الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ب- الفقهاء المجتهدون.
ج- الأصوليون المستنبطون للقواعد العامة.
الثالث: التعرف على طريقة عرض الدعوة الإسلامية على الناس فى مختلف مراحل نمو المجتمعات.
ففي عرض الإسلام على مجتمع «ما» يبدأ الداعية فى التركيز على جانب العقيدة، وتصفية النفوس من الخضوع لغير الله تعالى .. وتكون مادته هى «المرحلة المكية بسورها وآياتها» . ثم يبدأ فى المرحلة الثانية ببيان الأوامر، والنواهى، والحلال والحرام .. وتكون مادته هى المرحلة المدنية بسورها وآياتها.
وللمستنبط أن يعمل فكره لاستخلاص فوائد أخرى كثيرة.
مبحث فى: طرق معرفة المكى والمدنى
اعلم أن طريق معرفة أىّ علم من علوم الإسلام إنما يعتمد على واحد من الاثنين الآتيين، أو هما معا:
أ- إما على السماع: (أى الرواية والنقل) وهذا هو أصل علوم الحديث، وعلوم القرآن التى تفرعت عنهما سائر العلوم.
ب- أو على القياس (أى الاستقراء العقلى) والنظر فى الأدلة، والاجتهاد فى استخراج كنوز المعرفة.
وعلم المكى والمدنى واحد من العلوم التى تعتمد على هاتين الطريقتين.
وقد ذكر العلماء فى معرفة المكى والمدنى أنه لم يرد فيه شىء عن النبىّ صلى الله عليه وسلم والأجدر لطالب العلم أن ننقل عن الزركشى ما نقله هو عن «أبى بكر الباقلانى» عبارته المشهورة فى ذلك من كتاب «الانتصار» فيقول:
«إنما هذا- أى طريق معرفة المكى والمدنى- يرجع لحفظ الصحابة وتابعيهم، كما أنه لا بدّ فى العادة من معرفة معظمى العالم والخطيب- وأهل الحرص على
حفظ كلامه، ومعرفة كتبه ومصنفاته من أن يعرفوا ما صنفه أولا وآخرا.
وحال القرآن فى ذلك أمثل، والحرص عليه أشد غير أنه لم يكن من النبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك قول ولا ورد عنه أنه قال: اعلموا أن قدر ما نزل بمكة كذا وبالمدينة كذا، وفصّله لهم. ولو كان كذلك منه لظهر وانتشر، وإنما لم يفعله لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب فى بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ ليعرف الحكم الذى تضمنهما، فقد يعرف ذلك بغير نصّ الرسول بعينه، وقوله هذا هو الأول المكى، وهذا هو الآخر المدنى. وكذا الصحابة والتابعون من بعدهم لمّا لم يعتبروا أن من فرائض الدين تفصيل جميع المكى والمدنى مما لا يسوغ الجهل به لم تتوفر الدواعى على إخبارهم به، ومواصلة ذكره على أسماعهم، وأخذهم بمعرفته، وإذا كان كذلك ساغ أن يختلف فى بعض القرآن هل هو مكى أو مدنى، وأن يعملوا فى القول بذلك ضربا من الرأى والاجتهاد. وحينئذ فلم يلزم النقل عنهم ذكر المكى والمدنى، ولم يجب على منّ دخل فى الإسلام بعد الهجرة أن يعرف كل آية أنزلت قبل إسلامه: مكية أو مدنية.
فيجوز أن يقف فى ذلك، أو يغلب على ظنه أحد الأمرين.
وإذا كان كذلك بطل ما توهموه من وجوب نقل هذا أو شهرته فى الناس ولزوم العلم به لهم، ووجود الارتفاع فيه» انتهى كلام الباقلانى (1).
وإذا أنت- أيها القارئ- فهمت هذه العبارة خلصت إلى نتيجة وهى:
لا يروعنك اختلاف الصحابة فى ترتيب السور كما حدث فى مواقف كلّ من أبىّ ابن كعب، وابن مسعود وغيرهما، إذ لم يكن خلافهما يؤدى إلى شىء من الانزعاج، ويبقى الأمر بعد ذلك على الاجتهاد والاستقراء العقلى، وهو ما جعل كثيرا من الباحثين يضعون القواعد والضوابط النظرية لتحديد المكى من المدنى، وسنذكرها فيما يلى:
(1) البرهان فى علوم القرآن للزركشى 1/ 191 - 192.