الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله» «1» وفي مجمع الزوائد حديث رواه ابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» مما فيه تلقين متسق مع التلقين القرآني في وجوب إحسان معاملة الزوجات والبرّ بهنّ، وهناك حديث آخر مهم رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا يفرك مؤمن مؤمنة وإن كره منها خلفا رضي منها بآخر» «2» . وجمهور المفسرين والمؤولين على أن جملة يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ في الآية الأولى كناية عن الزنا. وإن للزوج في حالة ثبوت ذلك على زوجته حقا في استرداد مهرها وما قد يكون أعطاها إياه من مال أو بعضه بالأسلوب الذي لا يخالف شرعا ولا عرفا. وهذا متسق مع روح الآية كما هو المتبادر.
مسألة المغالاة في المهور
ولقد روى المفسرون في سياق الآية [20] أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس في خلافته فقال «ما إكثاركم في صداق النساء وقد كان الصداق في عهد النبي وأصحابه أربعمائة درهم فما دون ذلك. ولو كان في الإكثار تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها، فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم» . ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش فقالت يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم، قال نعم، فقالت أما سمعت ما أنزل الله؟ قال وأي ذلك؟ فقالت: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فقال اللهم غفرا كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب- وفي رواية- فمن طابت نفسه فليفعل» «3» . ورووا روايات أخرى من بابها جاء في إحداها أن عمر بن الخطاب قال: لا تغالوا في مهور النساء، فقالت
(1) التاج ج 2 ص 143 و 288.
(2)
المصدر نفسه. وكلمة يفرك بمعنى يبغض والراجح أن المقصود بمؤمن ومؤمنة زوج وزوجة مؤمنان.
(3)
النص منقول عن ابن كثير.
امرأة ليس ذلك لك يا عمر إن الله يقول وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته «1» . وجاء في إحداها أن عمر قال «لا تزيدوا في مهور النساء، فقالت امرأة ما ذاك لك، قال ولم؟ قالت إن الله قال وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً الآية فقال عمر امرأة أصابت ورجل أخطأ» «2» وجاء في إحداها أن عمر قال لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية من الفضة فمن زاد جعلت الزيادة في بيت المال فقالت امرأة ما ذاك لك: قال لم؟
قالت إن الله يقول وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً الآية فقال امرأة أصابت وأخطأ عمر «3» .
وهذه الروايات لم ترد في الصحاح وقد روى أصحاب السنن حديثا فيه نهي من عمر عن المغالاة في المهور فقط عن أبي العجفاء قال «خطبنا عمر فقال ألا لا تغالوا بصداق النساء فإنّها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم. ما أصدق امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية» «4» .
على أن عدم ورود قصة اعتراض إحدى النساء على عمر في هذا الحديث لا يمنع أن تكون روايته المروية بصيغ وطرق عديدة صحيحة. ولئن صحت فيكون فيه صورة رائعة عن العهد الراشدي. منها نباهة المرأة العربية وقدرتها على استنباط الأحكام من القرآن. وجرأتها على الدفاع عن حقوقها. وإقرار الرجال وفي
(1) النص منقول عن ابن كثير.
(2)
المصدر نفسه.
(3)
من رشيد رضا.
(4)
التاج ج 2 ص 270 وقيمة الاثنتي عشرة أوقية (480) درهما على ما جاء في شرح الحديث وهناك حديث رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سلمة يؤيد ما جاء في الحديث المروي عن عمر جاء فيه (سألت عائشة كم كان صداق رسول الله قالت كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشّا. أتدري ما النش قال لا. قالت نصف أوقية فتلك خمسمائة درهم) انظر التاج ج 2 ص 269. [.....]
مقدمتهم الخليفة بذلك ومنها تراجع الخليفة عن وصية وصاها حينما نبهته المرأة إلى احتمال مخالفة الوصية للتلقين القرآني.
والمتبادر أن إيعاز عمر كان اجتهادا منه فيه مصلحة للمسلمين. وهناك حديث رواه ابن حبان في صحيحه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيه «إن من خير النساء أيسرهن صداقا» «1» وحديث ثان رواه أحمد والحاكم والبيهقي جاء فيه «إن من يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها» «2» ومن المحتمل أن يكون عمر قد استأنس بهذه الأحاديث وأمثالها في إيعازه.
وفي سورة النور آية تنطوي على تلقين قوي بوجوب تيسير الزواج لكل فئة وبخاصة للفقراء مما لا يتيسر إلّا بعدم المغالاة في المهور وهي وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (32) .
وحتى على فرض صحة رواية احتجاج المرأة على عمر وتراجعه عن إيعازه فإنه ليس في الآية ما يصح الاستدلال به على أن المبلغ الكبير الذي عنته بلفظ القنطار هو المهر فقط حيث يمكن أن يكون مجموعة عطايا من الزوج. وعبارتها تهدف إلى حماية المرأة وعدم ابتزاز ما صار حقها الشرعي من مال أعطاه لها زوجها فيه المهر وغير المهر مهما كثر. ويظل تلقين آية سورة النور والأحاديث النبوية وإيعاز عمر واردا واجب الاحترام بل ومخولا للحكام الإشراف على مقادير المهور ومنع المغالاة فيها في كثير من الظروف التي لا يكون أكثر الناس فيها قادرين على دفع مهور عالية حيث يؤدي هذا إلى تعسير الزواج وتزايد الأيامى- أي العزاب- من رجال ونساء وعبيد وإماء، وبعبارة أخرى إلى تعطيل أمر الله الوارد في آية سورة النور أما القادرون فالذي يتبادر لنا أنه ليس في التلقين المشار إليه ما يحول دون زيادة المهر بينهم عن المقدار المحدد في الروايات المروية. ولعل حكمة عدم
(1) انظر تفسير الآية في تفسير المنار.
(2)
المصدر نفسه.