الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس التاسع
(عِشرة الرجل مع أهله)
المقصود بالعشرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فما هي العشرة في لغتنا العربية حتى نعرف المقصود بعشرة الرجل مع أهله؟:
يقول ابن فارس في معجم (مقاييس اللغة): "العين والشين والراء أصلان صحيحان؛ أحدهما في عدد معلوم، ثم يُحمل عليه غيره، والآخر يدل على مداخلة ومخالطة". والذي يعنينا أيها الأبناء هو الثاني وفيه يقول: "فأما الأصل الآخر الدال على المخالطة والمداخلة فالعشرة والمعاشرة، وعشيرك الذي يعاشرك، وإنما سميت عشيرة الرجل لمعاشرة بعضهم بعضًا، حتى الزوج عشير امرأته.
وجاء في الحديث في ذكر النساء: ((إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير)). ويقال: عاشره معاشرة جميلة. وقال زهير:
لعمرك والخطوب مغيرات
…
وفي طول المعاشرة التقالي
ويقول ابن منظور في (لسان العرب): "العشرة: المخالطة، وعشيرة الرجل بنو أبيه الأَدْنَون، والعشير: المعاشر، والعشير: القريب والصديق، وعشير المرأة: زوجها؛ لأنه يعاشرها وتعاشره كالصديق والمصادق.
وقوله تعالى: {لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} (الحج: 13) أي: لبئس المعاشرة".
أما الراغب في مفرداته فيقول: "العشيرة: أهل الرجل الذين يتكثر بهم، أي: يصيرون له بمنزلة العدد الكامل، وذلك أن العشرة هو العدد الكامل. قال تعالى: {وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ} فصار العشيرة اسمًا لكل جماعة من أقارب الرجل الذين يتكثر بهم، وعاشرتُه صرت له كعشرة في المصاهرة. {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} والعشير: المعاشر قريبًا كان أو معارف".
إذا نظرنا إلى هذه الأقوال التي ذكرها أئمة اللغة نرى أن العشرة: مخالطة بين أناس، هذه المخالطة تعنى الكثرة، وفي الكثرة قوة، وهذه المخالطة تؤدي إلى التجاذب والتصافي والمودة والمحبة، وهذه حال الأصدقاء والأزواج، بالمخالطة تقاربت المشاعر واختلطت الأحاسيس، مما يجعل كل طرف يحن للآخر إذا غاب عنه، ويشتاق إليه إذا بعد عنه، وبهذه المعاشرة يحيا الناس في أسرهم ومع أهاليهم وفي بيوتهم ومع أزواجهم في مودة ومحبة، ويتحقق للزوجين على وجه الخصوص ما شرع الله الزواج من أجله، وهو السكن والمودة والرحمة.
ولكن هذه المخالطة بكل ما فيها من إحساس بالأنس والاطمئنان والقوة -التي هي من مقتضيات الجماعة- قد تؤدي إلى تعارض المصالح وتنافر الطباع، مما يؤدي إلى التعادي والتناكر. قد رأينا قول زهير:
......................
…
وفي طول المعاشرة التقالي
ولذلك جاءت الآيات والأحاديث وأقوال السلف ترغب في أن تكون المعاشرة بالمعروف؛ لأنها إذا كانت بغير المعروف كانت بلاء شديدًا يجلب الأمراض والهموم، ويؤدي إلى تشريد الأبناء والقضاء على كل أسباب السعادة، كما ترى في البيوت التي يدب فيها دبيب الشقاق والخلاف وتنافر الطباع.
الآيات الواردة في كتاب الله ليس فيها ما يتحدث عن عشرة الرجل مع زوجه إلا ما جاء من قول الله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} (النساء: 19) وما عدا ذلك حديث عن عشيرة الرجل الذين هم أهله، وهذا ما تراه في قول الله تعالى:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (الشعراء: 214).
وفي قوله: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ
كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة: 24) إلى آخر الآية. وقد وردت أيضًا بمعنى الصاحب الملازم لصاحبه، وهذا قول الله تعالى في المشركين وعبادتهم لأصنامهم:{لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} (الحج: 13).
لكنك قد تجد الحديث عن حسن العشرة حين تقرأ الآيات التي تتحدث عن الطلاق فتقول: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (البقرة: 229). وتقول: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ * وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (البقرة: 236، 237). ويقول: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة: 228).
وهكذا نجد هذا التوجيه القرآني في الآيات التي تتحدث عن حضانة الأم لطفلها، وما لها من حقوق في ذلك، وعن المطلقات وما لهن من متعة بالمعروف، وهذه توجيهات تأتي في حالة الطلاق، وأن الواجب أن يتم هذا دون ضرر لأحد الطرفين؛ لتبقى المودة بين الناس وإن انتهت بهذا الطلاق، ونحن كما تعلمون نتناول موضوع العشرة التي تعني أسرة من زوج وزوجة، يعيشان في جو من السعادة والأمان.
ولا يتم ذلك إلا إذا قامت الحياة بينهما على المعروف، بأن يؤدي كل واحد منهما لصاحبه ما يُدْخِل السرور على قلبه، ولا يكون هذا إلا بأن يعرف كل منهما ما عليه من حقوق للآخر، وما بينهما من حقوق مشتركة، فتؤدى هذه الحقوق في إطار من المحبة، وحرص كل منهما أن يؤديها لصاحبه على وجه التمام والكمال.