الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أحداث القصة
وتبدأ القصة بحديث يدور بين إخوة يوسف، فقد أخذوا في البحث عن حلٍّ لمشكلة نفسية سيطرت عليهم:{إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (يوسف: 8) ومع أنّ أباهم لم يقصِّر في واجب لهم، ولم يحرمهم من محبته، إلّا أنهم وجدوه يخص يوسف وأخاه بنيامين بلونٍ من العطف والمحبة أكثر منهم؛ لما يرى في يوسف من شيم الصلاح والنجابة وحسن الخلق، ومن أجله أحبّ بنيامين، فأمهما واحدة، ورأوا أنهم أحق بهذه المحبة لأنهم القائمون على مصالحه، فهم عصبة -أي: جماعة- قوية بمثلهم يفخر الآباء، وتأمل قولهم:{إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (يوسف: 8) فهذا من سوء الأدب؛ إذ كيف يقول أبناء لأبيهم هذا، فما بالكم وهذا الذي يذكرون فيه ذلك نبي من أنبياء الله، والآيات تصور هؤلاء الأبناء في هذه الصورة المزرية في كل مواقفهم من أبيهم.
انظر إلى ما قالوه له بعد أن عادوا إليه من مصر بغير بنيامين، فاشتد حزنه {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (يوسف: 84 - 86).
وتأمّل حالهم حين جاء البشير بقميص يوسف، فلما ألقي على وجه يعقوب رجع إليه بصره، ولما قال لهم:{إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ * قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ} ، وأخذ هؤلاء الإخوة
يديرون الرأي فيما يصنعون لإبعاد يوسف عن أبيه، حتى تكون لهم الحظوة وحدهم، قال فريق منهم: اقتلوا يوسف، وقال آخرون: اطرحوه أرضًا، أي خذوه واتركوه في أرض بعيدة لا يستطيع العودة منها إلى أبيه، فإن فعلوا ذلك خلا لهم وجه أبيهم، ثم هناك يستغفرون الله من ذنبهم، وهذا من الحمق وسوء الأدب مع الله؛ إذ إن هذا يفتح الباب لكلِّ من أراد المعصية ليقول: أقتل أسرق أزني، ثم أتوب، إنما يقع من يقع في المعصية في لحظة من لحظات الضعف البشري، وكأنه ساهٍ ولاهٍ وجاهل، فإذا ما انكب على وجهه وألقاه الشيطان في بحر الخطيئة نهض من كبوته ضارعًا باكيًا على ذنوبه كما قال تعالى:{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} (آل عمران: 135، 136)
وعرض عليهم أحد الإخوة وهو أكبرهم اقتراحًا ثالثًا، هو أن ينزلوه إلى قاعِ بئر عميق على طريق القوافل، فلعل قافلة تمرّ بهذا البئر، وتستقي منه الماء، فترى يوسف فتأخذه، فتحقق ما نهدف إليه من إبعاد يوسف عن أبيه، ولا نرتكب جريمة القتل، فاتفقوا على ذلك.
وتنتقل القصة إلى المشهد الثاني، وتترك فراغًا يملؤه الفكر، وهو يتساءل كيف استطاعوا تنفيذ مخططهم بكل ما فيه من قسوة وغلظة، تستطيع أن تقول بأنهم بعد هذا الاجتماع الشيطاني ذهبوا إلى أبيهم ليحتالوا عليه في الحصول على يوسف، فعرضوا عليه أنهم يريدونه أن يقضي معهم وقتًا يأنسون به، فارتاب في أمرهم، فماذا فعلوا؟ {قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (يوسف: 11، 12) فقال لهم:
{إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} (يوسف: 13) فكأنّه حين قال لهم ذلك دلّهم على عذر يعتذرون به إليه حين يعودون وقد نفذوا ما اتفقوا عليه، وقد أكدوا لأبيهم أنهم سيكونون قائمين على حفظه، وطمأنوه بحسن رعايتهم لأخيهم {قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ} (يوسف: 14).
وأخذوا يوسف من أبيه، وذهبوا به إلى البئر، وهناك ربطوه بحبل ودلوه فيه، فكان إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه، وإذا تشبث بحافات البئر ضربوا على يديه، ثم قطعوا به الحبل من نصف المسافة، فسقط في الماء فغمره، فصعد إلى صخرة كانت في وسط البئر فقام فوقها، فأيّ أناس هؤلاء! وأي جريمة تلك التي ارتكبها هؤلاء الإخوة! وأي قلوب هذه القلوب في غلظتها وقسوتها! ولكنّ الذي يتولى الصالحين ألقى في قلب يوسف برد الأمان، وأعلمه أنه سينجو من هذه المحنة، وسوف يكون له شأن، وسوف يأتون إليه فيخبرهم بما فعلوه به، ولكن هؤلاء الإخوة الغلاظ الأكباد لا يخطر ببالهم ذلك، قال تعالى:{وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} (يوسف: 15).
وقد تحقق وعد الله له حين جاءوا إليه يطلبون إكرامه لهم، بعد أن جاءوا إليه يطلبون الميرة المرة تلو المرة، فقال لهم:{هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} (يوسف: 89 - 91) لقد تركوا يوسف في الجب وحيدًا وانصرفوا، والجب يختلف عن البئر؛ لأن الجب تراه يضيق من أعلاه ويتسع من أسفله، أما البئر فهو على ميزان واحد
متسع من فوق، كما هو واسع من أسفله، لكنهم اختاروا هذا الجب بكل ما فيه من ظلام ووحشة، ورجعوا إلى أبيهم. فماذا قالوا لأبيهم؟ وماذا قال لهم؟
هنا ينتقل القرآن لعرض مشهد من مشاهد القصة مثير، وكأنّي بك تتصورهم وقد جاءوا جميعًا لأبيهم وقت العشاء، أو قل في جنح الظلام، دون أن يكون معهم يوسف، والمشهد يصورهم وهم يبكون، وقد اختاروا وقت الليل حتى لا تبدو آثار تمثيلهم على أبيهم على وجوههم، وذكروا له أنهم ذهبوا يتسابقون وتركوا يوسف قريبًا منهم عند ملابسهم ومتاعهم، فعدا عليه الذئب فأكله، ولإحساسهم بأنّهم يكذبون قالوا:{وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} أي: بمصدق {وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} ، وإمعانًا في إخفاء معالم جريمتهم جاءوا لأبيهم بقميص يوسف وهو ملوث بالدماء، وهذا الدم دم سخلة ذبحوها، ولطخوا بدمها القميص.
كما روي عن ابن عباس ومجاهد، وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة، أنهم أخذوا ظبيًا فذبحوه فلطخوا بدمه القميص، ولما جاءوا به جعل يقلبه فيقول: ما أرى به أثر ناب ولا ظفر، إن هذا السبع رحيم، وفي رواية أنه أخذ القميص وألقاه على وجهه وبكى حتى خضّب وجهه بدم القميص، وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبًا أحلم من هذا، أكل ابني ولم يمزق عليه قميص.
وهنا تتوقف الآيات لترسم مشهدًا آخر من مشاهد هذه القصة، ويبدأ هذا المشهد بيوسف في الجب، لا طعام معه، وقد تمر عليه أيام فيموت جوعًا، وبينما هو على حاله هذا؛ إذ مرت قافلة بهذا المكان، هذه القافلة متجهة إلى مصر، فأرسلوا واحدًا منهم ليأتي لهم بماء من هذا الجب، فكانت المفاجأة؛ إذ وجد من يتعلق بالدلو، فنظر وصاح:{يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ} فأخرجه، وأراد أن يحتفظ به لنفسه، فادعى أنه اشتراه من أصحاب الماء،