الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مبحث فى: طرق معرفة أسباب النزول، ومصادره، وصيغته
إن مصادر علم أسباب النزول وطريق معرفته تتمثل فى:
النقل الصحيح عن مشاهدى الوحى، ومعاينى التنزيل، وهذا النقل له مصدران:
(أ) أن يكون الراوى صحابيا، فإذا كان كذلك كان سبب النزول مقبولا لأن رواية الصحابى المعاين للتنزيل له حكم المرفوع إلى النبى صلى الله عليه وسلم.
(ب) إذا جاءت الرواية مرسلة عن الصحابى (أى سقط منها الصحابى) فلا تقبل هذه الرواية إلا إذا قويت واعتضدت برواية أخرى ولو مرسلة.
وعلى هذا الأساس فلا مجال للأخذ بالاجتهاد والنظر فى هذا العلم وإنما مصدره الأساسى هو النقل المحرر عن الصحابة والتابعين.
صيغ أسباب النزول
للتعبير عن سبب النزول صيغتان:
الأول: أن يقول الصحابى:
1 -
سبب نزول هذه الآية كذا.
2 -
حدث كذا- أو سئل عليه الصلاة والسلام عن كذا فنزلت آية كذا فهذه الصيغة بشقيها نص صريح واضح فى سبب النزول.
الثانية: أن يقول الصحابى: «نزلت الآية فى كذا» فمعناه أن الآية هذه تتضمن هذا الحكم وليس هذا سبب نزولها.
والمعول عليه فى هذه الصيغة هو القرائن الدالة على السبب.
مبحث فى: تعارض الروايات فى سبب النزول
يرجع تعارض الروايات فى سبب النزول إلى تعددها وهو نوعان:
الأول: تعدد الروايات فى سبب نزول آية واحدة.
الثانى: تعدد الآيات فى سبب نزول واحد.
أما الأول: وهو تعدد الروايات فى سبب نزول آية واحدة؛ وهذه لها ثلاث صور:
(1)
الصورة الأولى: أن تكون الروايات الواردة فى سبب نزول الآية الواحدة كلها بصيغ غير صريحة فى سبب النزول كأن يقول كل راو: «نزلت هذه الآية فى كذا» أو «أحسبها نزلت فى كذا» .
فهذه الصورة لا تعارض فيها، لأن المراد بها التفسير وليس ذكر سبب النزول.
إلا فى حالة واحدة: وهى ما إذا قامت قرينة على أحد هذه الأسباب بأنه فى سبب النزول فحينئذ تتعين هذه الرواية من بين أخواتها لأن تتقدم على الأخريات.
(2)
الصورة الثانية: أن تكون الروايات المتعددة فى سبب نزول آية واحدة بعضها صريح الصيغة فى الدلالة على سبب النزول، وبعضها غير صريح، فحينئذ يتعين تقديم الرواية المصرحة بسبب النزول على غيرها.
ومثال ذلك قول الله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ (1).
فقد تعددت الروايات فى سبب نزولها بعضها مصرح بسببه كحديث جابر- رضى الله عنه- قال: «كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من خلفها فى قبلها جاء الولد أحول، فنزلت نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ (2).
وبعضها غير مصرح به كما جاء عن نافع قال: «قرأت ذات يوم نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فقال ابن عمر: أتدري فيم أنزلت هذه الآية؟ قلت: لا، قال: نزلت فى إتيان النساء فى أدبارهن» .
فهذه الصيغة من ابن عمر غير صريحة فى السببية، فتقدم رواية جابر لصراحتها بأسباب النزول.
(1) البقرة: 223.
(2)
أسباب النزول للواحدى ص 62.
(3)
الصورة الثالثة: أن تكون جميع الروايات الواردة فى سبب نزول الآية الواحدة كلها صريحة فى الدلالة على سبب نزول هذه الآية.
وهذه الصورة يتفرع عنها عدة صور منها:
1 -
أن تكون هذه الروايات المصرح بسبب نزولها أحدها صحيح دون الآخر وفى هذه الحالة يقدم الصحيح دونه.
ويمثل السيوطى بحديث جندب البجلى يرويه البخارى عنه قال:
أ- «اشتكى النبى صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثا، فأتته امرأة فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك، لم يقربك ليلتين أو ثلاثا، فأنزل الله: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (1).
ب- وأخرجه الطبرانى بسنده: «أن جروا دخل بيت النبى صلى الله عليه وسلم فدخل تحت السرير، فمات، فمكث النبى صلى الله عليه وسلم أربعة أيام لا ينزل عليه الوحى، فقال: يا خولة، ما حدث فى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ جبريل لا يأتينى فقلت فى نفسى: لو هيأت البيت وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فأخرجت الجرو، فجاء النبى صلى الله عليه وسلم ترعد لحيته، وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة، فأنزل الله وَالضُّحى إلى قوله فَتَرْضى).
* قال ابن حجر فى شرح البخارى: «قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة لكن كونها سبب نزول الآية غريب، وفى إسناده من لا يعرف، فالمعتمد ما فى الصحيحين (2).
2 -
أن تتساوى الروايات فى الصحة،
أ- وفى هذه الحالة يرجح أحد الروايات بكون راويها حاضر القصة مثلا.
ومثاله: ما ذكره السيوطى أيضا عن ابن مسعود- رضى الله عنه- قال: «كنت
(1) سورة الضحى.
(2)
الإتقان للسيوطى 1/ 91 - 92.
أمشى مع النبى صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو يتوكأ على حسيب فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم: لو سألتموه، فقالوا: حدثنا عن الروح، فقام ساعة ورفع رأسه فعرفت أنه يوحى إليه، حتى صعد الوحى، ثم قال: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (1).
وأخرج الترمذى- وصححه ابن عباس- قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل، فقالوا: اسألوه عن الروح، فسألوه، فأنزل الله وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ الآية- فهذا يقتضى أنها نزلت بمكة، والأول خلافه.
وقد رجح بأن ما رواه البخارى أصح من غيره، وبأن ابن مسعود كان حاضر القصة (2):
ب- وقد يحمل الترجيح على أن الآية قد نزلت عقب سببين أو أكثر على أزمان متقاربة.
ومثاله: ما أخرجه البخارى عن عكرمة عن ابن عباس قال:
«إن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبى صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء فقال النبى صلى الله عليه وسلم: البينة أو حد فى ظهرك، فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلا ينطلق يلتمس البيّنة؟! فأنزل وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ حتى بلغ إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (3).
وأخرج الشيخان عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدى فقال: اسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله، أيقتل به أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغاب السائل، فأخبر عاصم عويمرا، فقال: والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلأسألنه، فأتاه، فقال: إنه قد أنزل فيك وفى صاحبتك قرآنا
…
) الحديث (4).
(1) الإسراء: 85.
(2)
الإتقان للسيوطى 1/ 94.
(3)
النور: 6.
(4)
الإتقان 1/ 94.
فهذا مما يجمع بينهما: بأن أول ما وقع له ذلك هلال بن أميّة، وصادف مجيء عويمر أيضا. فنزلت الآية بشأنهما. وإلى هذا مال الخطيب فقال: لعلهما اتفق لهما ذلك فى وقت واحد»، وقال ابن حجر: لا مانع من تعدد الأسباب (1).
ج- فإن لم يمكن الجمع لتباعد الزمن، فإن الترجيح يحمل على تعدد نزول الآية، وتكرره.
ومثاله: ما أخرجه الشيخان عن المسيب قال: «لمّا حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أمية، فقال: أى عمّ قل:
لا إله إلا الله، أحاج لك بها عند الله.
فقال أبو جهل، وعبد الله: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب! فلم يزالا يكلمانه حتى قال: هو على ملة عبد المطلب.
فقال النبى صلى الله عليه وسلم: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنه» فنزلت ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ الآية (2).
وأخرج الترمذى- وحسّنه- عن على- كرم الله وجهه-، قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان، فقال استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فنزلت.
وأخرج الحاكم وغيره عن ابن مسعود، قال: خرج النبى صلى الله عليه وسلم يوما إلى المقابر، فجلس إلى قبر منها، فناجاه طويلا، ثم بكى، فقال: إن القبر الذى جلست عنده قبر أمى، وإنى استأذنت ربى فى الدعاء لها فلم يأذن لى، فأنزل علىّ ما كان للنبى والذين أمنوا أن يستغفروا للمشركين.
وفى هذه الأمثلة، وما هو على حالتها يجمع بين نصوصها بتعدد نزول الآية فيها (3).
(1) الإتقان 1/ 95.
(2)
صحيح مسلم.
(3)
الإتقان فى علوم القرآن 1/ 96.
وأما الثانى: فهو تعدد نزول آيات فى سبب واحد.
فقد ينزل فى الحادثة الواحدة آيات متعددة فى سور شتى.
مثاله: موضوع النساء وذكر الرجال فى القرآن دون ذكرهن.
هذا الموضوع المعين كان سببا فى نزول آيات عديدة منها:
1 -
ما أخرجه ابن جرير وغيره عن أم سلمة- رضى الله عنها- قالت: «يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء فى الهجرة بشيء، فأنزل الله فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ (1).
2 -
ما أخرجه ابن جرير أيضا عن أم سلمة- رضى الله عنها- قالت: «قلت يا رسول الله: ما لنا لا نذكر فى القرآن كما يذكر الرجال؟ فلم يرعنى منه ذات يوم إلا نداؤه على المنبر وهو يقول (إن المسلمين والمسلمات) إلى آخر الآية.
3 -
ما أخرجه الحاكم عن أم سلمة- رضى الله عنها- قالت: يغزو الرجال ولا تغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث؟ فأنزل الله وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ (2).
من مفردات هذا العلم الجليل معرفة بعض الجزئيات الآتية التى نذكرها إجمالا ونحيل تفصيلها إليك فى «البرهان للزركشى 1/ 22 - 35، الإتقان 1/ 82 - 99» وهى:-
قد يتصل بأسباب النزول ومعرفته معرفة ما يسمى ب «تقدم نزول الآية على الحكم، وقد مثل لها البغوى بقوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ثم ظهر أثر الحلّ يوم فتح مكة حين قال صلى الله عليه وسلم: «أحلت لى ساعة من نهار» .
(1) آل عمران: 195.
(2)
النساء: 32، وانظر هذه الأمثلة وغيرها عند السيوطى فى الإتقان 1/ 97 - 98.
قد يتعدد نزول آيات مختلفات فى شأن صحابى واحد لتعدد الوقائع بشأنه:
كسعد ابن أبى وقاص نزلت فيه أربع منها اثنتان متفرقتان فى البقرة، وواحدة فى لقمان، وواحدة فى الأنفال» (1).
خصوص السبب وعموم الصيغة، أو يقال: عموم اللفظ وخصوص السبب.
فقد يكون السبب خاصا وتنزل الصيغة عامة، لينبه على أن العبرة بعموم اللفظ.
وقد قال الزمخشرى مثلا فى تفسير سورة الهمزة: «يجوز أن يكون السبب خاصا والوعيد عاما ليتناول كل من باشر ذلك القبيح، وليكون جاريا مجرى التعريض بالوارد فيه، فإن ذلك أزجر له، وأنكى فيه (2).
…
(1) البرهان فى علوم القرآن 1/ 33 - 34.
(2)
البرهان فى علوم القرآن 1/ 33 - 34.