الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الحادي والعشرون
(دعوة إبراهيم وموسى عليهما السلام
دعوة إبراهيم عليه السلام
-
حمدًا لله، وصلاة وسلامًا على رسول الله، أما بعد:
فحديثنا عن إبراهيم وموسى - عليهم االسلام-:
إبراهيم عليه السلام:
ذكر صاحب (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم) أن اسم إبراهيم ورد تسعًا وستين مرة، منها خمس عشرة مرة في "البقرة"، وإحدى عشرة في "آل عمران"، وأربع مرات في كل من "الأنعام" و"هود" و"الأنبياء"، وثلاث مرات في "التوبة" و"مريم" و"الحج" و"الصافات"، ومرتين في "يوسف" و"النمل" و"العنكبوت" و"الممتحنة"، ومرة واحدة في كل من "إبراهيم" و"الحجر" و"الشعراء" و"الأحزاب" و"ص" و"الشورى"، و"الزخرف" و"الذاريات" و"النجم" و"الحديد" و"الأعلى".
وبهذا الحصر نستطيع أن نعرف متى ذكر إبراهيم في قصة تظهر منهجه في دعوته، ومتى ذكر على سبيل الإشارة والاستشهاد به في موقف، أو موضوع، يثبت الله به المؤمنين ويظهر خطأ المشركين وأهل الكتاب، والذين يدعون أن إبراهيم كان على دينهم، أو أنهم ينتسبون إليه، ويبنون على هذه النسبة أمورًا، ويريدون حقوقًا ليست لهم، إلى غير ذلك مما ورد فيه ذكر اسم إبراهيم عليه السلام.
وأول ذكر لإبراهيم في القرآن تراه في سورة "البقرة"، وقد ورد ذكره في الربع الثامن من الجزء الأول إحدى عشرة مرة، وورد اسمه في الربع الأول من الجزء الثاني أربع مرات، وفي كل موضع نموذج بل عدة نماذج من دعوته عليه السلام، ففي الموضع الأول بيان لما يجب أن يكون عليه حملة الرسالة، من الصبر والطاعة لله والاستسلام له، والحرص على امتداد رسالتهم، والله حين يذكر ذلك، إنما يذكره ليكون نبراسًا لأهل الإيمان من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهذه هي آيات هذا الربع،
يقول الله فيها: {وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} (البقرة: 124).
فلم يكن حصوله على هذه المنزلة من إمامة الناس، وأن يكون أبا الأنبياء، إلا لأنه استحق هذا حين نجح فيما اختبره الله به، فأداه على وجه التمام والكمال، وهذه الكلمات وردت فيها أقوال كثيرة، وهي أقوال غير متعارضة، ولذلك قال ابن جرير ما حاصله أنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر، وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين، إلا بحديث أو إجماع. قال:"ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد، ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له".
وقد ذكر ابن كثير جملة من هذه الأقوال، منها ما رواه داود بن هند عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال:"ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله إلا إبراهيم قال الله تعالى: {وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} قلت له: وما الكلمات التي ابتلى الله إبراهيم بهن فأتمهن؟ قال: الإسلام ثلاثون سهمًا، منها عشر آيات في "براءة": {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ} (التوبة: 112) إلى آخر الآية، وعشر آيات في أول سورة {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} (المؤمنون: 1) و {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} (المعارج: 1) وعشر آيات في "الأحزاب": {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} (الأحزاب: 35) إلى آخر الآية، فأتمهن كلهن فكتبت له براءة قال الله: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} (النجم: 37) ".
ومنها ما روي عن ابن عباس قال: "الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم فأتمهن: فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم، ومحاجته نمروذًا في الله حين أوقفه على ما أوقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه هلاكه، وصبره على قذفه إياه في النار ليحرقوه في الله، على هول ذلك من أمرهم، والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده
في الله حين أمره بالخروج عنهم، وما أمره به من الضيافة والصبر عليها بنفسه وماله، وما ابتلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبح، فلما مضى على ذلك من الله كله، وأخلصه للبلاء قال الله له: أسلِم قال: أسلمت لرب العالمين، على ما كان من خلاف الناس وفراقهم". وكل أمر من هذه الأمور كما ترون فيه من مشقة الصبر عليه الكثير، وبخاصة في قوم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر.
وذكر ابن كثير عن ابن عباس أقوالًا أخرى، فيها أنه أمر بأمور يخالف فيها ما كان عليه قومه، وفعل ما يخالف عادات الناس ليس بالأمر الهين، فلما أسلم إبراهيم نفسه لله رب العالمين، كما قال تعالى:{إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (البقرة: 131) كان جديرًا باختيار الله له إمامًا وخليلًا. قال: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} (البقرة: 124)، ومن شدة محبة إبراهيم للخير رغب في امتداد هذا الاصطفاء لذريته، ولذلك قال:{وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} (البقرة: 124) قال الله له: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} (البقرة: 124).
وذرية إبراهيم: إسماعيل وإسحاق، ومن تناسل منهما إلى يوم القيامة، وإذا كان الله قد أكرم إبراهيم، وجعل كلًّا من ولديه نبيًّا، فإن من بعدهما من ذرية إبراهيم، كان منهم الصالح والطالح. قال تعالى بعد أن ذكر قصة رؤيا إبراهيم، وأنه يذبح ولده إسماعيل، إلى أن مَنّ الله عليه بفداء إسماعيل، وبشره بإسحاق نبيًّا من الصالحين قال:{وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} (الصافات: 113).
وهذا الذي سأله إبراهيم منهج في الدعوة إلى الله، أن يكون الداعية في نفسه وفي ولده مثالًا لطاعة الله، وأن يسأل الله أن يمن على أبنائه وذريته بالهداية والتوفيق، ولذلك لما استجاب إبراهيم لأمر ربه، ورحل بهاجر ووليدها إسماعيل إلى مكة،
وتركهما بأمر الله وحيدين في هذا المكان القفر، الذي لا أنيس فيه ولا جليس ولا طعام ولا ماء، وقف خلف الثنية يجأر إلى الله قائلًا:{رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} (إبراهيم: 37 - 41).
فالهدف من رحلته وتركه لزوجه وابنه في مكة إعلاء كلمة الله، وإقامة دين الله، ومثل هذا الدعاء ما نراه في دعاء إبراهيم وإسماعيل بعد أن أتما بناء البيت، بل أثناء عملهما في بنائه قالا:{رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (البقرة: 127 - 129).
وهذا الحرص على الدعوة إلى الله هو الذي جعل إبراهيم وابن ابنه يعقوب يوجهان النصح لأبنائهما بالحرص على الدين إلى آخر لحظة من حياتهم. قال تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِي إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (البقرة: 132).
وقد استجاب الله دعاء إبراهيم، ووهب له إسماعيل وإسحاق، وجعل من ذرية إسماعيل محمدًا خاتم الأنبياء والمرسلين، وجعل من ذرية إسحاق يعقوب وهو إسرائيل، أي عبد الله ومصطفاه، ومن يعقوب كانت الأسباط، فقد أنجب يعقوب اثني عشر ولدًا منهم يوسف عليه السلام.
وكل من أتى من الأنبياء والمرسلين بعد إبراهيم فهو من ذريته، ولذلك بعد أن ذكر الله ما كان من أمر إبراهيم مع قومه عبدة الأصنام، وما كان من إلقائهم له في النار ونجاة الله له، قال تعالى:{وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} (العنكبوت: 27).
وبعد أن ذكر الله محاجة إبراهيم لعبدة الكواكب قال: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الأنعام: 83 - 87).
ومن منهج إبراهيم في الدعوة إلى الله: بناء البيت الحرام بأمر الله، ومن أجل بناء هذا البيت تحمل إبراهيم ألم فراق إسماعيل، الذي رزق به وقد تجاوز الثمانين من عمره، وليته حين فارقه تركه في مكان آمن فيه مقومات الحياة، أو تركه شابًّا يعمل فيكسب قوته وقوت أمه، إنما تركه طفلًا رضيعًا في مكان ليس به أي مظهر من مظاهر الحياة، فمن يطيق ذلك غير إبراهيم الخليل، ولما كبر هذا الطفل وأصبح صبيًّا، يرى إبراهيم في منامه أنه يذبح إسماعيل، ورؤيا الأنبياء حق، فيأتي من أرض فلسطين إلى مكة؛ ليقص على ابنه رؤياه فيقول الابن:{يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} (الصافات: 12) ويكون الفداء جزاء هذا الصبر والاستسلام لأمر الله.
ثم يؤمر إبراهيم بأن يرفع القواعد من البيت، فيساعده إسماعيل في ذلك ويتما البناء، ويدعو الناس لحج هذا البيت، فيبقى ذكر إبراهيم وذكر جهاده نورًا يهدي
إلى طرق السداد والرشاد، لتكون الدعوة إلى الله من خلال بناء بيوت الله، وتشييدها والمحافظة عليها، وإقامة شعائر الله فيها، رافدًا مهمًّا لتبليغ كلمة الله، وكم للمساجد من دور فعال في جمع كلمة المسلمين ووحدتهم، وتعليمهم وتثبيت أقدامهم، وهذا يحتاج إلى إعداد داعية يمتلك من وسائل التأثير والإقناع، ما يستطيع به أن يستفيد من وجود المسلمين في مساجدهم؛ ليجعل منهم قوة تحمي الحق وتذود عن دين الله.
وفي مدرسة إبراهيم في الدعوة إلى الله، ما نراه في دعوته لعباد الأصنام وعباد الكواكب، وعباد الأصنام كانوا في العراق في بابل، ومِن عظم البلية أن يكون آزر -والد إبراهيم- هو الذي يصنع الأصنام لقومه، فالمسألة ليست في أبيه الذي يعبد الأصنام، إنما في أبيه الذي يصنع الأصنام، فكيف فعل إبراهيم، وهو الوحيد في هذه الأرض الذي يؤمن بالله إلهًا واحدًا، ولم يؤمن معه سوى زوجه سارة وابن أخيه لوط.
إنه بدأ الدعوة لقومه بأبيه، فوجه إليه الدعوة في أدب ولطف، وبيان القرآن لهذا ليس بعده بيان. يقول تعالى:{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} (مريم: 41 - 50).
ومن هذا الدرس يتعلم الدعاة أدب الدعوة إلى الله، وأنها تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن الدعوة تبدأ بالأهل والأقارب، وقد بدأت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم أولًا لعشيرته الأقربين، كما قال تعالى:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (الشعراء: 214، 215).
دعا إبراهيم عبدة الأصنام، لقد أقام عليهم الحجة بطريق عملي لا سبيل لرده؛ إذ بعد أن دعاهم إلى توحيد الله في ربوبيته وألوهيته، فلم يستجيبوا له، أقسم أن يكيد لأصنامهم كيدًا، يظهر عدم استحقاقها للعبادة، فما إن خرج القوم إلى عيد لهم خارج البلدة، وكان هذا من عادتهم في كل عام، حتى دخل إلى معبدهم فكسر أصنامهم، وجعلهم جذاذًا إلا كبيرًا لهم، علق الفأس بيد هذا الصنم الأكبر، فلما جاءوا ورأوا ما حل بأصنامهم، ثاروا وغضبوا، وأتوا بإبراهيم على أعين الناس لعلهم يشهدون، وكان هذا مقصد إبراهيم ليقيم عليهم الحجة على الملأ.
ولما سألوه: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} (الأنبياء: 62، 63) فكانت حجة واضحة أفحمتهم {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} (الأنبياء: 64) ولكن الهوى أعماهم فقالوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} (الأنبياء: 65) وهذا اعتراف منهم بالحقيقة، ولذلك قال لهم إبراهيم:{أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (الأنبياء: 66، 67).
فثارت ثائرتهم وأطفئ عندهم سراج العقل، ولم يبق إلا الكبر والإصرار على الباطل، ولم يجدوا لهم سبيلًا إلا أن يتخلصوا من إبراهيم، لقد فكروا ولم يطل
بهم التفكير، في الكيفية التي يقضون بها على هذا الذي سفه أحلامهم وأبطل حجتهم، فوجدوا أن يجمعوا لذلك حطبًا كثيرًا فيضرموا فيه النيران، ثم يلقون إبراهيم في هذه النيران، فلما وضعوه مقيدًا في كفة المنجنيق قال عليه السلام:"حسبنا الله ونعم الوكيل"، وقذفوه في النار دون رحمة، والكل يشاهد هذا المنظر العجيب، وهذا الإجرام الذي فاق الحدود، ولكن الله القوي القادر القاهر أمر النار أن تكون بردًا وسلامًا على إبراهيم، فكانت كذلك، ولم تحرق إلا وثاقه ونظر إليه الناس فرأوه في روضة خضراء، ولكن النار من حول روضته لا يستطيع أحد الوصول إليه.
وقد روى ابن عساكر عن عكرمة: "أن أم إبراهيم نظرت إلى ابنها عليه السلام فنادته: يا بني إني أريد أن أجيء إليك، فادع الله أن ينجيني من حر النار حولك، فقال: نعم، فأقبلت إليه لا يمسها شيء من حر النار، فلما وصلته اعتنقته وقبلته ثم عادت". {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} (الأنبياء: 70) ويقول الله في سورة "الصافات": {فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ} (الصافات: 98) فانظر إلى طريقة إبراهيم في دعوته، وكيف وجه أسئلته إلى قومه في أسلوب مقنع مهذب، إلى أن قال:{بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} (الأنبياء: 58).
وتأمل في شجاعة إبراهيم في الحق، وهو يقسم أن يكيد لأصنامهم بعد أن يولوا مدبرين، ونفذ ما أقسم عليه بطريقة، أراد منها أن يجمع الناس ليقيم عليهم الحجة، وتم له ما أراد، وقدم ما أراد على طريقته في الإقناع، الذي حاصر كل دليل وأبطل كل ما اعتقدوه في أصنامهم، فقابلوا هذا بالقوة والغشم والتعدي على هذا الذي أراد لهم السعادة، فأوقدوا نارًا هائلة وألقوه فيها، وفي تسليم إبراهيم لأمر الله وفي ثقته في فضل الله درس عظيم للدعاة؛ ليعلموا أنهم إن
أخلصوا لله في الدعوة إليه، فإن الله حافظهم وناصرهم، والدروس في قصة إبراهيم كثيرة.
ولما نجاه الله من النار، ووجد أن أرض بابل لم تعد صالحة لغرس الإيمان، خرج مهاجرًا إلى أرض الشام، ومعه زوجه سارة وابن أخيه لوط، ولم تكن هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، إنما كانت لله ومن أجله، ولذلك قال الله على لسانه:{وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (العنكبوت: 26) وقال: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} (الصافات: 99) ورغب في الولد ليحمل الرسالة معه ومن بعده، فقال:{رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} (الصافات: 100، 101) ذلكم هو إسماعيل عليه السلام وكان من أمر إسماعيل ما ذكرته آيات الصافات، إلى أن فدى الله إسماعيل بذبح عظيم، ولصبره وحسن بلائه بشره الله بإسحاق نبيًّا من الصالحين.
فماذا كان من أمر إبراهيم في بلاد الشام؟ لقد وجد في مدينة حران، وهي من مدن بلاد الشام، قومًا يعبدون الكواكب فكيف أقام عليهم الحجة، وأظهر لهم أن هذه الكواكب مربوبة لله رب العالمين؟ إنه لم يرمهم بالجهل والكفر، ولم يقل لهم من البداية: إن هذه الكواكب لا تضر ولا تنفع، وإنها مربوبة لمن خلقها، إنما دخل معهم إلى معابدهم، وبزغ في كبد السماء كوكب الزهرة، فقال إبراهيم:{هَذَا رَبِّي} (الأنعام: 76) وما هي إلا ساعات حتى أفل هذا النجم، فلم يزد على أن قال:{لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} (الأنعام: 76).
ثم بدا القمر مضيئًا في صفحة السماء، قال كما قالوا:{هَذَا رَبِّي} (الأنعام: 77) وما هي إلا ساعات حتى غاب القمر، فقال:{لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} (الأنعام: 77) فعرض بضلالهم دون أن يفصح عن ذلك، وأشرق الصبح وبدأت الشمس ترسل أشعتها فقال:{هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ} (الأنعام: 78)