الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فرويت رمحي من كتيبة خالد وإني لأرجو بعدها أن أعمرا ثم أسلم، وجعل يعتذر. ويجحد أن يكون قال البيت المتقدم.
فلما كان زمن عمر رضي الله عنه قدم المدينة، وأناخ راحلته بصعيد بني قريظة ثم أتى عمر - وهو يقسم بين الفقراء - فقال يا أمير المؤمنين أعطني. فإني ذو حاجة. فقال من أنت؟ قال أنا أبو شجرة. قال يا عدو الله ألست الذي تقول: فرويت رمحي - البيت؟ عمر سوء. والله ما عشت لك يا خبيث. ثم جعل يعلوه بالدرة على رأسه حتى سبقه عدوا، وعمر في طلبه حتى أتى راحلته فارتحلها. ثم اشتد بها في حرة شوران فما استطاع أن يقرب عمر حتى توفي.
وكان إسلامه لا بأس به. وكان إذا ذكر عمر ترحم عليه ويقول: ما رأيت أحدا أهيب من عمر رضي الله عنه.
[ذكر ردة أهل البحرين]
ذكر ردة أهل البحرين قال عيسى بن طلحة: لما ارتدت العرب - بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كسرى: من يكفيني أمر العرب؟ فقد مات صاحبهم وهم الآن يختلفون بينهم إلا أن يريد الله بقاء ملكهم فيجتمعون على أفضلهم.
قالوا: ندلك على أكمل الرجال مخارق بن النعمان ليس في الناس مثله. وهو من أهل بيت دانت لهم العرب، وهؤلاء جيرانك، بكر بن وائل.
فأرسل إليهم. وأخذ منهم ستمائة الأشرف فالأشرف.
وارتد أهل هجر عن الإسلام. فقام الجارود بن المعلى في قومه فقال:
ألستم تعلمون ما كنت عليه من النصرانية؟ وإني لم آتكم قط إلا بخير وإن الله تعالى بعث نبيه ونعى له نفسه فقال: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30](1) وقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران: 144]- الآية (2) .
وفي لفظ أنه قال: ما شهادتكم على موسى؟ قالوا: نشهد أنه رسول الله. قال: فما شهادتكم على عيسى؟ قالوا: نشهد أنه رسول الله قال وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. عاش كما عاشوا، ومات كما ماتوا. وأتحمل شهادة من أبى أن يشهد على ذلك منكم. فلم يرتد من عبد القيس أحد.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استعمل أبان بن سعيد على البحرين. وعزل العلاء ابن الحضرمي. فقال: أبلغوني مأمني فأشهد أمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحيا بحياتهم وأموت بموتهم.
فقالوا: لا تفعل فأنت أعز الناس علينا، وهذا علينا وعليك فيه مقالة يقال: فر من القتال. فأبى. وانطلق في ثلاثمائة رجل يبلغونه المدينة.
فقال له أبو بكر رضي الله عنه: ألا ثبت مع قوم لم يبدلوا ولم يرتدوا؟ .
فقال: ما كنت لأعمل لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فدعا أبو بكر العلاء بن الحضرمي. فبعثه إلى البحرين في ستة عشر راكبا، وقال امض فإن أمامك عبد القيس فسار. ومر بثمامة بن أثال فأمده برجال من قومه بني سحيم ثم لحق به.
فنزل العلاء بحصن يقال له جواثا، وكان مخارق قد نزل بمن معه من بكر ابن وائل حصن المشقر - حصن عظيم لعبد القيس - فسار إليهم العلاء، فيمن اجتمع إليه. فقاتلهم قتالا شديدا، حتى كثر القتلى في
(1) الآية (30) من سورة الزمر.
(2)
من الآية (144) من سورة آل عمران.
الفريقين والجارود بن المعلى بالخط (1) يبعث البعوث إلى العلاء.
وبعث مخارق الحطم بن شريح (2) - أحد بني قيس بن ثعلبة - مرزبان الخط يستمده فأمده بالأساورة. فنزل الحطم ردم القداح - وكان حلف أن لا يشرب الخمر حتى يرى هجرا - وأخذ المرزبان الجارود رهينة عنده.
وسار الحطم وأبجر العجلي حتى حصروا العلاء بجواثا. فقال عبد الله بن حذف، وكان من صالحي المسلمين:
ألا أبلغ أبا بكر رسولا
…
وسكان المدينة أجمعينا
فهل لكمو إلى نفر يسير
…
قعود في جواثا محصرينا
كأن دماءهم في كل فج
…
شعاع الشمس يغشى الناظرينا
توكلنا على الرحمن إنا
…
وجدنا النصر للمتوكلينا
فمكثوا على ذلك محصورين فسمع العلاء وأصحابه ذات ليلة لغطا في العسكر فقالوا: لو علمنا أمرهم؟ فقال عبد الله بن حذف: أنا أعلم لكم علمهم فدلوه بحبل. فأقبل حتى يدخل على أبجر العجلي - وأمه منهم - قال ما جاء بك؟ لا أنعم الله بك عينا.
قال جاء بي الضر والجوع وأردت اللحاق بأهلي، فزودني. فقال أفعل على أني أظنك والله غير ذلك. بئس ابن الأخت أنت سائر الليلة. فزوده وأعطاه نعلين. وأخرجه من العسكر وخرج حتى برز. فمضى كأنه لا يريد الحصن حتى أبعد. ثم عطف. فأخذ بالحبل فصعد.
(1) بفتح الخاء: أرض تنسب إليها الرماح الخطية، وهو خط عمان، وذلك السيف كله يسمى الخط، ومن قرى الخط: القطيف، والعقير، وقطر.
(2)
وعند ابن جرير: الحطم بن ضبيعة أخو بني قيس بن ثعلبة.
فقالوا: ما وراءك؟ قال: تركتهم سكارى، وقد نزل بهم تجار معهم خمر، فاشتروا منهم. فإن كان لكم بهم حاجة فالليلة.
فنزلوا إليهم. فبيتوهم فقتلوهم. فلم يفلت منهم أحد.
ووثب الحطم فوضع رجله في الركابات وجعل يقول: من يحملني؟ فسمعه عبد الله (1) بن حذف. فأقبل يقول: أبا ضبيعة؟ قال: نعم. قال: أنا أحملك، فلما دنا منه قتله. وقطعت رجل أبجر العجلي. فمات منها.
وانهزم فلهم فاعتصموا بمفروق الشيباني.
ثم سار العلاء إلى مدينة دارين فقاتلهم قتالا شديدا، وضيق عليهم. فلما رأى ذلك مخارق ومن معه قالوا: إن خلوا عنا رجعنا من حيث جئنا.
فشاور العلاء أصحابه فأشاروا بتخليتهم. فخرجوا فلحقوا ببلادهم. وطلب أهل دارين الصلح. فصالحهم العلاء على ثلث ما في أيديهم من أموالهم وما كان خارجا منها فهو له.
وطفقت بكر بن وائل تنادي: يا عبد القيس أتاكم مفروق في جماعة بكر بن وائل. فقال عبد الله بن حذف:
لا توعدونا بمفروق وأسرته
…
إن يأتنا يلق منا سنة الحطم
فالنخل ظاهرها خيل وباطنها
…
خيل تكدس بالفرسان في النعم
وإن ذا الحي من بكر وإن كثروا
…
لأمة داخلون النار في أمم
(1) وعند ابن جرير: أن عفيف بن المنذر قطع فخذه، ولم يجهز عليه، وأن قيس بن عاصم هو الذي أجهز عليه.
ثم سار العلاء إلى الخط، حتى نزل إلى الساحل فجاءه نصراني فقال ما لي إن دللتك على مخاضة تخوض منها الخيل إلى دارين؟ قال وما تسألني؟ قال أهل بيت بدارين قال. هم لك.
فخاض به. فظفر بهم عنوة وسبى أهلها.
وقيل: حبس لهم البحر خاضوه وكانت تجري فيه السفن قبل. ثم جرت بعد.
ويروى: أن العلاء وأصحابه جأروا إلى الله وتضرعوا إليه في حبس البحر فأجاب الله دعاءهم. وكان دعاؤهم " يا أرحم الراحمين. يا كريم يا حليم يا أحد يا صمد يا حي يا محيي الموتى، يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت يا ربنا " فأجازوا ذلك الخليج بإذن الله جميعا يمشون على مثل رملة. فقال عفيف بن المنذر في ذلك:
ألم تر أن الله ذلل بحره
…
وأنزل بالكفار إحدى الجلائل
دعونا الذي شق البحار فجاءنا
…
بأعظم من فلق البحار الأوائل
ولما رأى ذلك أهل الردة من أهل البحرين، صالحوا على ما صالح عليه أهل هجر.
ولما ظهر العلاء على أهل الردة والمجوس: بعث رجالا من عبد القيس إلى أبي بكر رضي الله عنه. فنزلوا على طلحة والزبير رضي الله عنهما. وأخبروهما بقيامهم في أهل الردة. ثم دخلوا على أبي بكر وحضر طلحة والزبير. فقالوا: يا خليفة رسول الله، إنا قوم أهل إسلام. وليس شيء أحب إلينا من رضاك. ونحن نحب أن تعطينا أرضا من البحر وطواحين.