الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسلمين بل قد تفيد أنهم غير مسلمين لأنها تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن ينفروا معه حتى تعلم قريش أنه جاء زائرا بدليل اشتراك غير مسلمين معه في الزيارة «1» . غير أن حكاية طلب استغفار الأعراب من النبي صلى الله عليه وسلم في الآية دليل على كونهم مسلمين.
فضلا عن ما في التأميل في غفران الله ورحمته من قرينة. وفي آية قريبة أخرى دليل آخر أيضا على ما سوف يأتي شرحه. وفي روايات السيرة ما يفيد أن جماعات من مزينة وأشجع وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم وأسلموا في السنة الهجرية الخامسة، وأن جماعات من مزينة وأشجع وأسلم وغفار كانوا في عداد الجيش الذي زحف النبي صلى الله عليه وسلم به على مكة في السنة الهجرية الثامنة «2» . حيث يفيد هذا أن منهم من كان مسلما قبل سفرة الحديبية بمدة ما. وكل ما يمكن أن يكون محتملا والحالة هذه أن إسلامهم لم يكن قد رسخ بعد وهو ما عبرت عنه آيات سورة الحجرات (14- 17) وما تفيده من اتساع حلم الله ورسوله لهم على ما شرحناه في سياق تفسير هذه السورة.
[سورة الفتح (48) : الآيات 15 الى 16]
سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَاّ قَلِيلاً (15) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (16)
.
تعليق على الآية سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ والآية التالية لها وما فيها من صور وتلقين
عبارة الآيتين اللغوية واضحة. وسين المستقبل فيهما قرينة على أن الأقوال
(1) وقد ذهب إلى هذا محمد حسين هيكل في كتابه حياة محمد.
(2)
انظر ابن سعد ج 2 ص 56 و 71 وج 3 ص 182.
التي حكيت في الأولى عن المتخلفين والتي أمر النبي بأن يقولها لهم في الثانية سابقة على المواجهة. ومن قبيل ما سوف يكون حين المواجهة. وتكون الآيتان والحالة هذه تتمة أو استمرارا للسياق السابق. وقد نزلتا معا في أثناء طريق عودة النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إلى المدينة من الحديبية.
وفي الآية الأولى صورة من صور الأعراب في مطامعهم وتناقضهم حيث يتخلفون حين الخطر عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ويعتذرون بالأعذار الكاذبة ثم يطلبون منهم السماح لهم باتباعهم في الرحلات التي تكون الغنائم والسلامة فيها مضمونتين. فإذا منعوا من ذلك سخطوا واتهموا مانعيهم بالحسد. وفي هذا ما فيه من قلة الشعور وحسن الإدراك.
والمتبادر أن المتخلفين المذكورين في هذه الآيات هم نفس المتخلفين المذكورين في الآيات السابقة أو منهم. ولم يرو المفسرون روايات خاصة في صدد هذه الآيات حيث يؤيد هذا ما قلناه من وحدة السياق وظروف النزول، والله أعلم.
وفي الآية الثانية إيذان رباني بعدم رضاء الله عن هذه الحالة. وإيجاب عدم السماح لهم إذا انطلق المسلمون إلى رحلة مضمونة النجاح والغنائم والسلامة كعقوبة لهم. ثم إتاحة فرصة اختبارية لهم حيث يؤذنون قبل ذلك بأنهم سيدعون إلى قتال قوم أشداء البأس من أعداء المسلمين. وحينئذ ينكشف أمرهم. فإن أطاعوا استحقوا أجر الله العظيم وإن تولوا كما تولوا من قبل وتخلفوا حقّ عليهم عذاب الله الأليم.
ولقد قيل «1» إن جملتي يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ وكَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ تعطفان على آيات وردت في سورة التوبة في حق المتخلفين وهي فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
(1) انظر الطبري والطبرسي والبغوي والخازن وابن كثير والزمخشري لقد أوردوا القولين وبعضهم فند الأول.
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (83) . وقيل «1» إن الله أمر نبيه بأن لا يسمح لهم بالذهاب معه إلى رحلة فيها مغانم وأن لا تكون مثل هذه الرحلة إلّا للذين شهدوا الحديبية.
والقول الأول بعيد لأن آيات التوبة نزلت في ظروف غزوة تبوك في السنة الهجرية التاسعة على ما هو متفق عليه. وقد فنده غير واحد من المفسرين بناء على ذلك «2» . والقول الثاني هو الأوجه. ويكون ما جاء في الجملتين إما أنه نزل قرآنا في سورة الفتح أو غيرها في مناسبة ما ثم نسخ ورفع لحكمة ربانية وإما أنه إلهام رباني ووحي غير قرآني، ثم أيده القرآن في الجملتين. وهذا مما تكرر على ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة.
ولقد قال المفسرون عزوا إلى بعض التابعين: إن المغانم المذكورة في الآية الأولى هي مغانم خيبر وإن الله قد وعد بها الذين شهدوا الحديبية خاصة عوضا عن غنائم أهل مكة إذ انصرفوا عنهم على صلح ولم يصيبوا منهم شيئا. وإن الله قد أمر نبيه أن لا يسير معه إلى خيبر غيرهم «3» .
والزحف على خيبر قد وقع بعد العودة من الحديبية بشهرين في رواية وبخمسة أشهر في رواية أخرى. ولم يذكر كتّاب السيرة القدماء أن شهودها اقتصروا على من شهد الحديبية «4» . حتى ولم يذكر ذلك المفسرون الذين رووا قصة وقعة خيبر «5» . هذا إلى ما هو ظاهر من أن أسلوب الآيتين اللتين نحن في
(1) انظر الطبري والطبرسي والبغوي والخازن وابن كثير والزمخشري لقد أوردوا القولين وبعضهم فند الأول.
(2)
المصدر نفسه.
(3)
تفسير البغوي والطبري وابن كثير والخازن والطبرسي والزمخشري.
(4)
انظر ابن سعد ج 3 ص 153- 163 وابن هشام ج 3 ص 378- 400.
(5)
انظر كتب التفسير السابقة الذكر.
صددهما عام وفي صدد حكاية ما كانت عليه حالة الأعراب من رغبة الابتعاد حين الخطر ورغبة الإقبال حين تكون المغانم والسلامة مضمونة. ثم في صدد إتاحة فرصة لهم بإثبات صدق إيمانهم في موقف ليس فيه غنيمة وإنما فيه خطر على ما شرحناه قبل.
ولذلك فإنه يخطر بالبال أن تكون رواية تأويل المغانم بمغانم خيبر هي من قبيل التطبيق لأنه لم يكن في زحف خيبر جماعة من هؤلاء المتخلفين. والله أعلم.
ولقد تعددت روايات المفسرين المعزوة إلى ابن عباس والضحاك وقتادة وسعيد بن جبير في المقصود بجملة قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ منها أنهم هوازن وثقيف. ومنها أنهم بنو حنيفة قوم مسيلمة. ومنها أنهم الروم والفرس. ومنها أن الجملة مطلقة لم تعن قوما بأعيانهم «1» . ونرى هذا هو الأوجه والأقوال الأولى من قبيل التطبيق. والله أعلم.
والآيتان كالآيات السابقة لا تخلوان هما الأخريان مع خصوصيتهما الزمنية والموضوعية من صورة يتكرر ظهورها من فئات من الناس في كل ظرف حيث يبتعدون عن الخطر ويتوارون وقت الشدة والنضال ويعتذرون بالأعذار الكاذبة ثم لا يخجلون من المسارعة حين الأمن والسلامة إلى المطالبة بالغنم دون الغرم.
ولا تخلوان بالتبعية من تلقين جليل مستمر المدى بتقبيح هذه الصورة من جهة وبجعل إخلاص هذه الفئات وصدق دعواها منوطين بامتحان قوي يتحملون فيه الجهد والمغرم حتى يصح لهم أن يلتحقوا بزمرة الصالحين الصادقين ويكون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم.
هذا، ولسنا نرى في جملة سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ نقضا لما استنتجناه من تقريرات القرآن والسنة الثابتة وأوردناه في
(1) انظر الطبري والطبرسي والبغوي والخازن وابن كثير. [.....]