الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ربما طلب من الآيات - التي يقترحون - رغبة منه في إيمانهم فيجاب بأنها: لا تستلزم الهدى. بل توجب عذاب الاستئصال لمن كذب بها.
[سؤالهم الآيات]
سؤالهم الآيات واللَّه سبحانه قد يظهر الآيات الكثيرة. مع طبعه على قلب الكافر كفرعون قال تعالى {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا} [الأنعام: 109]- إلى قوله - {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} [الأنعام: 111](1) وقال تعالى {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} [الإسراء: 59]- الآية (2) .
بين سبحانه وتعالى: أنه إنما منعه أن يرسل بها إلا أن كذب بها الأولون فإذ كذب هؤلاء كذلك استحقوا عذاب الاستئصال. وروى أهل التفسير وأهل الحديث عن ابن عباس. قال «سأله أهل مكة أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي عنهم الجبال حتى يزرعوا. فقيل له إن شئت نستأني بهم وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا هلكوا، كما هلك من قبلهم. فقال بل أستأني بهم فأنزل اللَّه {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} [الإسراء: 59] » - الآية.
وروى ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية. قال رحمة لكم أيها الأمة إنا لو أرسلنا بالآيات فكذبتم بها: أصابكم ما أصاب من قبلكم. وكانت الآيات تأتيهم آية بعد آية. فلا يؤمنون بها قال تعالى {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} [يس: 46]- الآيات (3) .
(1) الآيات من 109 - 111 من سورة الأنعام.
(2)
آية 59 من سورة الإسراء.
(3)
الآيات من 4 - 6 من سورة الأنعام.
أخبر سبحانه بأن الآيات تأتيهم فيعرضون عنها، وأنهم سيرون صدق ما جاءت به الرسل كما أهلك اللَّه من كان قبلهم بالذنوب التي هي تكذيب الرسل فإن اللَّه سبحانه وتعالى يقول {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا} [القصص: 59]- الآية (1) وأخبر بشدة كفرهم بأنهم لو أنزل عليهم كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لكذبوا به وبين سبحانه أنه لو جعل الرسول ملكا لجعله على صورة الرجل. إذ كانوا لا يستطيعون أن يروا الملائكة في صورهم التي خلقوا عليها. وحينئذ يقع اللبس عليهم لظنهم الرسول بشرا لا ملكا.
وقال تعالى {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا} [الإسراء: 90]- الآيات (2) . وهذه الآيات لو أجيبوا إليها، ثم لم يؤمنوا: لأتاهم عذاب الاستئصال وهي لا توجب الإيمان بل إقامة للحجة والحجة قائمة بغيرها. وهي أيضا مما لا يصلح فإن قولهم {حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا} [الإسراء: 90] يقتضي تفجيرها بمكة فيصير واديا ذا زرع واللَّه سبحانه وتعالى قضى بسابق حكمته أن جعل بيته بواد غير ذي زرع لئلا يكون عنده ما ترغب النفوس فيه من الدنيا. فيكون حجهم للدنيا.
وإذا كان له جنة من نخيل وعنب كان في هذا من التوسع في الدنيا ما يقتضي نقص درجته.
(1) آية 59 من سورة القصص.
(2)
الآيات من 90 - 96 من سورة الإسراء.
وكذلك إذا كان له قصر من زخرف. وهو الذهب. أما إسقاط السماء كسفا: فهذا لا يكون إلا يوم القيامة. وأما الإتيان باللَّه والملائكة قبيلا،: فهذا لما سأل قوم موسى موسى ما هو دونه أخذتهم الصاعقة. وقال تعالى {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ} [النساء: 153]- الآيات (1) .
بين سبحانه أن المشركين وأهل الكتاب سألوه إنزال كتاب من السماء وبين أن الطائفتين لا يؤمنون إذا جاءهم ذلك وأنهم إنما سألوه تعنتا، فقال عن المشركين {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ} [الأنعام: 7]- الآية (2) .
وقال عن أهل الكتاب {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ} [النساء: 153]- إلى قوله - {مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 154](3) فهم - مع هذا - نقضوا الميثاق وكفروا بآيات اللَّه وقتلوا النبيين. فكان فيه من الاعتبار أن الذين لا يهتدون إذا جاءتهم الآيات المقترحة لم يكن في مجيئها منفعة لهم بل فيها وجوب عقوبة عذاب الاستئصال إذا لم يؤمنوا، وتغليظ الأمر عليهم. كما قال تعالى {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا} [النساء: 160] الآية (4) .
ولما طلب الحواريون من المسيح المائدة كانت من الآيات الموجبة لمن كفر بها عذابا، لم يعذب اللَّه به أحدا من العالمين. وكان قبل نزول التوراة يهلك اللَّه المكذبين بالرسل بعذاب الاستئصال عاجلا. وأظهر آيات كثيرة
(1) الآيات من 153 - 161 من سورة النساء.
(2)
آية 7 من سورة الأنعام.
(3)
من الآية 153 ومن الآية 154 من سورة النساء.
(4)
آية 160 من سورة النساء.
لما أرسل موسى ليبقى ذكرها في الأرض. إذ كان بعد نزول التوراة لم يهلك أمة بعذاب الاستئصال. كما قال تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى} [القصص: 43](1) بل كان بنو إسرائيل لما كانوا يفعلون ما يفعلون - من الكفر والمعاصي - يعذب اللَّه بعضهم ويبقي بعضهم إذ كانوا لا يتفقون على الكفر ولم يزل في الأرض منهم أمة باقية على الصلاح. قال تعالى {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ} [الأعراف: 168]- الآية (2) وقال {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113]- الآيتين (3) .
وكان من حكمته تعالى ورحمته - لما أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم المرسلين - ألا يهلك قومه بعذاب الاستئصال بل عذب بعضهم بأنواع العذاب كالمستهزئين الذين قال اللَّه فيهم {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر: 95]- الآيات (4) . والذي دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يسلط عليه كلبا من كلابه فافترسه الأسد كما قال تعالى {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ} [التوبة: 52]- الآية (5) . فأخبر سبحانه أنه يعذب الكفار تارة بأيدي المؤمنين بالجهاد والحدود وتارة بغير ذلك.
فكان ذلك مما يوجب إيمان أكثرهم كما جرى لقريش
(1) آية 43 من سورة القصص.
(2)
آية 168 من سورة الأعراف.
(3)
الآيتان 113 - 114 من سورة آل عمران.
(4)
الآيات 95 - 99 من سورة الحجر.
(5)
آية 52 من سورة براءة.
وغيرهم. فإنه لو أهلكهم لبادوا، وانقطعت المنفعة بهم ولم يبق لهم ذرية تؤمن بخلاف ما عذبهم به من الإذلال والقهر فإن في ذلك ما يوجب عجزهم والنفوس إذا كانت قادرة على كمال أغراضها، فلا تكاد تنصرف عنها. بخلاف عجزها عنها. فإنه يدعوها إلى التوبة كما قيل من العصمة ألا تقدر ولهذا آمن عامتهم. وقد ذكر اللَّه في التوراة لموسى:
" إني أقسي قلب فرعون. فلا يؤمن بك لتظهر آياتي وعجائبي ".
بين أن في ذلك من الحكمة انتشار آياته الدالة على صدق أنبيائه في الأرض إذ كان موسى أخبر بتكليم اللَّه له وبكتابة التوراة له فأظهر له من الآيات ما يبقى ذكره في الأرض. وكان في ضمن ذلك من تقسية قلب فرعون ما أوجب هلاكه وهلاك قومه. وفرعون كان جاحدا للصانع. فلذلك أوتي موسى من الآيات ما يناسب حاله.
وأما بنو إسرائيل - مع المسيح - فكانوا مقرين بالكتاب الأول. فلم يحتاجوا إلى مثل ما احتاج إليه موسى. ولم يكن محتاجا إلى جنس تقرير النبوة إذ كانت الرسل قبله جاءت بما يثبت ذلك. وإنما الحاجة إلى تثبيت نبوته. ومع هذا فقد أظهر اللَّه على يديه من الآيات مثل آيات من قبله وأعظم ومع هذا لم يأت بآيات الاستئصال. بل بين اللَّه في القرآن أنها لا تنفعهم بل تضرهم. لأنه علم أن قلوبهم كقلوب الأولين. كما قال تعالى {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ - أَتَوَاصَوْا بِهِ} [الذاريات: 52 - 53]- الآية (1)
(1) الآية 52 ومن الآية 53 من سورة الذاريات.
وقال تعالى {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} [البقرة: 118]- الآية (1) وقال تعالى {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ} [القمر: 43](2) ؟ - الآية وسورة اقتربت التي ذكر فيها انشقاق القمر وإعراضهم عن الآيات وقولهم {سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 2](3) وقال فيها {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} [القمر: 4](4) . أي يزجرهم عن الكفر زجرا شديدا، إذ كان في تلك الأنباء صدق الرسل والإنذار بالعذاب الذي وقع بالمتقدمين. ولهذا يقول عقيب كل قصة {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: 16] أي عذابي لمن كذب رسلي، وإنذاري لهم بذلك قبل مجيئه.
ثم قال {أَكُفَّارُكُمْ} [القمر: 43] أيتها الأمة {خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ} [القمر: 43] الذين كذبوا الرسل من قبلكم {أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ - أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ} [القمر: 43 - 44](5) وذلك أن كونكم تعذبون مثلهم. إما لكونكم لا تستحقون ما استحقوا، أو لكون اللَّه أخبر أنه لا يعذبكم فهذا بالنظر إلى فعل اللَّه. وأما بالنظر إلى قوة الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه. فيقولون {نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ} [القمر: 44] فإنهم أكثر وأقوى، كما قالوا {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [مريم: 73]- إلى قوله - {أَثَاثًا وَرِئْيًا} [مريم: 74](6)
(1) آية 118 من سورة البقرة.
(2)
آية 43 من سورة القمر.
(3)
آية 4 من سورة القمر.
(4)
آية 16 من سورة القمر.
(5)
الآيتان 43 - 44 من سورة القمر.
(6)
من الآية 73 ومن الآية 74 سورة مريم.
أي أموالا ومنظرا.
فقال تعالى {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45](1) . أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بهزيمتهم وهو بمكة في قلة الأتباع وضعف منهم. ولا يظن أحد - قبل أن يهاجر - بالعادة المعروفة أن أمره يعلو، ويقاتلهم. فكان كما أخبر. وذلك ببدر وتلك سنة اللَّه. كما قال تعالى {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ} [الفتح: 23] الآية (2) -. وحيث يظهر الكفار ويغلبون فإنما يكون ذلك لذنوب المؤمنين التي أوجبت نقص إيمانهم فإذا تابوا نصرهم اللَّه كما قال تعالى {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139](3) فإذا كان من تمام الحكمة والرحمة ألا يهلكهم بالاستئصال كالذين من قبلهم قال تعالى {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} [القمر: 43](4) كان لا يأتي بموجب ذلك مع إتيانه سبحانه بما يقيم الحجة أكمل في الحكمة والرحمة إذ كان ما أتى به حصل به كمال الهدى والحجة وما امتنع منه دفع من عذاب الاستئصال ما أوجب بقاء جمهور الأمة حتى يهتدوا ويؤمنوا.
وكان في إرسال خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم من الحكمة البالغة والمنن السابغة ما لم يكن في رسالة غيره. صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين.
(1) آية 45 من سورة القمر.
(2)
آية 23 من سورة الفتح.
(3)
آية 139 من سورة آل عمران.
(4)
آية 43 من سورة القمر.