريف الرّبيع شباب الزَّمَان ونسيمه غذَاء النُّفُوس ومنظره جلاء الْعُيُون وَمن لطائف الصنوبري فِي تَفْضِيل الرّبيع على سَائِر الْفُصُول قَوْله
(إِن كَانَ فِي الصَّيف أثمار وَفَاكِهَة
…
فالأرض مستوقد والجو تنور)
(وَإِن يكن فِي الخريف النّخل مخترفا
…
فالأرض مسجورة وَالْمَاء مأسور)
(وَإِن يكن فِي الشتَاء الْغَيْم مُتَّصِلا
…
فالأرض عُرْيَانَة والأفق مقرور)
(مَا الدَّهْر إِلَّا الرّبيع المستنير إِذا
…
أَتَى الرّبيع أَتَاك النُّور والنور)
(فالأرض ياقوتة والجو لؤلؤة
…
والنبت فيروزج وَالْمَاء بلور)
(تبَارك الله مَا أحلى الرّبيع فَلَا يقل
…
تغرر فقائسه بالصيف مغرور)
(من شم ريح تحيات الرّبيع يقل
…
لَا الْمسك مسك وَلَا الكافور كافور)
ذكر علم الْهَيْئَة
وَهُوَ علم ينظر بِهِ فِي حركات الْكَوَاكِب الثَّابِتَة والمتحركة والمتحيرة ويستدل بكيفيات تِلْكَ الحركات على أشكال وأوضاع للأفلاك لَزِمت الأَرْض عَنْهَا هَذِه الحركات المحسوسة بطرق هندسية كَمَا يبرهن على أَن مَرْكَز الأَرْض مبائن لمركز فلك الشَّمْس بِوُجُود حَرَكَة الإقبال والإدبار وكما يسْتَدلّ بِالرُّجُوعِ والإستقامة للكواكب على وجود أفلاك صَغِيرَة حاملة لَهَا متحركة دَاخل فلكها الْأَعْظَم وكما يبرهن على وجود الْفلك الثَّامِن بحركة الْكَوَاكِب الثَّابِتَة وكما يبرهن على تعدد الأفلاك للكوكب الْوَاحِد بِتَعَدُّد المبول لَهُ وأمثال ذَلِك وَإِدْرَاك الْمَوْجُود من الحركات وكيفياتها وأجناسها وَإِنَّمَا هُوَ بالرصد فَإِنَّمَا علمنَا حَرَكَة الإقبال والإدبار بِهِ
وَكَذَا تركيب الأفلاك فِي طباقتها وَكَذَا الرُّجُوع والإستقامة وأمثال ذَلِك وَكَانَ اليونانيون يعتنون بالرصد كثيرا ويتخذون لَهُ الْآلَات الَّتِي تُوضَع ليرصد بهَا حَرَكَة الْكَوْكَب الْمعِين وَكَانَت تسمى عِنْدهم ذَات الْحلق وصناعة عَملهَا والبراهين عَلَيْهِ ومطابقة حركتها بحركة الْفلك مَنْقُول بأيدي النَّاس
وَأما فِي الْإِسْلَام فَلم تقع بِهِ عناية إِلَّا فِي الْقَلِيل وَكَانَ فِي أَيَّام الْمَأْمُون شَيْء مِنْهُ وضع الْآلَة الْمَعْرُوفَة للرصد الْمُسَمَّاة ذَات الْحلق وَشرع فِي ذَلِك فَلم يتم وَلما مَاتَ ذهب رسمه وأغفل وَاعْتمد من بعده على الأرصاد الْقَدِيمَة وَلَيْسَت بمغنية لاخْتِلَاف الحركات باتصال الأحقاب وَأَن مُطَابقَة حَرَكَة الْآلَة فِي الرصد بحركة الأفلاك وَالْكَوَاكِب إِنَّمَا هُوَ بالتقريب وَلَا يعْطى التَّحْقِيق فَإِذا طَال الزَّمَان ظهر تفَاوت ذَلِك بالتقريب وَهَذِه الْهَيْئَة صناعَة شريفة وَلَيْسَت على مَا يفهم فِي الْمَشْهُور أَنَّهَا تُعْطِي صُورَة السَّمَوَات وترتيب الأفلاك وَالْكَوَاكِب بِالْحَقِيقَةِ بل إِنَّمَا تُعْطِي أَن هَذِه الصُّور والهيئات للأفلاك لَزِمت عَن هَذِه الحركات وَأَنت تعلم أَنه لَا يبعد أَن يكون الشَّيْء الْوَاحِد لَازِما لمختلفين وَإِن قُلْنَا أَن الحركات لَازِمَة فَهُوَ اسْتِدْلَال باللازم على وجود الْمَلْزُوم وَلَا ايعطى الْحَقِيقَة بِوَجْه على أَنه علم جليل وَهُوَ أحد أَرْكَان التعاليم
وَمن أحسن التآليف فِيهِ كتاب المجسطي مَنْسُوب لبطليموس وَلَيْسَ من مُلُوك اليونان الَّذين أَسمَاؤُهُم بطليموس على مَا حَقَّقَهُ شرَّاح الْكتاب وَقد اخْتَصَرَهُ الْأَئِمَّة من حكماء الْإِسْلَام كَمَا فعله ابْن سينا وأدرجه فِي تعاليم الشِّفَاء ولخصه ابْن رشد أَيْضا من حكماء الأندلس وَابْن السَّمْح وَابْن الصَّلْت فِي كتاب الإقتصار
ولإبن الفرغاني هَيْئَة ملخصة قربهَا وَحذف براهينها الهندسية وَالله علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم سُبْحَانَهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ رب الْعَالمين
وَمن فروعه علم الأزياج وَهِي صناعَة حسابية على قوانين عددية فِيمَا يخص كل كَوْكَب من طَرِيق حركته وَمَا أدّى إِلَيْهِ برهَان الْهَيْئَة فِي وَضعه من سرعَة وبطء واستقامة وَرُجُوع وَغير ذَلِك يعرف بِهِ مَوَاضِع
الْكَوَاكِب فِي أفلاكها لأي وَقت فرض من قبل حسبان حركاتها على تِلْكَ القوانين المستخرجة من كتب الْهَيْئَة ولهذه الصِّنَاعَة قوانين كالمقدمات وَالْأُصُول لَهَا فِي معرفَة الشُّهُور وَالْأَيَّام والتواريخ الْمَاضِيَة وأصول متقررة من معرفَة الأوج والحضيض والميول وأصناف الحركات واستخراج بَعْضهَا من بعض يضعونها فِي جداول مرتبَة تسهيلا على المتعلمين وَتسَمى الأزياج وَيُسمى اسْتِخْرَاج مَوَاضِع الْكَوَاكِب للْوَقْت الْمَفْرُوض لهَذِهِ الصِّنَاعَة تعديلا وتقويما وَلِلنَّاسِ فِيهِ تآليف كَثِيرَة للْمُتَقَدِّمين والمتأخرين مثل الْبنانِيّ وَابْن الكماد وَقد عول الْمُتَأَخّرُونَ لهَذَا الْعَهْد بالمغرب على زيج مَنْسُوب لِابْنِ إِسْحَاق من منجمي تونس فِي أول الْمِائَة السَّابِعَة ويزعمون أَن ابْن إِسْحَاق عول فِيهِ على الرصد وَأَن يهودا كَانَ بصقلية ماهرا فِي الْهَيْئَة والتعاليم وَكَانَ قد عَنى بالرصد وَكَانَ يبْعَث إِلَيْهِ بِمَا يَقع فِي ذَلِك من أَحول الْكَوَاكِب وحركاتها فَكَانَ أهل الْمغرب لذَلِك عنوا بِهِ لوثائق مبناه على مَا يَزْعمُونَ ولخصه ابْن الْبناء فِي آخر سَمَّاهُ الْمِنْهَاج فولع بِهِ النَّاس لما سهل من الْأَعْمَال فِيهِ وَإِنَّمَا يحْتَاج إِلَى مَوَاضِع الْكَوَاكِب من الْفلك لتبتني عَلَيْهَا الْأَحْكَام النجومية وَهُوَ معرفَة الْآثَار الَّتِي تَتَحَدَّث عَنْهَا بأوضاعها فِي عَالم الْإِنْسَان من الْملك والدول والمواليد البشرية كَمَا بَينه ابْن خلدون وأوضح فِيهِ أدلتهم وَالله الْمُوفق لما يُحِبهُ ويرضاه وَلَا معبود سواهُ