الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الأول جذور الحضارة الإسلامية
المبحث الأول: تمهيد
كل أمة من أمم الأرض تخضع فى «حضارتها» بمفهومها الشامل، من ثقافة، وتربية، وتعليم، وزراعة، وصناعة، وعادات، وتقاليد، وعمران، إلى «دينها» الذى تدين به.
فأمة الهند مثلا تبنى كل حياتها على الديانة «الهندوكية» وتوابعها من البوذية، والجينية وتستمد كل ثقافاتها من هذه العقائد الدينية بما فيها أشكال الأبنية والعمارات، والزواج، والطلاق، وسائر شئون الحياة حتى التعامل مع جثث الموتى.
وكذلك أمة اليهود والنصارى يستمدان حضارتهما من ديانتهما.
والأمة التى لا تدين بدين، ولا تؤمن بإله، أمة- أيضا- تستمد حضارتها من الدين. ودين مثل هذه الأمة:«أنه لا دين لها» .
ومنذ أدرك الإنسان نفسه على سطح هذا الكوكب الذى نعيش فيه، وهو يبحث بفطرته وغريزته عن سرّ وجوده فى هذا الكون، بل وعن الكون المحيط به:
من أوجده؟ وما غاية هذا الوجود؟.
ولم يزل الإنسان فى هذا البحث منذ عهد سحيق يريد أن يحدد مركزه ومركز الكون المحيط به وهو يرى السماء والأرض، والسهول والجبال، ويرى الرعد القاصف والبرق الخاطف والعواصف الشديدة، ويرى الأعاصير التى تقتلع الأشجار، والأمطار الغزيرة التى تجعله يبحث عن مأوى يحميه منها.
ثم يرى الليل، والنهار، والشمس، والقمر، وتأثير كل واحد منها على حياته، وحياة الكائنات الحية فيما حوله من حيوانات، وطيور.
ثم يتأمل الحياة فيمن يولد من حوله .. ويتفكر فى الموت فى من يذهب عنه ليدفن فى باطن الأرض .. ما السّر وراء كل ذلك؟!
وها هي الآثار الأدبية للإنسان المصرى القديم تحدثنا عن هذه التأملات الفكرية المتقدمة فى تلك المنظومة الرائعة للوزير «حتب» الكاهن المصرى الفرعونى، والتى سجلها فى «كتاب الموتى» حيث يقول:
«إن الموتى الذين ذهبوا لم يعد واحد منهم من «الأبديّة» ليحدثنا بما جرى لهم حتى يسعد قلوبنا .. فدع عقلك ينسى هذا، واتبع رغبات قلبك ما دمت حيّا، وتمتّع بأطايب الحياة قبل أن يأتى «يوم الآخرة» .. فالمرء لا يأخذ متاعه، والذاهب لا يعود».
ولا أحسب أن ذلك الإنسان القديم .. قدم التاريخ .. وهو يقدم لنا هذا الفكر المتواضع كان يدرك- وهو يفعل هذا- أنه إنما ينمّى غريزة كامنة فى نفسه، ألا وهى غريزة التدين!
فكما أن علماء الاجتماع توصلوا إلى أن الإنسان «مدنى بطبعه» فإن علماء الأديان يحق لهم أن يقولوا أيضا: «إن الإنسان متدين بطبعه» .. !
وغريزة التدين شأنها شأن سائر الغرائز التى أودعها الله فى الإنسان كغريزة الجوع، وغريزة العطش، وغريزة التّمدن، وغريزة حبّ التملك، وغيرها من الغرائز التى تطالب الإنسان أن يسعى إلى إشباعها، وسدّ مطالبها واحتياجاتها.
فغريزة الجوع: تدفعه إلى العمل، والسعى فى الأرض للحصول على الرزق الذى يهيئ له الطعام ليسد به غائلة جوعه، ويشبع به هذه الغريزة.
وغريزة العطش: تدفعه إلى البحث عن الماء، وتنمية موارده وتخزينه، واستعماله عند الضرورة والحاجة.
وغريزة التّمدّن: جعلته يشعر بالحاجة إلى أخيه من بنى الإنسان، وأنه لا
يمكن أن يعيش بمفرده منعزلا عن الآخرين.
وغريزة حب التملك: دفعته إلى اقتناء الحاجات الضرورية، وحفظها، والدفاع عنها ضد من يحاول أن ينتزعها من يده.
وكذلك «التدين» غريزة دفعته إلى أن ينظر إلى نفسه، من أين أتى .. ؟ وإلى أين يذهب .. ؟
وأن ينظر إلى الكون من حوله .. ما مصيره؟ وما مصير العالم كله من بعده؟
وسرعان ما اكتشف بعقله المجرد .. أن هذا الوجود كله لا بد وأن يكون وراءه موجد، وأن هذا الكون كله لا بد له من صانع، وقد تبين له أن الصانع الموجد قوة جبارة تقهر ولا تقهر، تجير ولا يجار عليها.
عرفها أيضا بعقله، وفطرته، وغريزته .. واستصرخها، وطلب نجدتها عند ما ألمّت به أمواج البحار توشك أن تغرقه، أو عند ما عصفت به الرياح توشك أن تهلكه .. فأغاثته ونجدته.
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ (1).
وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ (2).
وانتشر الإنسان على الأرض ليكوّن الجماعات، وانتشرت الجماعات لتكوّن الشعوب، والقبائل، والأمم، وعرفت كل أمة بحضارتها، ولونها وجنسها، ودينها.
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا. (3)
ومع انتشار الأمم وتفرق القبائل، تفرّقت الأديان، وتشعبت الملل والنّحل
(1) الزمر: 8.
(2)
الروم: 33.
(3)
الحجرات: 13.
واعتصمت كلّ أمة بإله تناجيه، وتلوذ به.
عرف أن العرب قبل الإسلام كانوا يعبدون الأصنام .. فصنعوها من الحجر، والخشب ثم ما لبثوا أن صنعوها من العجوة، وكانوا يحملونها فى أسفارهم حتى إذا جاعوا جلسوا إلى شجرة فأكلوا منها ثم سجدوا لها شاكرين.
وقد ذكروا أن أعرابيا مسافرا أكل من عجوة صنمه شيئا، ثم قام يقضى حاجته بعيدا، فجاء ثعلب من الثعالب يطوف حول متاع الأعرابى والصنم قائم عند المتاع، فأخذ الثعلب يشم رائحة الصنم يستسيغ أكله فلم يسغه، لأن الثعالب من فصيلة الكلاب .. تأكل ما يأكله الكلب، وتبول كما يبول الكلاب، فما كان من الثعلب- وقد استقذر- رائحة الصنم إلا أن رفع رجله وبال على رأسه والأعرابى يرقبه فى حذر ودهشة. فلما انتهى الثعلب من فعلته، وأفاق الأعرابى من دهشته، قام إلى متاعه فحمله، وإلى صنمه فداسه، ثم أنشد على فطرته السليمة هاتفا:
أربّ يبول الثّعلبان برأسه؟
…
لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب (1)
ومثله ذلك الأعرابى على فطرته السليمة .. وغريزته البصيرة، وقد نظر فى ما حوله من صحراء مترامية الأطراف، ترتمى فى أحضان أرض بعيدة المدار ..
تعلوها سماء تتعانق معهما عند مدّ البصر، ذات نجوم وأبراج، فما لبث يفكر فى عظمة هذا الخلق، ويردّه بفطرته إلى يد الخالق فيقول:
«سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج.
البعرة تدل على البعير، والقدم يدل على المسير.
أفلا يدل هذا على الحكيم الخبير»
…
؟
(1) تاج العروس 2/ 90.
وأما أصحاب الفطر السقيمة، والعقول القاصرة، فلم يبلغوا هذا المبلغ فتخبطوا فى دياناتهم خبط عشواء متحلقين حول صنم لا ينفع ولا يضر، أو متجهين إلى كوكب مصيره الأفول، أو إلى نار يوقدها بنفسه لتنطفئ وتخلف رمادا لا طائل من ورائه لعابد ولا ناسك.
أو حائرين حول فلسفات عقلية، أو مناظرات ومجادلات عقيمة لا تؤدى إلى نتيجة قاطعة.
فكان من رحمة الله الخالق المدبر أن أرسل رسله مبشرين، هادين ومرشدين ولم يترك عباده لعقولهم وأهوائهم تلعب بهم:
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (1).
* فبعث فى كل أمة رسولا منهم ليعرفوه:
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ (2).
* يتكلم بلسانهم، ويخاطبهم بلغتهم ليفهموا عنه، ويبين لهم، ليعوا ما يقول:
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ (3).
* يعلمهم أنهم مخلوقون لله جل شأنه، خلقهم ليعرفوه فيعبدوه، وهم محتاجون له وهو غنى عنهم:
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (4).
ومنذ ذلك الوقت البعيد: تنزّل الوحى، على رسل مختارة بعناية الله لهداية الأمم والأقوام، والتقت السماء بالأرض، والملائكة بالأنبياء تحمل معها كتب
(1) النساء: 15.
(2)
النحل: 36.
(3)
إبراهيم: 4.
(4)
الذاريات: 56 - 58
الله وصحفه، لتتلوها رسله على خلقه.
فسارع إلى الإيمان بها من كتب له النجاة.
وسارع إلى نكرانها من كتبت له الشقاوة والحرمان.
وتنازعت أمم الأرض أديان مختلفة، وعقائد متباينة، نجملها فى اثنين لا ثالث لهما.
أديان إلهية سماوية، وأديان فلسفية عقلية.
والأديان الإلهية: أساسها الوحى، ووسائل بيانها وتبليغها الأنبياء والرسل.
والأديان الوضعية: أساسها العقل البشرى، ووسائل تبليغها مفكروها وفلاسفتها.
وجميع الأديان سواء كانت إلهية، أو عقلية متفقة كلها على التمييز بين الخير والشر فكلها يدرك أن الصدق، والوفاء، والأمانة، وإطعام الجائع، وإكساء العارى، وعلاج المرضى، ونصرة المظلوم، والنكاح الصحيح من مكارم الأخلاق ومحاسنها. وكلها يدرك أن الكذب والخيانة، والسرقة، والفظاظة والغلظة، والقتل، والزنا، وشرب الخمر من مساوئ الأخلاق التى لا يرضاها العاقل من الناس.
والفارق بين الديانات الإلهية والعقلية: أن الديانات العقلية الفلسفية ترد الأعمال إلى ضرورة الاجتماع البشرى الذى يرى العقل المجرد ضرورة تنظيمه فى إقرار المعروف وإنكار المنكر فى صورة قوانين، ولوائح، ونظم، يجرّمها ويعاقب عليها سلطة زمنية مؤقتة سواء كان حاكما، أو إلها مزيفا لا يملك مع الله الخالق الحقيقى شيئا.
وأما الديانات الإلهية، فإنها ترد الأعمال كلها إلى الخالق الحقيقى للكون والإنسان، وترد التجريم، والعقاب، والجزاء إليه، وتعتبر أن هذه الحياة التى يحياها البشر حياة مؤقتة، معدة للأعمال، وما يسرى فيها من جزاء إنما هو جزاء مؤقت، وأن الجزاء الأوفى فى حياة أبدية دائمة، تقام بعد فناء هذا العالم الذى سيزول يوما ما.
وهذا الفكر الذى جاءت به الديانات الإلهية تبلور بصفة نهائية فى مسمّى الإسلام، واكتملت كل أسسه وقواعده على يد النبىّ محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى سائر إخوانه من الأنبياء.
إذا: فما هو هذا «الإسلام» ؟
والجواب: الإسلام هو دين الله عز وجل.
قال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ (1).
وقال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (2).
وقال تعالى: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (3).
وهو دعوة جميع الرسل، والأنبياء.
أى أن جميع الرسل والأنبياء أمروا من الله تعالى بتبليغ «الإسلام» إلى أممهم من أولهم: «نوح» عليه السلام، إلى آخرهم:«محمد» صلى الله عليه وسلم، وعلى إخوانه من الأنبياء.
قال عز وجل: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً، وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى، وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ
(1) آل عمران: 19.
(2)
آل عمران: 85.
(3)
المائدة: 3.