الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تفسيراتهم عن الصحابة (1) فمجاهد مثلا يقول: «عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها» .
وقتادة يقول: «ما فى القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئا» (2). وهذا رأى أكثر المفسرين.
تحقيق المسألة: لابن تيمية- يرحمه الله تعالى- كلمة جيدة فى هذه المسألة ننقلها عنه فى كتابه «مقدمة فى أصول التفسير» فيما يلى: «قال شعبة بن الحجاج وغيره:
أقوال التابعين ليست حجة، فكيف تكون حجة فى التفسير؟، يعنى أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم- وهذا صحيح- أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب فى كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض، ولا على من بعدهم، ويرجع فى ذلك إلى لغة القرآن، أو السنّة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة فى ذلك (3).
وهذا أيضا ما استقر عليه بعض الباحثين المعاصرين كالدكتور/ محمد حسين الذهبى فى كتابه «التفسير والمفسرون» حيث يقول: «والذى تميل إليه النفس هو أن قول التابعى فى التفسير لا يجب الأخذ به إلا إذا كان مما لا مجال للرأى فيه فإنه يؤخذ به حينئذ عند عدم الريبة، فإن ارتبنا فيه، بأن كان يأخذ من أهل الكتاب، فلنا أن نترك قوله ولا نعتمد عليه. أما إذا أجمع التابعون على رأى فإنه يجب علينا أن نأخذ به ولا نتعداه إلى غيره (4).
مطلب فى: خصائص ومميزات التفسير فى عصر التابعين
يعتبر عصر التابعين- بالنسبة لعلم التفسير- مرحلة تالية لعصر الصحابة- رضوان الله عليهم- وامتدادا لخصائصه خاصة فى ناحيتين اثنتين:
الأولى: أن خاصية التلقى والرواية، وعدم التدوين التى كانت الطابع المميز
(1) التفسير والمفسرون 1/ 129.
(2)
المرجع السابق.
(3)
مقدمة فى أصول التفسير لابن تيمية ص 28.
(4)
التفسير والمفسرون 1/ 130.
للتفسير فى عصر الصحابة ظلت كما هى فى عصر التابعين، بفارق بسيط وهو أن التلقى والرواية لم تكن مجموعة فى إقليم واحد كما كان الشأن فى المدينة المنورة فى التفاف الصحابة حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أصبح لكل إقليم تلاميذ يلتفون حول صحابى أو أصحاب نزحوا إلى هذا الإقليم والتف أهل الإقليم للأخذ عنه أو عنهم.
الثانية: النقل عن بعض الروايات الإسرائيلية فى التفسير، انتقلت هذه الخاصية أيضا من جيل الصحابة إلى جيل التابعين، ولكن أيضا بفارق أكبر. ذلك أن النقل عن أهل الكتاب فى عصر الصحابة كان محصورا للغاية، خاصة عند أبىّ بن كعب، وابن عباس، وابن مسعود- رضى الله عنهم- ولكن فيما لا يتعدى ما هو جاد فى ديننا من مسائل، أما عصر التابعين فقد كثرت الإسرائيليات بكثرة من أسلم منهم.
هاتان الخاصتان انتقلتا إلى عصر التابعين بالنسبة لمسائل التفسير. أما الخصائص المميزة لهذه «المرحلة الثانية» (عصر التابعين) فأهمها ما يلى:
1 -
بداية ظهور المذاهب والفرق، والكلام حول بعض الآيات التى حملها بعض المفسرين من التابعين آراءه الخاصة. وذلك كمسائل الكلام حول القضاء والقدر الذى نسب إلى كل من الحسن البصرى، وقتادة بن دعامة السدوسى- يرحمها الله تعالى.
2 -
اتساع الخلاف بين التابعين فى مسائل التفسير بصورة واضحة ومتباعدة بينما لم يكن الخلاف بين الصحابة فى تفسير آيات كتاب الله تعالى شيئا ملموسا، أو محسوسا.
ومع هذا فإن هذه المسألة- أعنى مسألة الخلاف بين التابعين- لم تأخذ الفجوة العميقة التى سنراها فيما بعد، وإنما يمكن أن يقال «إنه خلاف» أى بالنسبة لما سبقهم من عصر الصحابة.
وإلا فما كان خلافهم ذا شأن كبير كما صار الحال عليه فيمن بعدهم، كما لم يكن خلافهم فى التفسير «كتفسير» وإنما كان خلافهم على حسب اختلاف رؤاهم فى مستجدات الوقائع التى لم تسبق من قبل فى عصر الصحابة، مع اختلاف البيئات التى انتقلوا إليها ووجدوا أنفسهم بإزائها، مما لم يألفوه فى جزيرة العرب- من عادات وتقاليد وطبائع كان ينبغى عليهم مواجهتها لما طلبت آراؤهم فيها.
فى حين أن اختلاف الصحابة لم يكن يتعدى ما عند واحد منهم من أسباب النزول، أو العلم بمفردات اللغة ما ليس عند الآخر، أو علم أحدهم بقراءة لا يعرفها غيره. كما لم يتعد خلافهم غير اختلاف العبادات حول مسمى متحد، أو أن يكون للفظ واحد عدة معان، فيحمله أحدهم على معنى، ويحمله الآخر على أحد المعانى الأخرى، أو أن يكون تعبيرهم عن المعانى بألفاظ متقاربة، وليست مترادفة- إلى غير ذلك من الأسباب التى تبدو اختلافا وهى ليست كذلك فى حقيقة الأمر .. غير أن الباحثين وضعوا لنا ما يشبه التقنين فى ما لو وقع خلاف صريح بين قولين من أقوال الصحابة يتعذر الجمع بينهما فى مسائل التفسير بإحدى الوسيلتين الآتيتين:
الأولى: إن تعارضت الأدلة تماما بحيث لا يمكن الجمع بينها فإن موقفنا من هذا التعارض أن نؤمن بمراد الله- عز وجل ولا نلجأ إلى الميل لأحد القولين المتعارضين.
وتصبح المسألة بالنسبة لنا بمنزلة المجمل قبل أن يفصل، والمبهم قبل أن يبين، والعام قبل أن يخصص، والمتشابه قبل أن يفسر.
الثانية: يقدم قول ابن عباس- إن كان له فيها قول- على آراء غيره (وهذا رأى الزركشى) لبشارة النبى صلى الله عليه وسلم له.