الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم يذكر الفخر في تقرير هذا التمثيل: "أنّ كل شيء يلهث، فإنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب اللاهث، فإنما يلهث في حال الإعياء، وفي حال الراحة، وفي حال العطش وفي حال الري، فكان ذلك عادة منه وطبيعة، وهو مواظب على ذلك كعادته الأصلية، وطبيعته الخسيسة، لا لأجل حاجة وضرورة، فكذلك من آتاه الله العلم والدين، أغناه عن التعرض لأوساخ الناس، ثم إنه يميل إلى طلب الدنيا ويلقي نفسه فيها، كانت حالته كحال ذلك اللاهث؛ حيث واظب على العمل الخسيس والفعل القبيح، لمجرد نفسه الخبيثة، وطبيعته الخسيسة، لا لأجل الحاجة والضرورة.
والأمثال التي ضربها الله للكافرين والمشركين والمنافقين في القرآن كثيرة، ويقابلها الأمثال التي ذكرها الله للمؤمنين والعابدين والطائعين، وهذه الأمثال -كما ذكرنا- أُلِّفت فيها المؤلفات، وتحتاج إلى محاضرات ومحاضرات.
أمثلة ضربها الله في القرآن للدنيا
ولذلك أكتفي بما ذكرت لأنتقل إلى لون آخر من أمثال القرآن، ولنتخير منها ما جاء من تصوير وتمثيل للدنيا ومتاعها وزينتها وبهجتها وسرعة انقضائها وزوالها، وما يجب أن يكون عليه العقلاء من الناس في عدم الركون إليها، والاغترار بزخارفها، مما سنراه في هذه الصور التي رسمها القرآن لها.
ففي هذا المثل يشبِّه الله الدنيا وزينتها بالأرض التي هطَلَت عليها أمطار السماء، فأنبتت زرعها وأشجارها وورودها ورياحينها وعشبها، فاكتست الأرض خضرة وبهجة ورواء، وظنّ أصحابها أنهم يستطيعون أن يحصدوا زرعها، وأن يأخذوا ثمرتها، وما علموا أنّ الإله القويّ القادر، الذي جعلها زروعًا مبهجة، وأشجارًا مورقة، ونباتًا وارفًا، قادر على أن يرسل عليها حسبانًا من السماء، وقد فعل ذلك -جل وعلا، فأتاها أمر الله ليلًا أو نهارًا، فجعلها حصيدًا كأن لم تغنَ بالأمس، وإنما فعل ذلك بها بذنوب أهلها، وفي ذلك آيات واضحات بينات لقوم يتفكرون.
فمن ظن أنه امتلك الدنيا بمتاعها وزينتها، وأنه أصبح قادرًا على توجيه دفتها، بما أتيح له من مصادر القوة، فظنه خاطئ؛ لأن مقاليد السموات والأرض بيد الإله الذي خلق السموات والأرض، وهذه آيات الله يراها الناس في كل مكانٍ، في زلازل أو براكين أو عواصف، تقضي على الأخضر واليابس، وتقتل وتشرد الآلاف، وتزيل مدنًا وبلادًا من على وجه الأرض، فهل يعقل ذلك الغافلون!.
وقريب من ذلك المثل ما تراه في قول الله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} (الكهف: 45) وما تقرؤه في سورة "الحديد" في قول الله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} (الحديد: 20).
فالله يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يضرب للناس مثل الحياة الدنيا، وما مثلها في سرعة زوالها وتقلبها بأهلها، إلّا كمثل الأرض التي نزلت عليها أمطار السماء، فاختلط
بهذا الماء نبات الأرض، فنبت هذا النبات وأورق وازدهر وأينع، ثم انقضت مدته، وآن موعد حصاده، فأصبح هشيمًا تذروه الرياح، وكان الله على كل شيء مقتدرًا.
وفي مثل سورة "الحديد" يلفت الله أنظار خلقه ويقول لهم: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} (الحديد: 20) فالأمر يحتاج إلى علم القلوب، الذي يعني يقظتها وانتباهها، إلى أن تنظر إلى الدنيا نظرة فاحصة لتعرف حقيقتها، ولو فقه الناس والتفتوا إلى ذلك؛ لعلموا أن الدنيا ساعة وتنقضي، ولحظات وتمر، فعليهم أن ينتبهوا إلى ذلك، وأن يتسابقوا فيما بينهم إلى جنَّة عرضها كعرض السماء والأرض، أعدت للذين آمنوا بالله ورسله، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.