الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(1)
غير أولي الضرر: غير ذوي الضرر أي الذين فيهم ضرر يمنعهم من الجهاد كالمرضى وذوي العاهات. وهناك أحاديث تفيد أن ذوي الأعذار المشروعة يدخلون في الجملة.
تعليق على الآية لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
…
إلخ والتي بعدها
عبارة الآيتين واضحة. وقد تضمنتا تنويها عظيما بزيادة فضل وأجر المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين عن الجهاد من المؤمنين من غير ذوي الضرر والأعذار المشروعة مع استحقاقهم الحسنى الموعودة للمؤمنين جميعا مجاهدين وقاعدين.
ولقد روى الطبري عن ابن عباس أن المقصود من القاعدين والمجاهدين هم الذين خرجوا مع رسول الله إلى بدر والذين قعدوا عنها. فإنه لما نزل الأمر بغزوة بدر قال عبد الله بن أمّ مكتوم وأبو أحمد بن جحش بن قيس الأسدي يا رسول الله إننا أعميان فهل لنا رخصة فنزلت الآية. وهناك حديث يرويه البخاري والترمذي عن زيد بن ثابت جاء فيه «إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله فجاءه ابن أمّ مكتوم وهو يمليها عليّ فقال يا رسول الله والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان أعمى فأنزل الله على رسوله وفخذه على فخذي فثقلت عليّ حتى خفت أن ترضّ فخذي ثم سرّي عنه فأنزل الله
غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ» «1» وليس في الحديث الصحيح هذا ذكر لغزوة بدر بل وليس فيه أن الآيات نزلت في صدد ابن أم مكتوم وكل ما فيه أن حكمة التنزيل استجابت لهتافه فأنزلت الجملة الاستثنائية ليدخل هو ومن في بابه في الاستثناء وليكون ذلك تشريعا عاما. ووقائع غزوة بدر نزلت متصلة في سورة الأنفال وقد نزلت بعد الغزوة وليس قبلها. وليس من حكمة لوضع آية يقال إنها نزلت في ظرف وقعة بدر في هذه السورة.
ولما كانت الآيات [71- 89] قد احتوت حملة على مرضى القلوب والمنافقين الذين يبطئون عن الجهاد ويخلفون وعدهم بذلك وأهدرت دم المنافقين إذا ظلوا على موقفهم ولم يتضامنوا في الجهاد مع المؤمنين على ما شرحناه في سياقها فالذي يتبادر لنا أن فريقا من المخلصين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم الذي يقعد عن الجهاد أحيانا لسبب ما وهو مخلص في إيمانه عقب نزول الآيات المذكورة فأوحي بالآيتين جوابا على ذلك مؤذنين بتسامح الله عز وجل للمخلصين الذين لا يعتذرون كذبا ولا تهربا ولو لم تكن أعذارهم قوية ظاهرة. هذا، وما جاء في النص باستثناء ذوي الضرر فالحكمة فيه جلية. وقد تكرر هذا في آيات سورة الفتح في سياق الحضّ على الجهاد حيث جاء فيه لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [17] وفي سياق آيات تندد بالممترين في سورة التوبة حيث جاء فيه لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ [91] .
ولا يبعد أن تكون الآيتان قد نزلتا بعد الآيات التي سبقتها فوضعتا مكانهما للتناسب الظرفي والموضوعي وإلا فتكونان قد وضعتا في مكانهما للتناسب الموضوعي.
ويلفت النظر إلى ما في جملة وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى من لفتة ربانية كريمة
(1) التاج ج 4 ص 85.