الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهؤلاء نقضوا أدلة المانعين، وحددوا شروطا للمفسّر المجتهد إذا توفرت فى أحد جاز له أن يخوض فى بيان مراد الله- تعالى- من آياته.
أدلة الفريقين
أدلة المانعين للتفسير بالرأى:
استدل المانعون للتفسير بالرأى بأدلة كثيرة نذكر أهمها فيما يلى، ونعقبها بنقض المجوزين للتفسير بالمأثور وهى:
الدليل الأول: قالوا: إن التفسير بالرأى قول على الله بغير علم «صغرى» ، والقول على الله بغير علم منهى عنه «كبرى» . فالتفسير بالرأى منهى عنه «نتيجة» .
دليل الصغرى: أن المفسر بالرأى ليس على يقين بأنه أصاب ما أراد الله تعالى ولا يمكنه أن يقطع بما يقول، وغاية الأمر أنه يقول بالظن، والقول بالظن قول على الله بغير علم.
ودليل الكبرى: أن الله تعالى جعل القول بغير علم من المحرمات الأربع المذكورة فى قوله تعالى: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (1).
وردّ المجوّزون للتفسير بالرأى هذا الدليل فقالوا: نمنع الصغرى: لأن الظن نوع من العلم إذ هو إدراك الطرف الراجح وعلى فرض التسليم بالصغرى فإنّا نمنع الكبرى لأن الظن منهى عنه إذا أمكن الوصول إلى العلم اليقينى.
أما إذا لم يوجد العلم اليقينى فالظن كاف لاستناده إلى دليل شرعى مقطوع به،
(1) الأعراف: 33.
وهو قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها (1).
وقوله صلى الله عليه وسلم: «من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر» .
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن فقال له: «بم تحكم يا معاذ؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيى ولا آلو» . فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدر معاذ وقال: الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضى الله ورسوله» (2).
الدليل الثانى: أن المبين عن الله تعالى والمفسر لآياته هو النبىّ صلى الله عليه وسلم لقول الله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (3). فليس لغيره أن يفسر آيات الله تعالى.
ورد المجوزون هذا الدليل فقالوا: نعم النبىّ صلى الله عليه وسلم مأمور بالبيان، وقد بيّن ما احتاج الناس إلى تفسيره فى عصره، وقبض ولم يرد عنه تفسير القرآن آية آية. وما لم يرد عنه فيه شىء من التفسير فللمجتهدين من أهل التفسير فيه فكر ونظر دعاهم الله تعالى إليه فى آيات كثيرة منها: لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (4). أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (5). وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (6).
الدليل الثالث: ما ورد من السّنة المشرفة من تحريم القول فى القرآن بالرأى ومنه:
(1) البقرة: 286.
(2)
التفسير والمفسرون 1/ 247 - 248.
(3)
النحل: 44.
(4)
الأعراف: 176، الحشر:21.
(5)
محمد: 24.
(6)
النساء: 83.
أ- قوله صلى الله عليه وسلم: «من قال فى القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» رواه الترمذى عن ابن عباس- رضى الله عنهما.
ب- قوله صلى الله عليه وسلم: «من قال فى القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» رواه أبو داود عن جندب بن جنادة. وأجاب المجوزون عن هذين الحديثين بما يأتى:
1 -
أن الحديثين محمولان على من قال فى القرآن برأيه فيما هو ممنوع من تفسيره أصلا كمتشابه القرآن، ومشكله مما لا يعلم إلا بالنقل الصحيح عن المعصوم صلى الله عليه وسلم.
2 -
أنهما محمولان فيمن قال فى القرآن برأيه وهو يعلم أن الحق بخلافه كأصحاب المذاهب الفاسدة.
3 -
أنهما محمولان على قول من يفسر بغير مستند من نقل، أو لغة صريحة دالة على البيان.
الدليل الرابع: ورد المنع عن الصحابة والتابعين أن يفسر أحد القرآن برأيه، بل كانوا يهابون تفسير القرآن ويعظمونه، ويتحرجون أن يقولوا فيه باجتهادهم.
1 -
سئل أبو بكر- رضى الله عنه- فى تفسير حرف من القرآن فقال: «أى سماء تظلنى، وأى أرض تقلنى، وأين أذهب، وكيف أصنع إذا قلت فى حرف من كتاب الله بغير ما أراد تبارك وتعالى» .
2 -
وما ورد عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن الحلال والحرام تكلم، وإذا سئل عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع شيئا».
3 -
وهذا رجل يقابل مجاهد بن جبر فيقول لمجاهد: «أنت الذى تفسّر القرآن برأيك؟ فبكى مجاهد، ثم قال: إنى إذا لجرىء، لقد حملت التفسير عن بضعة عشر رجلا من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ورضى عنهم» (1).
وأجاب المجوزون عن هذه الأقوال الواردة فى الدليل بما يأتى:
أ- أن قول هؤلاء إنما كان منهم ورعا واحتياطيا، وتواضعا أولا، مخافة ألا يبلغوا ما يعتقدونه أنه مراد الله- تعالى- لأنهم كانوا يرون التفسير بمثابة الشهادة على الله- تعالى- أنه عنى هذا فأمسكوا وأحجموا خوف ألا يبلغوا هذه الغاية.
ب- أن إحجامهم عن التفسير كان فيما لم يعرفوا وجه الصواب فيه.
ج- أن امتناع أحدهم إنما كان لوجود من يعتقد أنه أفضل منه فى هذا الباب يكفيه مؤنة التفسير، وإلا فما كان ليتردد أبدا إذا سئل (2).
ومع ردّ المجوزون على أدلة المانعين وإبطالها إلا أنهم مع ذلك أثبتوا صحة ما ذهبوا إليه من جواز التفسير بالرأى أى بالاجتهاد فى الآيات التى لم يرد فيها عن الأجيال الثلاثة نقلا صحيحا بأدلة كثيرة أهمها ما يلى:
الأول: أن الله- تعالى- حث على تدبر القرآن، وعلى أن فى القرآن الكريم ما ينبغى للعلماء وأولى الألباب أن يتدبروه ويستنبطوه، ويصلوا إليه بعقولهم فى آيات كثيرة منها:
أ- قوله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (3).
ب- وقوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (4).
(1) التفسير والمفسرون 1/ 107.
(2)
مناهل العرفان فى علوم القرآن للزرقانى 1/ 56 - 57.
(3)
ص: 29.
(4)
محمد: 24.
ج- وقوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (1).
ولا يعقل أن يكون تفسير لم يستأثر الله- تعالى- بعلمه محظورا على الناظر المتدبر مع أنه طريق العلم وسبيل المعرفة.
الثانى: ثبت عن الصحابة الكرام- خاصة الذين كانت لهم عناية بالتفسير منهم- أنهم قرءوا القرآن، واختلفوا فى تفسيره فيما لم يسمعوه من النبىّ صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن التفسير بالرأى جائزا لم اختلفوا وأبان كل منهم عن وجهة نظره واجتهاده فى الآيات.
الثالث: لو كان التفسير بالرأى غير جائز لما كان الاجتهاد جائزا ولتتوقف الأحكام، وهذا بيّن البطلان.
الرابع: ثبت أن النبىّ صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس- رضى الله عنهما- قائلا فى دعائه:
«اللهم فقهه فى الدين، وعلمه التأويل» .
ولو كان التفسير مقصورا على السماع والنقل لما كانت هناك فائدة لتخصيص رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عباس بالدعاء.
هذا ولو دققت النظر فى هذين القولين، وفى أدلتهما: لوجدت أن كلا منهما يحاول أن يتمسك برأيه ويطير به فرحا، ويتحفك بالأدلة كأنه أقنعك، وأبطل حجّة الخصم مع العلم بأن الخلاف لا يعدو أن يكون خلافا لفظيا لا حقيقيا.
ومع ذلك فلا يجوز- عند من يقول بعلم التفسير- أن يقدم على كتاب الله ليفسره عن الله- تعالى- ما لم يستجمع شروط المفسر وأدواته وهى كما يلى:
(1) النساء: 83.