الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والتداخل الذى التبس على بعض الناس هنا، أن النسخ لا يجوز لأنه يؤدى إلى البداء وهو أن يكون ثمة حكم ظهر لله تعالى بعد أن كان خافيا عليه، أو أنه أنشأ حكما جديدا كان يجهله- تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
والنسخ ليس كما ظن هؤلاء- وإنما هذا زعم اليهود ابتداء- إنما النسخ والمنسوخ أصلا فى علم الله ابتداء ظاهرة لديه لم يخف عليه منهما شىء، غاية ما هناك بالنسبة للمكلفين أن الله أظهر ما علمه لعباده- وهو عليم به- لا ظهور ذلك له، لحكمة يعلمها وهو أن الحكم المنسوخ منوط بحكمة أو مصلحة تنتهى فى وقت معلوم، كما علم- جل شأنه- أن الناسخ يجئ فى هذا الوقت المعلوم منوطا بحكمة ومصلحة معينة أخرى لتدرج أحوال المكلفين من الضعف إلى القوة، ومن السقم إلى الصحة.
(2) النسخ والتخصيص:
معنى التخصيص: هو أن تقصر الحكم على بعض الأفراد دون الجميع، أو هو:
قصر العام على بعض أفراده.
والتداخل هنا أن الذين توهموا أن النسخ يؤدى إلى البداء- بزعمهم- اخترعوا القول بالتخصيص للتخلص بدلا من القول بالنسخ، أى أن ما وقع فى القرآن من الآيات الناسخة إنما هى مخصصة للعموم فى ما ظنّ أنه منسوخ.
وهذا خلط تماما بين النسخ والتخصيص، والتخصيص أبدا لا يقوم مقام النسخ ولا يسد مسده لاعتبارات أهمها:
أولا: أن النسخ يجئ لإبطال حجية المنسوخ إمّا لجميع أفراده فيكون مبطلا للعام، أو مبطلا لبعض أفراده حسب الحكم الذى جاء به الناسخ.
أما التخصص فلا يبطل حجية العام (أى المنسوخ) أبدا، بل تظل حجية العام قائمة والمخصّص إنما هو بعض الأفراد فقط.
ثانيا: أن النسخ لا يقع إلا بالكتاب أو السنّة، والتخصيص يمكن أن يقع بالعقل والحسّ.
ثالثا: أن النسخ لا يكون إلا فى الأوامر والنواهى، بينما التخصيص يكون فى الأخبار.
رابعا: أن العام الذى يراد تخصيصه يشمل حكمه جميع الأفراد، وإخراج البعض منهم يكون على سبيل المجاز الذى لا بدّ له من قرينة لتخصيصه بينما النسخ على سبيل الحقيقة القاطعة.
من أجل هذا التوهم والالتباس وقع خلاف العلماء فى موضوع النسخ على أربعة آراء:
أصحاب الرأى الأول: ينكرون تماما النسخ فى الشرائع، ويعتبرون أنه «بداءة» أى ظهور مسألة عند الله كانت خافية عليه، وهو يؤدى إلى وقوع الجهالة على الله تعالى.
وهذه المسألة رغم أنها لبعض علماء المسلمين لكنها فى الأصل فكرة يهودية شاعت بين علمائهم وأحبارهم بغرض إثبات عدم إمكانية نسخ «التوراة» بعد نزولها. مع أنهم يقرون بأن شريعة موسى ناسخة لما قبلها كتحريم كثير من الحيوان على بنى إسرائيل بعد حلّه، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم فى قوله تعالى:
كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ (1).
(1) 93: آل عمران.
أصحاب الرأى الثانى: يثبتون النسخ على أنه وإن كان «بداء» فالبداء عندهم جائز على الله تعالى. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وهم الروافض، وقد استدلوا على ذلك بقوله تعالى يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ (1)، على أساس أن الآية تظهر لله المحو والإثبات، وهذا تحريف للمعنى الموجود فى الآية: إذ المعنى البين من الآية هو: ينسخ الله ما يستصوب نسخه، ويثبت بدله ما يرى فيه المصلحة فى إثباته: وهذا المعنى ثابت فى حالات كثيرة من القرآن كقوله تعالى:
إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ (2). ومحو الكفر والمعاصى بالتوبة.
أصحاب الرأى الثالث: يجيزون النسخ عقلا، ويمنعون وقوعه شرعا.
وهذا رأى أبى مسلم الأصفهانى: محمد بن بحر المعتزلى المتوفى سنة 322 هـ، وهو أول من قال بفكرة التخصيص بدلا من النسخ، واحتج بقوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (3).
ووجه استدلاله بها أنه جعلها على معنى أن أحكامه لا تبطل أبدا، مع أن المفهوم من الآية أن القرآن لم يتقدمه ما يبطله من الكتب، ولن يجئ بعده ما يبطله.
أصحاب الرأى الرابع: قالوا بجواز النسخ عقلا، ووقوعه شرعا.
أما الشرع: أ- فقوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4).
ب- ما ورد فى الصحيح عن ابن عباس- رضى الله عنهما- أن عمر-
(1) 39: الرعد.
(2)
114: هود.
(3)
42: فصلت.
(4)
106: البقرة.