الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المتكلمون فى القرآن وعلومه: كابن أبى حاتم، وابن أشتة، وأبى شامة، والسبكى، والزركشى، والسيوطى.
ومن الباحثين المعاصرين: صبحى الصالح، ومناع القطان وكثيرون غيرهما أجملوا هذه الحكم- كما لك أنت- أن تستنبط غيرها وأهمها ما يلى:
(1) تثبيت فؤاد النبى صلى الله عليه وسلم
.
وهو ما ذكره الله تعالى فى قوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ.
أى كذلك أنزلناه منجما وليس جملة واحدة بغرض تثبيت فؤادك.
قال ابن شامة فى «الوجيز إلى علوم تتعلق بالقرآن العزيز» :
أى: لنقوى به قلبك، فإن الوحى إذا كان يتجدد فى كل حادثة كان أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه، وتجدد العهد به، وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبادة، ولهذا كان أجود ما يكون فى رمضان لكثرة لقياه جبريل».
(2) التحدى والإعجاز:
ذلك أن لكل نبىّ معجزة، وكانت معجزات الأنبياء السابقين مسوقة بحسب مهارة أقوامهم فى فنّ يعجز عنه فيه سواهم، فتأتى المعجزة على يد نبيهم المرسل إليهم لتدحض مهارتهم، وتعجز فنهم.
فأعطى موسى- عليه السلام قوة فوق مهارة السحرة التى كانت مفخرة علماء فرعون وأعطى عيسى قوة فوق مهارة الطب التى كانت مفخرة بنى إسرائيل .... هكذا.
فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم فى قوم جلّ فخرهم الفصاحة والبلاغة أعطى القرآن الكريم تحديا لبلاغتهم وإعجازا لهم أن يأتوا بمثله، أو بنصفه، أو بعشر سور منه، أو بآية واحدة.
والقصد من الإعجاز ليس فى مجرد الألفاظ ودقة ترتيبها، وبراعة نظمها، ولكن فيما وراء كل حرف من حروف القرآن من الدلالة على معان خفية لا يحيط بها إلا الخالق فيضع الحرف للدلالة على هذا المعنى الخفى الذى لا يعرفه المخلوق.
يقول الله جل شأنه وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (1).
ولا شك أن نزوله منجما مفرقا بضع آيات، أو حتى جزء آية على مدى هذا الزمن الذى امتد ثلاثا وعشرين سنة أبلغ فى التحدى، وأوقع لثبوت الإعجاز خاصة فيما كان
مشركو مكة، ويهود المدينة يسوقونه للنبى صلى الله عليه وسلم من أسئلة التحدى بين الحين والآخر ظنا منهم توقيفه وقطعه عن الجواب، فيأتى التنجيم هنا فى مكانه المناسب فى وقته المناسب.
يقول الله تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (2).
(3)
التدرج فى التشريع:
ذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث على رأس أمة استفحلت فيها عادات مرذولة متمكنة فى نفوسهم، ملوثة لعقولهم، راسخة فى وجدانهم، ممتزجة بدمائهم كالاعتقاد الجازم بألوهية الأوثان، وعقرهم للخمر بحيث صارت جل دمائهم التى تسيّر قلوبهم وعقولهم منها.
فلا يعقل فى تدبير الحكماء أن تنزل هذه الأشياء وأمثالها دفعة واحدة. بل تحتاج إلى التدرج بالعلاج شيئا فشيئا.
وهذا معنى كلام أم المؤمنين عائشة- رضى الله عنها- الذى أوردناه سابقا:
«إنما نزل أول ما نزل سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب
(1) البقرة: 23 - 24.
(2)
الفرقان: 33.
الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شىء لا تشربوا الخمر لقالوا:
لا ندع الخمر أبدا» أخرجه البخارى.
هذه الثلاثة أهم أسباب تنجيم القرآن الكريم، وللطالب أن يستنبط من ذلك الشيء الكثير مثل: تيسير الحفظ والفهم، والاستفادة منه فى أصول التربية وذكر تواريخ الأمم ومجاهدة الأنبياء، وقصصهم مع أقوامهم، ومناسبة كل منها لحوادث مشابهة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وللدلالة على أن القرآن الكريم مع طول زمن تنزيله لا ينفك عن حقيقة جزئية، ولا يتفلت من حكمة، ولا يقع فيه خلط ولا اختلاف.
1 -
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (1).
2 -
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (2).
(1) النساء: 82.
(2)
الإسراء: 88.