الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مبحث فى: التفسير بالمأثور
التفسير بالمأثور هو التفسير المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو الصحابة، أو التابعين، فهو يشمل تفسير هذه الأجيال الثلاثة من حملة العلم ونقلته.
فهو إذا جزء من علم رواية الحديث سواء كان مرفوعا إلى النبى صلى الله عليه وسلم، أو موقوفا على الصحابى، أو مقطوعا على التابعى.
ويشترط فيه ما يشترط فى علم الحديث من ضوابط النقل وصحته.
مراحل التفسير بالمأثور:
يعتبر التفسير بالمأثور أهم أنواع التفاسير على الإطلاق إذا صحت روايته ونقله، وسلمت ضوابطه من عدالة الناقل، وصحة النقل متنا وسندا.
ولا يعدل عن هذا التفسير إلى سواه مع وجوده، وسلامة نقله إلى غيره من أنواع التفسير الأخرى.
هذا وقد مرّ التفسير بالمأثور بعدة مراحل:
أ- المرحلة الأولى: هى مرحلة الرواية والتلقى مشافهة من صدور الشيوخ إلى عقول التلاميذ وهذه المرحلة هى المرحلة الطبيعية فى حياة الأمة الإسلامية الأولى، إذ كان علم التفسير ناشئا فى أحضان علم الحديث حيث لم يكن ثمة علم يومئذ غير علم الحديث.
ومعلوم للباحثين أن الأمة الإسلامية ظلت مأمورة بعدم التدوين والكتابة إلا للقرآن الكريم وحده. فظل تدوين «ما عدا القرآن» محصورا فى نطاق ضيق جدا يقتصر على بعض الأفراد الذين كانوا يسجلون ما يتلقونه من صدور الرجال فى نطاقه المحدود هذا ومع التحرج والتأثم للنهى الوارد عن المعصوم صلى الله عليه وسلم حيث قال:
1 -
«لا تكتبوا عنى شيئا ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه» .
2 -
وما نقل عن أبى سعيد الخدرى- رضى الله عنه- وقد سأله سائل أن يكتب له شيئا من الحديث: «لا نكتبكم ولا نجعلها مصاحف، احفظوا كما كنا نحفظ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وقد كان هذا هو حال الأمة الإسلامية فى شأن «التدوين» وهو المنع بصورة «رسمية» من تدوين غير القرآن حيث كان التدوين مقصورا على القرآن الكريم وحده.
واستمر الحال على ذلك حتى مع وجود بعض النصوص المجيزة للكتابة من مثل قوله صلى الله عليه وسلم:
1 -
قيدوا العلم بالكتابة.
2 -
قيد العلم الكتاب.
3 -
اكتبوا فو الله ما صدر منى إلا حقا.
إذا هذه النصوص أخذها بعض الصحابة والتابعين على محمل خاص ومحدود للغاية، وأن الإذن بها كان لضرورة خاصة كالمعاهدات، والكتب إلى الملوك، أو الإذن لكاتب معين معروف بالتنسيق وحسن الترتيب وجودة الخط كعبد الله بن عمرو بن العاص.
واستمر الامتناع عن الكتابة طبع الورعين الوجلين من الوقوع فى محظور النهى عن الكتابة واكتفى حملة العلم بنقله مشافهة من الصدور إلى الصدور حتى زمن الخليفة الأموى الراشد عمر بن عبد العزيز- يرحمه الله تعالى- (99 هـ- 101 هـ).
خشى عمر بن عبد العزيز- يرحمه الله- ضياع العلم بموت الصحابة وكبار
التابعين، كما بدأت بوادر الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم تظهر بعد ما انساح العرب فى بلاد الأعاجم نتيجة الفتوحات ودخول بعض رؤساء الأديان فى الإسلام دغلا وحقدا لا إيمانا وتصديقا وهؤلاء بدأت أحقادهم على الإسلام تفرخ بيضتها.
فما كان من عمر بن عبد العزيز- يرحمه الله- إلا أن كلف ابن شهاب الزهرى بجمع الحديث وتدوينه وكان هذا أول أمر «رسمى» بتدوين العلم وكتابته.
فانصاع ابن شهاب الزهرى لهذا الأمر مع تحرجه واعتذاره بقوله: «والله لولا أن عمر بن عبد العزيز أمرنا بالكتابة ما كتبت» .
وقد استمرت مرحلة الرواية هذه حتى طالت ثلاثة أجيال هى:
1 -
جيل الصحابة.
2 -
جيل التابعين.
3 -
جيل تابعى التابعين.
غير أن بداية «الإذن الرسمى» الذى أصدره عمر بن عبد العزيز كان فى بداية أواسط جيل التابعين حيث استمر الغالب فى نقل العلم على المشافهة- مع وجود الإذن بالكتابة- وقد كانت المشافهة هى السمة الغالبة فشملت جيل أواسط التابعين ثم صغار التابعين- ثم بداية تابعى التابعين فى أول العصر العباسى. وفى هذه المرحلة المباركة كانت مصادر التفسير هى:
1 -
تفسير القرآن بالقرآن.
2 -
الحديث النبوى الشريف.
3 -
اجتهاد الصحابة: وكان هذا الاجتهاد مبنيا على:
أ- اللغة. ب- قوة الاستنباط من النّص القرآنى والقدرة عليه بما كان يملكه علماء الصحابة فى التفسير من الملكة الشخصية، ورؤية التنزيل.
4 -
كما كان هناك مصدر رابع لا يستهان به وإن لم يكن أساسيا إلا وهو:
الرجوع إلى «مسلمة أهل الكتاب» من اليهود والنصارى.
ب- المرحلة الثانية: وهى مرحلة التدوين والكتابة: وهذه المرحلة بدأت منذ أن أصدر عمر بن عبد العزيز أوامره بالتدوين فى أول القرن الثانى الهجرى وظلت ممتدة إلى عصرنا الحاضر، فهى إذا مرحلة عظيمة وهامة إذ تميزت بظاهرتين هامتين:
الأولى: استقرار التفسير بالمأثور فى بطون المدونات التفسيرية، مما حفظ لنا هذا التفسير بأسانيده، وطرقه، ومروياته، ورواته فى هذه المدونات العظيمة فبقيت إلى يومنا هذا، وإلى قيام الساعة إن شاء الله تعالى.
وأصبح فى متناول كل باحث أن يطلع على ما فسّره النبى صلى الله عليه وسلم من آى القرآن وما فسره الصحابة الذين كانوا على علم بالتفسير وأهمهم الأربعة المكثرون من التفسير وهم: ابن عباس، وابن مسعود، وعلى بن أبى طالب، وأبىّ بن كعب، وهم الذين قامت على أكتافهم فيما بعد مدارس التفسير المشهورة فى الأقاليم الإسلامية وهى: مكة، والمدينة، والعراق.
الثانية: اكتشاف أى دخيل على هذا اللون من ألوان التفسير بمجرد قراءة «المروية التفسيرية» والنظر فى رجالها، ونصّها، وذلك بالرجوع إلى السجلات الضابطة لتواريخ الرجال ومعرفة أحوالهم من صحة الرواية جرحا أو تعديلا.
وأهم المدونات التفسيرية التى سجلت لنا المرويات التفسيرية عن الأجيال الثلاثة المباركة هى:
1 -
جامع البيان فى تفسير القرآن لابن جرير الطبرى.
2 -
معالم التنزيل لأبى محمد بن الحسين البغوى.
3 -
بحر العلوم لأبى الليث السمرقندى.
4 -
تفسير القرآن العظيم لأبى الفداء الحافظ ابن كثير.
5 -
الدر المنثور فى التفسير بالمأثور لجلال الدين السيوطى.
وهناك مدونات أخرى غير هذه أيضا، كما أن منها ما جمع التفسير بالمأثور وحده فنقل التفسير بالرواية والأسانيد على ترتيب المصحف دون أن يدخل فيه شيئا من الاجتهاد أو اللغة، أو النحو أو الأحكام كتفسير السيوطى، ومنها ما كان جامعا للمأثور والاجتهاد المحمود معا كتفسير الطبرى، ومنها ما حذف أسانيد الرواية، وأوقفها فقط على من صدرت عنه مباشرة.
غير أن ما ينبغى الإشارة إليه أن مرحلة التدوين للمأثور مرت «داخليا» هى الأخرى بأدوار أهمها ما يلى:
1 -
دور التبعية لعلم الحديث: حيث بدأ التدوين لعلم الحديث إذ سبق أن قلنا بأنه حتى بداية العصر العباسى لم يكن ثمة علم يومئذ غير علم الحديث، حتى أن لفظ «العلم» فى هذه الفترة التاريخية لم يكن يعرف إلا أنه علم الحديث. فبدأ جمع الحديث من صدور الحفظة إلى سطور الكراريس. ولما انتهت مرحلة الجمع من الصدور إلى السطور وفيها أحاديث ذات موضوعات شتى فمنها أحاديث تتعلق بالأحكام من طهارة، وصلاة، وآذان، وحج، وزكاة، وصوم، وبيع، وسلم، وصرف، ومزارعة، ومصانعة، وزواج، وطلاق، وحرب، وسلم، وأسرى، وتقاض.
ومنها ما يتعلق بالتفسير وبيان مراد الله- تعالى- من كلامه المنزل على رسوله الكريم كأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ وغيرها. وهكذا جمعت الدواوين ما حفظته الصدور.
فلما عرف الناس التدوين عرفوا التبويب والتهذيب. فبدءوا يضمون الأحاديث ذوات الموضوع الواحد تحت باب واحد، والأبواب المتشابهة فى علم واحد تحت كتاب واحد، فهذا كتاب فى الطهارة يحتوى على أبوابها، وهذا كتاب فى التفسير يحتوى على سور القرآن وما قيل فى كل سورة من مأثور القول. وفى هذه المرحلة
انجمع علم التفسير فى باب مستقل داخل كتب الحديث ومصنفاته وأشهر من أفرد أبواب التفسير فى كتب المرويات الحديثة هم بالترتيب الزمنى:
1 -
يزيد بن هارون السلمى المتوفى سنة 117 هـ.
2 -
شعبة بن الحجاج المتوفى سنة 160 هـ.
3 -
وكيع بن الجراح المتوفى سنة 197 هـ.
4 -
روح بن عبادة المتوفى سنة 205 هـ.
5 -
عبد الرزاق بن همام المتوفى سنة 211 هـ.
6 -
آدم بن إياس المتوفى سنة 220 هـ.
7 -
عبد بن حميد المتوفى سنة 249 هـ.
2 -
دور الاستقلال عن علم الحديث: وفى هذه المرحلة استقلت الأحاديث المنجمعة فى كتب الحديث تحت عنوان «باب فى التفسير» أو تحت عنوان «كتاب التفسير» وصارت فى كتب مستقلة، ومصنفات خاصة عرفت ب «التفسير المأثور» .
واستمر هذا الدور من الثلث الأخير للقرن الثالث الهجرى إلى العقد الأول من القرن الهجرى.
وعزى جمع التفسير بالمأثور فى هذا الدور إلى ثلّة من العلماء كلهم من أهل الرواية الحديثية كما كان الحال فى الدور الأول دور التبعية لعلم الحديث.
وأشهر من جمع تفاسير مستقلة فى مصنفات فى هذا الدور هم حسب الترتيب الزمنى لوفياتهم:
1 -
ابن ماجة المتوفى سنة 273 هـ.
2 -
ابن جرير الطبرى المتوفى سنة 310 هـ.
3 -
أبو بكر النيسابورى المتوفى سنة 318 هـ.
4 -
ابن أبى حاتم المتوفى سنة 327 هـ.
5 -
ابن حبان المتوفى سنة 369 هـ.
6 -
الحاكم النيسابورى المتوفى سنة 405 هـ.
7 -
ابن مردويه المتوفى سنة 410 هـ.
3 -
دور اختصار الإسناد، أو حذفه نهائيا: وفى هذا الدور خلا التفسير بالمأثور من ذكر السند، وبقيت المتون دون عزو لقائل، وأصبح الإسناد موقوفا على أعلى راو فى السند دون ذكر بقية الرواة.
وهذا أدى إلى أول مدرج من مدارج الوضع فى التفسير، كما كان أول إلباس يدخله مصنفو هذه الكتب على قارئيها فى هذا الدور بحيث ظنّ ما ليس بصحيح صحيحا. بل أصبح الأمر أكثر خطورة إذ نقلت الإسرائيليات فى هذه الكتب خالية من نقلتها، فأخذت على أنها حقائق تفسيرية ثابتة ومقطوع بها. إلى جانب أن مصنفى هذا الدور لم يحرروا المسائل التى قطع بالتفسير فيها إذ المعلوم أن ما قطع بتفسيره عن الصدر الأول لا يحتاج بعد ذلك إلى من يفسره.
ومع انتقال الأمة من تحويل العملية التعليمية من مرحلة التعليم بواسطة «التلقى» إلى مرحلة التعليم بواسطة «التدوين» فإن هذه الخطوة الأخيرة أحدثت خللا خطيرا. إذ ما كاد الناس يستغنون عن «التلقى» إلى «التدوين» حتى استغنوا أيضا عن «الإسناد» إلى تصنيف الكتب فى التفسير دون عزو لقائل.
وهذا الخلل برمته فرّخ فى هذه المرحلة ثلاث ظواهر سلبية هى:
1 -
ظهور الإسرائيليات بشكل كبير، وعدّها كأنها حقائق ثابتة.
2 -
ظهور الوضع والكذب فى التفسير على غرار ما كان فى الحديث.
3 -
ظهور التفسير بالرأى.
***