الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(5)
أن تضعوا أسلحتكم: أن لا تحملوها.
(6)
فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة: إذا ذهب الخوف وأمنتم فأقيموا الصلاة تامة بدون اختصار.
(7)
كتابا موقوتا: مكتوبة عليكم في أوقات معينة.
تعليق على الآية وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ
…
إلخ والآيتين اللتين بعدها وسنّة قصر الصلاة في حالة السفر بدون خوف
عبارة الآيات واضحة. وقد تضمنت:
(1)
إباحة اختصار الصلاة للمسلمين إذا خرجوا إلى قتال أعدائهم الكفار وخافوا أن يتعرضوا لكيدهم وعدوانهم حين انشغالهم بالصلاة.
(2)
وتعليما للنبي لبعض كيفيات الصلاة في حالة الخوف.
(3)
وتنبيها للمسلمين إلى وجوب الاحتفاظ بأسلحتهم وهم في الصلاة مع رفع الحرج عنهم في حالة المطر والمرض وإلى وجوب أخذ الحذر على كل حال حتى لا يميل عليهم الكفار ويأخذوا أسلحتهم وأمتعتهم.
(4)
وأمرا لهم بذكر الله على كل حال وبإقامة الصلاة في أوقاتها تامة حين الاطمئنان والأمن.
والآيات فصل جديد. ولكن التناسب ملموح بينها وبين الآيات السابقة. فإما أن تكون نزلت بعدها فوضعت في مكانها للتناسب الظرفي والموضوعي وإلّا فتكون وضعت فيه للتناسب الموضوعي.
ولقد روى المفسرون في سبب نزول الآيات عدة روايات منها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على رأس المسلمين في عسفان وأمامهم المشركون وعليهم خالد بن الوليد، فصلى بهم الظهر فقال المشركون: لقد أصبنا غرة أو غفلة فلو حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت الآيات بين الظهر والعصر فصلى النبي بالمسلمين العصر صلاة
الخوف على النحو الذي علّمته الآية الثانية. ومنها أن سليمان اليشكري سأل جابرا عن أي يوم نزل فيه قصر الصلاة فقال له كنّا مع رسول الله وراء عير لقريش فنزل بنخل فجاءه رجل فقال يا محمد ألا تخاف مني؟ قال: لا. قال: ما يمنعك مني؟
قال الله يمنعني منك. قال: فسلّ السيف فهدده وأوعده، ثم نادى بالترحل وأخذ السلاح، ثم نودي بالصلاة فصلّى النبي بالناس صلاة الخوف. وقد روى الترمذي الرواية الأولى بخلاف يسير عن أبي هريرة دون أن يذكر بصراحة أنه سبب نزول الآيات حيث قال «نزل النبي بين ضجنان وعسفان فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاة هي أحبّ إليهم من آبائهم وأبنائهم وهي العصر فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلة واحدة، فأتى جبريل النبي فأمره أن يقسم أصحابه شطرين فيصلي بهم وتقوم طائفة أخرى وراءهم وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ثم يأتي الآخرون ويصلّون معه ركعة واحدة ثم يأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم فتكون لهم ركعة ركعة ولرسول الله ركعتان» «1» وهناك رواية أخرى تذكر أن قوما من التجار سألوا النبي كيف يصلّون وهم يضربون في الأرض فأنزل الله وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ فقط وانقطع الوحي حتى مرّت سنة على ذلك فغزا النبي غزوة فصلى بالمسلمين الظهر فقال المشركون لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم فشدوا عليهم فقالوا إن لهم صلاة أخرى بعدها فأنزل الله بقية الآية بين الصلاتين فصلى العصر ركعتين. وقد صف المسلمين صفين فوقف جميعهم معه وسجد الصف الأول معه وظل الثاني حارسا ثم تأخر الصف الأول وحل محله الثاني وسجد مع النبي في الركعة الثانية ولما جلس جلسوا جميعا معه وأتموا الصلاة.
ورواية سؤال التجار غريبة لأنها تقسم الآية الأولى إلى فترتين مع أنها هي والآيتين التاليتين لها وحدة تامة منسجمة. ورواية عسفان متصلة بوقعة الحديبية ونرجح أن الآيات نزلت قبلها. وقد ذكرت هذه الوقعة في سور متأخرة عن هذه السورة.
ولقد كانت الغزوات بقيادة النبي والسرايا بقيادة أصحابه متواصلة في العهد
(1) التاج فصل التفسير ج 4 ص 86.
المدني. فالمتبادر أن حادثا ما وقع في وقت مبكر نوعا ما فكان سببا لنزول الآيات جملة تامة لتكون تشريعا مستمرا.
وينطوي في مضمون الآيات وروحها توكيد على عدم التهاون في أداء الصلاة في أوقاتها حتى في ظروف الخوف والخطر مع إباحة اختصارها في هذه الظروف.
وفي هذا ما فيه من تلقين عظيم بما للصلاة عند الله من خطورة عظمى مما نبهنا عليه في سياق تفسير سورة العلق. ولقد روى الخمسة عن ابن عمر حديثا جاء فيه فيما جاء «فإذا كان خوف أكثر من ذلك فصلّ راكبا أو قائما تومىء إيماء» «1» .
وهناك حديث رواه أصحاب السنن عن جابر قال «بعثني رسول الله في حاجة فجئت وهو يصلّي على راحلته نحو المشرق والسجود أخفض من الركوع» «2» حيث ينطوي في الحديثين توكيد واجب أداء الصلاة في أوقاتها على كل حال.
ولقد روى المفسرون «3» بدون عزو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخر الصلاة لوقت آخر إذا كان في حالة حرب أو خوف ويسمح للمسلمين بذلك إلى أن نزلت هذه الآيات. وفي هذا إن صحّ ولا مانع من صحته توكيد لخطورة ذلك الواجب.
وهناك أحاديث صحيحة في كيفية صلاة الخوف التي صلاها النبي بأصحابه.
منها حديث رواه الخمسة عن ابن عمر قال «صلّى رسول الله صلاة الخوف في بعض أيامه فقامت طائفة معه وطائفة بإزاء العدو فصلّى بالذين معه ركعة ثم ذهبوا وجاء الآخرون فصلّى بهم ركعة. ثم قضت الطائفتان ركعة ركعة» «4» . ومنها حديث رواه مسلم وأبو داود عن أبي بكرة قال «صلّى النبي في خوف الظهر فصفّ بعضهم خلفه وبعضهم إزاء العدو فصلّى بمن خلفه ركعتين ثم سلّم فانطلق الذين صلّوا معه فوقفوا موقف أصحابهم ثم جاء أولئك فصلّوا خلفه فصلّى بهم ركعتين ثم سلّم.
(1) التاج ج 1 ص 263 و 237.
(2)
المصدر نفسه.
(3)
انظر ابن كثير وغيره.
(4)
التاج ج 1 ص 263 و 264.
فكانت لرسول الله أربعا ولأصحابه ركعتين ركعتين» «1» والجمهور والتواتر على الكيفية الأولى وعلى أن صلاة الخوف مقصورة على ركعتين. ولقد قال بعض العلماء إن جملة وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ تفيد أن صلاة الخوف خاصة بالنبي وحياته.
غير أن الجمهور والتواتر على أنها مستمرة الحكم بعده.
وكلام المفسرين والأحاديث في صدد صلاة الخوف جماعة. وفي ظروف مواجهة عدو محارب. وهو المستفاد من الآيات أيضا. غير أنه يرد على البال أمران الأول أن يكون الذي يواجه الخطر واحدا وأن يكون الخطر غير خطر عدو محارب مثل لصوص وقطاع طرق إلخ ويتبادر لنا أن للمسلم أن يقصر ويصلي صلاة الخوف منفردا في أي حالات الخطر والخوف والله تعالى أعلم.
ومع أن نصّ الآيات صريح بأن قصر الصلاة قاصر على ظروف الخوف من الأعداء فإن هناك آثارا تفيد أن السنة النبوية جعلته شاملا للسفر في حالة الأمن أيضا. فمن ذلك حديث رواه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن يعلى بن أمية قال «قلت لعمر بن الخطاب ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا. وقد أمن الناس. فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله عن ذلك فقال صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» «2» . والحديث يفيد أن تعميم القصر على السفر في حالة الأمن إلهام رباني وهذا هو المتواتر الذي عليه الجمهور. وهناك أحاديث نبوية تؤيد ذلك يأتي بعضها بعد هذا.
وفي مدة السفر التي يصح قصر الصلاة فيها روى الخمسة عن أنس قال «خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فكان يصلّي ركعتين ركعتين حتى رجعنا قال راوي الحديث عن أنس قلت ماذا أقمتم في مكة قال أقمنا عشرا» «3» وروى
(1) التاج ج 1 ص 263 و 264.
(2)
المصدر نفسه ص 265.
(3)
المصدر نفسه ص 265 و 266. وهناك أحاديث أخرى فيها خبر قصر النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة في السفر الأمن فاكتفينا بما أوردناه. وقد قال الشارح إن الفرسخ ثلاثة أميال والميل ألف باع.
الجزء الثامن من التفسير الحديث 15