المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مبحث فى: تعارض الروايات فى سبب النزول - مدخل إلى التفسير وعلوم القرآن

[عبد الجواد خلف]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌القسم الأول جذور الحضارة الإسلامية

- ‌المبحث الأول: تمهيد

- ‌(1) نوح: عليه السلام:

- ‌(2) إبراهيم: عليه السلام:

- ‌(3) إبراهيم وإسماعيل: عليهما السلام:

- ‌(4) يعقوب (إسرائيل) وبنوه: عليهم السلام:

- ‌(5) يوسف: عليه السلام:

- ‌(6) سليمان: عليه السلام:

- ‌(7) موسى: عليه السلام، والنبيون حملة التوراة:

- ‌(8) عيسى: عليه السلام، وأتباعه: الحواريون:

- ‌(9) محمد: صلى الله عليه وسلم، وختم الوحى والنبوّات:

- ‌نتيجة هذا المبحث: حقق هذا المبحث النتائج التالية:

- ‌المبحث الثانى: الوحى الإلهى

- ‌مطلب فى: الله…والفطرة…والأنبياء…والوحى

- ‌نتيجة هذا المبحث:

- ‌مطلب فى: التعريف بالوحى:

- ‌مطلب: فى صور الوحى

- ‌(1) النّفث فى روع النبى، أو إلقاء الإلهام فى قلبه على صورة غير مشكوك فيها أنها من عند الله

- ‌(2) تكليم الله تعالى لنبيّه من وراء حجاب

- ‌(3) ملك يخصص بالوحى:

- ‌ودليله: قول عبد الله بن عمر رضى الله عنهما:

- ‌حديث عمر رضى الله عنه؛ قال:

- ‌وجميع صور الوحى مجملة كلها فى قوله تعالى:

- ‌مطلب فى: أنواع الوحى وخصائصه:

- ‌1 - الخصائص المشتركة بين الوحى الخفى والوحى الجلى:

- ‌2 - خصائص الوحى الجلى وصوره:

- ‌3 - خصائص الوحى الخفى وصوره:

- ‌مطلب فى: كتابة الوحى، وتدوينه، وأشهر كتابه

- ‌الوحى الجلى:

- ‌نتيجة هذا المبحث:

- ‌المبحث الثالث: السنة النبوية المشرفة (الوحى الخفى)

- ‌نتيجة هذا المبحث:

- ‌المبحث الرابع: القرآن الكريم (الوحى الجلى)

- ‌مطلب فى التعريف بالقرآن الكريم:

- ‌(1) فى اللغة:

- ‌(2) فى الاصطلاح:

- ‌القيد الأول:

- ‌القيد الثانى:

- ‌القيد الثالث:

- ‌القيد الرابع:

- ‌القيد الخامس:

- ‌القيد السادس:

- ‌القيد السابع:

- ‌القيد الثامن:

- ‌مطلب فى بعض أسماء القرآن، وأوصافه:

- ‌(أ) أسماؤه: للقرآن أسماء كثيرة أهمها:

- ‌(ب) أوصافه:

- ‌القسم الثانى علوم القرآن

- ‌تمهيد:

- ‌علاقة علوم القرآن بالمعنى الاصطلاحي، بعلوم القرآن بالمعنى الإضافي:

- ‌فائدة علوم القرآن الكريم:

- ‌أهمية علوم القرآن:

- ‌تطور علوم القرآن

- ‌أ- ما يتعلق بالقراءة:

- ‌ب- ما يتعلق بالكتابة:

- ‌أ- علوم اللغة، والنحو، والبلاغة

- ‌ب- علوم أخرى أشار إليها القرآن الكريم تنبيها لا تفصيلا:

- ‌الباب الأول علم التفسير

- ‌تمهيد، وتعريف:

- ‌مبحث فى: نشأة التفسير ومراحله

- ‌(أ) من الرجال:

- ‌(ب) ومن النساء: 16 - عائشة- رضى الله عنها

- ‌مطلب فى: أقسام التفسير وأنواعه:

- ‌مطلب فى: شروط المفسر، وآدابه

- ‌أولا: شروط المفسر:

- ‌ثانيا: آداب المفسّر:

- ‌مبحث فى الأربعة المكثرون فى التفسير من الصحابة

- ‌(1) عبد الله بن عباس- رضى الله عنه

- ‌التعريف به:

- ‌علم ابن عباس- رضى الله عنه

- ‌ تقريظ عمر له رضى الله عنهما:

- ‌منزلة ابن عباس فى التفسير

- ‌أسباب نبوغ ابن عباس رضى الله عنه:

- ‌أدوات التفسير عند ابن عباس ومصادره

- ‌طرق الرواية عن ابن عباس رضى الله عنه:

- ‌المطاعن

- ‌(2) عبد الله بن مسعود- رضى الله عنه

- ‌التعريف به:

- ‌منزلته فى العلم:

- ‌منزلة ابن مسعود فى التفسير:

- ‌مرويات ابن مسعود ومبلغها من الصحة

- ‌(3) علىّ بن أبى طالب «كرّم الله وجهه»

- ‌مكانته فى العلم بصفة عامة:

- ‌مكانته فى التفسير بصفة خاصة:

- ‌مرويات علىّ- كرم الله وجهه- ومدى صحتها:

- ‌وأهم هذه الطرق هى:

- ‌(4) أبىّ بن كعب- رضى الله عنه

- ‌مكانته فى العلم بصفة عامة:

- ‌مكانة أبىّ- رضى الله عنه- فى التفسير خاصة:

- ‌أشهر طرق الرواية عنه:

- ‌مطلب فى: قيمة التفسير المأثور عن الصحابة رضى الله عنهم

- ‌مطلب فى: خصائص تفسير الصحابة، ومميزاته

- ‌مبحث فى: التفسير فى عصر التابعين ومدارسه

- ‌مطلب تمهيدى فى: مدارس التفسير فى عصر التابعين

- ‌1. المدرسة المكية فى التفسير وأشهر تلاميذها:

- ‌2. المدرسة المدنية فى التفسير، وأشهر تلاميذها:

- ‌3. المدرسة العراقية وأشهر تلاميذها:

- ‌مطلب فى: قيمة التفسير المأثور عن التابعين

- ‌مطلب فى: خصائص ومميزات التفسير فى عصر التابعين

- ‌مبحث فى: التفسير بالمأثور

- ‌مراحل التفسير بالمأثور:

- ‌نموذج من مناهج المفسرين بالمأثور ابن جرير الطبرى وتفسيره «جامع البيان»

- ‌مطلب فى: منهج ابن جرير فى تفسيره:

- ‌تنحصر جملة مناهجه التى سلكها فى كتابه «جامع البيان» فى عدة نقاط:

- ‌مبحث فى: التفسير فى بداية عصر التدوين

- ‌مطلب فى التدوين:

- ‌مبحث فى: التفسير بالرأى

- ‌والتفسير بالرأى (الاجتهاد) نوعان:

- ‌أدلة الفريقين

- ‌أدلة المانعين للتفسير بالرأى:

- ‌أولا: شروط المفسر:

- ‌ثانيا: آداب المفسّر:

- ‌نموذج من مناهج المفسرين بالرأى المحمود فخر الدين الرازى: وكتابه: مفاتيح الغيب

- ‌التعريف به:

- ‌مولده:

- ‌تلقيه العلم:

- ‌مؤلفاته:

- ‌منهج الفخر الرازى فى تفسيره

- ‌نموذج من التفسير بالرأى المذموم الزمخشرى وكتابه «الكشاف»

- ‌الزمخشرى وكتابه:

- ‌قيمة الكشاف العلمية:

- ‌مبحث فى: التفسير الفقهى «الجامع لأحكام القرآن للقرطبى»

- ‌القرطبى وكتابه الجامع لأحكام القرآن الكريم

- ‌مصنفاته:

- ‌شيوخه:

- ‌منهج القرطبى فى تفسيره

- ‌الباب الثانى علم نزول القرآن الكريم

- ‌مبحث فى: وقت نزول القرآن، ومدته، وكيفيته، وحكمة تنجيمه

- ‌مبحث فى: كيفية إنزال القرآن الكريم

- ‌فأما الكتاب فمنه:

- ‌وأما السنة فمنها:

- ‌مبحث فى: حكمة تنجيم القرآن الكريم

- ‌(1) تثبيت فؤاد النبى صلى الله عليه وسلم

- ‌(2) التحدى والإعجاز:

- ‌الباب الثالث علم أسباب النزول

- ‌مبحث فى: التعريف بعلم أسباب النزول وفوائد معرفته

- ‌مبحث فى: طرق معرفة أسباب النزول، ومصادره، وصيغته

- ‌صيغ أسباب النزول

- ‌مبحث فى: تعارض الروايات فى سبب النزول

- ‌الباب الرابع علم معرفة أول وآخر ما نزل

- ‌سبب الخلاف:

- ‌عرض الروايات الدالة على أول ما نزل

- ‌القول الأول:

- ‌القول الثانى:

- ‌القول الثالث:

- ‌تحقيق هذه الأقوال:

- ‌مبحث فى: ما نزل من القرآن أولا فى موضوعات مختلفة

- ‌موضوع القتال:

- ‌موضوع القتل:

- ‌موضوع الخمر:

- ‌موضوع الأطعمة:

- ‌موضوع السجدات:

- ‌موضوع أول ما أنزل من آيات سورة «براءة»:

- ‌موضوع أول ما نزل من آيات سورة «آل عمران»:

- ‌مبحث فى: آخر ما نزل من القرآن الكريم

- ‌الباب الخامس علم معرفة المكى والمدنى

- ‌مبحث فى: فائدة معرفة المكى والمدنى

- ‌مبحث فى: طرق معرفة المكى والمدنى

- ‌أولا: الفرق بين المكى والمدنى

- ‌ثانيا: ضوابط ومميزات المكىّ والمدنى

- ‌أ- المكىّ: ضوابطه ومميزاته:

- ‌تنبيه هام:

- ‌ب- موضوعه:

- ‌مبحث فى: حصر المكى والمدنى وكلها (مائة وأربع عشرة سورة)

- ‌الباب السادس علم معرفة الناسخ والمنسوخ

- ‌تمهيد: تعريف النسخ:

- ‌مبحث فى: ما يقع فيه النسخ، وأهميته، وطرق معرفته

- ‌أهمية النسخ

- ‌طرق معرفة النسخ

- ‌مبحث فى: أقسام النسخ

- ‌مبحث فى: أوجه النسخ فى القرآن، والحكمة من وقوعه، والتعرف على بعض مصطلحاته

- ‌مطلب فى: الحكمة من وقوع النسخ:

- ‌مطلب فى: التفريق بين بعض المصطلحات:

- ‌(1) البداء والنّسخ:

- ‌(2) النسخ والتخصيص:

- ‌مبحث فى: قضية النسخ بين الإغراق والغلو

- ‌(1) من سورة البقرة:

- ‌(2) من سورة آل عمران:

- ‌(3) ومن النساء:

- ‌(4) ومن المائدة:

- ‌(5) ومن الأنفال:

- ‌(6) ومن التوبة:

- ‌(7) ومن النور:

- ‌(8) ومن الأحزاب:

- ‌(9) ومن المجادلة:

- ‌(10) ومن الممتحنة:

- ‌(11) ومن المزمل:

- ‌مبحث فى: النسخ إلى بدل وإلى غير بدل

- ‌الباب السابع علم معرفة القراءات والقراء

- ‌مبحث فى: أنواع القراءات

- ‌مطلب فى: حكم هذه القراءات وضوابطها:

- ‌مبحث فى: أهم ضوابط القراءة الصحيحة

- ‌مطلب فى: أهم الكتب المؤلفة فى علم القراءات:

- ‌فوائد:

- ‌الخاتمة والنتائج

- ‌فهرس المصادر

- ‌فهرس الموضوعات

الفصل: ‌مبحث فى: تعارض الروايات فى سبب النزول

‌مبحث فى: طرق معرفة أسباب النزول، ومصادره، وصيغته

إن مصادر علم أسباب النزول وطريق معرفته تتمثل فى:

النقل الصحيح عن مشاهدى الوحى، ومعاينى التنزيل، وهذا النقل له مصدران:

(أ) أن يكون الراوى صحابيا، فإذا كان كذلك كان سبب النزول مقبولا لأن رواية الصحابى المعاين للتنزيل له حكم المرفوع إلى النبى صلى الله عليه وسلم.

(ب) إذا جاءت الرواية مرسلة عن الصحابى (أى سقط منها الصحابى) فلا تقبل هذه الرواية إلا إذا قويت واعتضدت برواية أخرى ولو مرسلة.

وعلى هذا الأساس فلا مجال للأخذ بالاجتهاد والنظر فى هذا العلم وإنما مصدره الأساسى هو النقل المحرر عن الصحابة والتابعين.

‌صيغ أسباب النزول

للتعبير عن سبب النزول صيغتان:

الأول: أن يقول الصحابى:

1 -

سبب نزول هذه الآية كذا.

2 -

حدث كذا- أو سئل عليه الصلاة والسلام عن كذا فنزلت آية كذا فهذه الصيغة بشقيها نص صريح واضح فى سبب النزول.

الثانية: أن يقول الصحابى: «نزلت الآية فى كذا» فمعناه أن الآية هذه تتضمن هذا الحكم وليس هذا سبب نزولها.

والمعول عليه فى هذه الصيغة هو القرائن الدالة على السبب.

‌مبحث فى: تعارض الروايات فى سبب النزول

يرجع تعارض الروايات فى سبب النزول إلى تعددها وهو نوعان:

الأول: تعدد الروايات فى سبب نزول آية واحدة.

الثانى: تعدد الآيات فى سبب نزول واحد.

ص: 166

أما الأول: وهو تعدد الروايات فى سبب نزول آية واحدة؛ وهذه لها ثلاث صور:

(1)

الصورة الأولى: أن تكون الروايات الواردة فى سبب نزول الآية الواحدة كلها بصيغ غير صريحة فى سبب النزول كأن يقول كل راو: «نزلت هذه الآية فى كذا» أو «أحسبها نزلت فى كذا» .

فهذه الصورة لا تعارض فيها، لأن المراد بها التفسير وليس ذكر سبب النزول.

إلا فى حالة واحدة: وهى ما إذا قامت قرينة على أحد هذه الأسباب بأنه فى سبب النزول فحينئذ تتعين هذه الرواية من بين أخواتها لأن تتقدم على الأخريات.

(2)

الصورة الثانية: أن تكون الروايات المتعددة فى سبب نزول آية واحدة بعضها صريح الصيغة فى الدلالة على سبب النزول، وبعضها غير صريح، فحينئذ يتعين تقديم الرواية المصرحة بسبب النزول على غيرها.

ومثال ذلك قول الله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ (1).

فقد تعددت الروايات فى سبب نزولها بعضها مصرح بسببه كحديث جابر- رضى الله عنه- قال: «كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من خلفها فى قبلها جاء الولد أحول، فنزلت نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ (2).

وبعضها غير مصرح به كما جاء عن نافع قال: «قرأت ذات يوم نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فقال ابن عمر: أتدري فيم أنزلت هذه الآية؟ قلت: لا، قال: نزلت فى إتيان النساء فى أدبارهن» .

فهذه الصيغة من ابن عمر غير صريحة فى السببية، فتقدم رواية جابر لصراحتها بأسباب النزول.

(1) البقرة: 223.

(2)

أسباب النزول للواحدى ص 62.

ص: 167

(3)

الصورة الثالثة: أن تكون جميع الروايات الواردة فى سبب نزول الآية الواحدة كلها صريحة فى الدلالة على سبب نزول هذه الآية.

وهذه الصورة يتفرع عنها عدة صور منها:

1 -

أن تكون هذه الروايات المصرح بسبب نزولها أحدها صحيح دون الآخر وفى هذه الحالة يقدم الصحيح دونه.

ويمثل السيوطى بحديث جندب البجلى يرويه البخارى عنه قال:

أ- «اشتكى النبى صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثا، فأتته امرأة فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك، لم يقربك ليلتين أو ثلاثا، فأنزل الله: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (1).

ب- وأخرجه الطبرانى بسنده: «أن جروا دخل بيت النبى صلى الله عليه وسلم فدخل تحت السرير، فمات، فمكث النبى صلى الله عليه وسلم أربعة أيام لا ينزل عليه الوحى، فقال: يا خولة، ما حدث فى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ جبريل لا يأتينى فقلت فى نفسى: لو هيأت البيت وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فأخرجت الجرو، فجاء النبى صلى الله عليه وسلم ترعد لحيته، وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة، فأنزل الله وَالضُّحى إلى قوله فَتَرْضى).

* قال ابن حجر فى شرح البخارى: «قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة لكن كونها سبب نزول الآية غريب، وفى إسناده من لا يعرف، فالمعتمد ما فى الصحيحين (2).

2 -

أن تتساوى الروايات فى الصحة،

أ- وفى هذه الحالة يرجح أحد الروايات بكون راويها حاضر القصة مثلا.

ومثاله: ما ذكره السيوطى أيضا عن ابن مسعود- رضى الله عنه- قال: «كنت

(1) سورة الضحى.

(2)

الإتقان للسيوطى 1/ 91 - 92.

ص: 168

أمشى مع النبى صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو يتوكأ على حسيب فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم: لو سألتموه، فقالوا: حدثنا عن الروح، فقام ساعة ورفع رأسه فعرفت أنه يوحى إليه، حتى صعد الوحى، ثم قال: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (1).

وأخرج الترمذى- وصححه ابن عباس- قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل، فقالوا: اسألوه عن الروح، فسألوه، فأنزل الله وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ الآية- فهذا يقتضى أنها نزلت بمكة، والأول خلافه.

وقد رجح بأن ما رواه البخارى أصح من غيره، وبأن ابن مسعود كان حاضر القصة (2):

ب- وقد يحمل الترجيح على أن الآية قد نزلت عقب سببين أو أكثر على أزمان متقاربة.

ومثاله: ما أخرجه البخارى عن عكرمة عن ابن عباس قال:

«إن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبى صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء فقال النبى صلى الله عليه وسلم: البينة أو حد فى ظهرك، فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلا ينطلق يلتمس البيّنة؟! فأنزل وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ حتى بلغ إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (3).

وأخرج الشيخان عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدى فقال: اسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله، أيقتل به أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغاب السائل، فأخبر عاصم عويمرا، فقال: والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلأسألنه، فأتاه، فقال: إنه قد أنزل فيك وفى صاحبتك قرآنا

) الحديث (4).

(1) الإسراء: 85.

(2)

الإتقان للسيوطى 1/ 94.

(3)

النور: 6.

(4)

الإتقان 1/ 94.

ص: 169

فهذا مما يجمع بينهما: بأن أول ما وقع له ذلك هلال بن أميّة، وصادف مجيء عويمر أيضا. فنزلت الآية بشأنهما. وإلى هذا مال الخطيب فقال: لعلهما اتفق لهما ذلك فى وقت واحد»، وقال ابن حجر: لا مانع من تعدد الأسباب (1).

ج- فإن لم يمكن الجمع لتباعد الزمن، فإن الترجيح يحمل على تعدد نزول الآية، وتكرره.

ومثاله: ما أخرجه الشيخان عن المسيب قال: «لمّا حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أمية، فقال: أى عمّ قل:

لا إله إلا الله، أحاج لك بها عند الله.

فقال أبو جهل، وعبد الله: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب! فلم يزالا يكلمانه حتى قال: هو على ملة عبد المطلب.

فقال النبى صلى الله عليه وسلم: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنه» فنزلت ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ الآية (2).

وأخرج الترمذى- وحسّنه- عن على- كرم الله وجهه-، قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان، فقال استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فنزلت.

وأخرج الحاكم وغيره عن ابن مسعود، قال: خرج النبى صلى الله عليه وسلم يوما إلى المقابر، فجلس إلى قبر منها، فناجاه طويلا، ثم بكى، فقال: إن القبر الذى جلست عنده قبر أمى، وإنى استأذنت ربى فى الدعاء لها فلم يأذن لى، فأنزل علىّ ما كان للنبى والذين أمنوا أن يستغفروا للمشركين.

وفى هذه الأمثلة، وما هو على حالتها يجمع بين نصوصها بتعدد نزول الآية فيها (3).

(1) الإتقان 1/ 95.

(2)

صحيح مسلم.

(3)

الإتقان فى علوم القرآن 1/ 96.

ص: 170

وأما الثانى: فهو تعدد نزول آيات فى سبب واحد.

فقد ينزل فى الحادثة الواحدة آيات متعددة فى سور شتى.

مثاله: موضوع النساء وذكر الرجال فى القرآن دون ذكرهن.

هذا الموضوع المعين كان سببا فى نزول آيات عديدة منها:

1 -

ما أخرجه ابن جرير وغيره عن أم سلمة- رضى الله عنها- قالت: «يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء فى الهجرة بشيء، فأنزل الله فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ (1).

2 -

ما أخرجه ابن جرير أيضا عن أم سلمة- رضى الله عنها- قالت: «قلت يا رسول الله: ما لنا لا نذكر فى القرآن كما يذكر الرجال؟ فلم يرعنى منه ذات يوم إلا نداؤه على المنبر وهو يقول (إن المسلمين والمسلمات) إلى آخر الآية.

3 -

ما أخرجه الحاكم عن أم سلمة- رضى الله عنها- قالت: يغزو الرجال ولا تغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث؟ فأنزل الله وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ (2).

من مفردات هذا العلم الجليل معرفة بعض الجزئيات الآتية التى نذكرها إجمالا ونحيل تفصيلها إليك فى «البرهان للزركشى 1/ 22 - 35، الإتقان 1/ 82 - 99» وهى:-

قد يتصل بأسباب النزول ومعرفته معرفة ما يسمى ب «تقدم نزول الآية على الحكم، وقد مثل لها البغوى بقوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ثم ظهر أثر الحلّ يوم فتح مكة حين قال صلى الله عليه وسلم: «أحلت لى ساعة من نهار» .

(1) آل عمران: 195.

(2)

النساء: 32، وانظر هذه الأمثلة وغيرها عند السيوطى فى الإتقان 1/ 97 - 98.

ص: 171

قد يتعدد نزول آيات مختلفات فى شأن صحابى واحد لتعدد الوقائع بشأنه:

كسعد ابن أبى وقاص نزلت فيه أربع منها اثنتان متفرقتان فى البقرة، وواحدة فى لقمان، وواحدة فى الأنفال» (1).

خصوص السبب وعموم الصيغة، أو يقال: عموم اللفظ وخصوص السبب.

فقد يكون السبب خاصا وتنزل الصيغة عامة، لينبه على أن العبرة بعموم اللفظ.

وقد قال الزمخشرى مثلا فى تفسير سورة الهمزة: «يجوز أن يكون السبب خاصا والوعيد عاما ليتناول كل من باشر ذلك القبيح، وليكون جاريا مجرى التعريض بالوارد فيه، فإن ذلك أزجر له، وأنكى فيه (2).

(1) البرهان فى علوم القرآن 1/ 33 - 34.

(2)

البرهان فى علوم القرآن 1/ 33 - 34.

ص: 172