الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
المحاضرة التاسعة عشرة
(أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته)
أهم صفات الداعية
حمدًا لله وصلاة وسلامًا على رسول الله، أما بعد:
فالدعوة إلى الله وظيفة الأنبياء وأتباعهم، والمصلحين في كل زمان ومكان، وموضوعنا الذي سنتحدث فيه: أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته، فكيف تتم الإحاطة بعناصر هذا الموضوع وفق منهج التفسير الموضوعي؟:
أول هذه الصفات هو شخصية الداعية، في أن يكون سليم الجسد مكتمل الأعضاء، قوي البنية، نرى هذا فيما كان من أمر طالوت، الذي بعثه الله ملكًا لبني إسرائيل، يقول لهم:{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة: 247) فكانت لطالوت القيادة الناجحة، والنصر المؤزّر.
وهذا موسى عليه السلام يذكر الله ما كان منه من قوة جعلته يضرب أحد أعدائه ضربة قضت عليه، يقول ربنا:{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (القصص: 14 - 16).
وبهذه القوة تمكن من الحصول على الماء الذي سقى به أنعام ابنتي شعيب، كما جاء في قوله تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ
وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا * فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} (القصص: 23 - 26).
وهذا داود عليه السلام يعمل حدادًا، ونوح من قبله كان نجّارًا ماهرًا، يصنع الفلك التي ركبها هو ومن آمن معه، وحمل فيها من كل زوجين اثنين، ولما كان الطوفان كانت تجري بهم في موج كالجبال، وهناك من الأنبياء كنبينا محمد صلى الله عليه وسلم مَن كان يعمل في رعي الغنم، وهي أعمال -كما ترون- تحتاج إلى بنية قوية وجسد سليم، وما حدث لأيوب عليه السلام من بلاء، إنما كان لفترة ثم عادت إليه صحته وماله وولده، كما قال تعالى:{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} (الأنبياء: 83، 84).
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بهي الطلعة جميل المنظر، يقول الإمام الغزالي: "كان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهًا وأنورهم، لم يصفه واصف إلّا شبهه بالقمر ليلة البدر، وكان يُرى رضاه وغضبه في وجهه لصفاء بشرته، وكان يقولون هو كما وصفه صاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه؛ حيث يقول:
أمين مصطفى للخير يدعو
…
كضوء البدر زايله الظلام
وثاني هذه الصفات في الداعية: طلاقة اللسان ورجاحة العقل وسعة الأفق، وقد قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} (إبراهيم: 4)، ولما اختار الله موسى رسولًا وقال له: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * قَالَ رَبِّ
اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} (طه: 24 - 32)، وقال تعالى:{وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي * فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} (الشعراء: 10 - 15).
وكان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أفصح العرب، وقد أوتي جوامع الكلم، مع أنه لم يجلس لمعلم، إنما علمه ربه، كما قال -جلّ وعلا-:{وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} (النساء: 113) ومن يقرأ في كتاب الله جدال الأنبياء للمعاندين لهم والمكذبين برسالتهم، يرى كيف كان هؤلاء الأنبياء أعلى الناس قدرًا في قوة حجتهم وحسن منطقهم، وسعة مداركهم، والمقام لا يتسع لعرض ألوان من هذه المجادلات، وما فيها من دروس نافعة للدعاة، ولكلِّ نبي صولات وجولات مع قومه، حتى أفحموا الخصوم، ولم يبق لدى هؤلاء إلّا اللجاج والعناد.
فأنت تقرأ على سبيل المثال ما كان من حوار وجدال بين إبراهيم عليه السلام والنمروذ، وما صار إليه أمر هذا المعاند المكابر، وأنه لم يستطع أن يحير جوابًا، كما قال تعالى:{فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (البقرة: 258)، كما نقرأ ما ذكره الله من أدلة ساقها إبراهيم لعبدة الكواكب، إلى أن ختمت الآيات بقوله تعالى:{وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} (الأنعام: 83) وما إلى ذلك مما ربما نذكره حين نتحدث عن إبراهيم عليه السلام.
وقد بلغ رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك القمة العالية، يستمع إلى خصومه في أدبٍ، ويرد عليهم بما يقنعهم، ويلقي بدعوته إلى الناس نورًا يضيء لهم الطريق، في عبارات سهلة وأدلة باهرة وحجج واضحة، وابتدأ ذلك من أول دعوته إلى آخرها، في خطبه العامة، ومجالسه الخاصة، وحديثه إلى أصحابه وإلى غيرهم، فأقنع العقول وروى الأرواح والأفئدة، وهذا مثال لحكمته وسعة أفقه في دعوته، نذكره من قصة عتبة بن ربيعة.
قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: "حدِّثت أن عتبة بن ربيعة -وكان سيدًا- قال يومًا وهو جالس في ناد قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده، يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلّمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا، وذلك حين أسلم حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السبطة في العشيرة -أي من المكانة والمنزلة- والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها.
قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قلْ -يا أبا الوليد- أسمعْ)) قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذه الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا -أي: جعلناك سيدًا علينا- حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رأيًّا -أي من الجن- تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب
وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع -أي: من الجن- على الرجل حتى يداوى منه، أو كما قال، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه، قال:((أقد فرغت يا أبا الوليد؟!)) قال: نعم، قال:((فاسمع مني)) قال: أفعل. فقال: ((بسم الله الرحمن الرحيم {حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} (فصلت: 1 - 5).
ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليها يسمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد، ثم قال:((قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك)).
قام عتبة -كما يقول ابن إسحاق- إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني قد سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكوننّ لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كوفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم".
ولو تتبعنا مسيرة دعوته صلى الله عليه وسلم؛ لرأينا داعية إلى الحق من طراز فريد؛ لما أوتي من محاسن الأخلاق وقوة البيان وصدق الحديث وسعة الصدر، ولذلك لم يرفض دعوته إلّا مكابر وحاقد حاسد.
يقول الإمام الغزالي -بعد أن ذكر جملة من أخلاقه صلى الله عليه وسلم قال: "فأعظم بغباوة من ينظروا في أحواله، ثم في أقواله، ثم في أفعاله، ثم في أخلاقه، ثم في معجزاته، ثم في استمرار شرعه إلى الآن، ثم في انتشاره في أقطار العالم، ثم في إذعان ملوك الأرض له في عصره وبعد عصره، مع ضعفه ويتمه، ثم يتمارى بعد ذلك في صدقه، وما أعظم توفيق من آمن به وصدّقه، واتبعه في كل ما ورد وصدر، فنسأل الله تعالى للاقتداء به في الأخلاق والأفعال والأحوال والأقوال بمنه وسعة جوده".
ومن صفات الداعية: الإيمان بما يدعو إليه، وكلما توثّقت عرى الإيمان في قلبه ومشاعره، كلما كان أقدر على تبليغ دعوته، ولذلك قال تعالى:{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (البقرة: 285) وقال: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (الزمر: 33).
فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو أول المسلمين وأول العابدين، والمؤمنون على طريق رسولهم، الإيمان الكامل والفاعل شعار لهم ودثار، ومنهج وسلوك {كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} (البقرة: 285) يعلنون في وضوح أنّ إيمانهم برسل الله إيمانٌ جامع {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} ، ويخبر الله عنهم شهادة لهم، وإعلاء لقدرهم فيقول:{وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (البقرة: 285)، وهكذا كل الرسل، وهكذا أتباع الرسل عبر مراحل التاريخ، وما نجح الرسل في دعوتهم، وما بذل أتباعهم ما بذلوا، إلّا لأنّهم آمنوا هذا الإيمان بالحق الذي معهم، فهم أصحاب قضية يدعون إليها ويدافعون عنها.
وآفة كثير ممن يتعرّضون للدعوة، أنهم لم يشعروا بأنهم أصحاب قضية وأنهم مكلفون بالدفاع عنها، إنما هي هذه مهنة ووظيفة يتقاضون عليها راتبًا، فإذا وقف الخطيب يتحدث للناس، لا يدري ماذا يقول لهم، فاختار موضوعًا لا يعالج مشكلة ولا يثير اهتمامًا، وحين عرضه لم يحسن أداءه لا في نطقه، فكثرت أخطاؤه، ولا في استشهاده بكتاب الله وسنة رسوله، وربما لا يعرف موقع الآية مما يقول، بل ربما لا ينطقها ولا يتلوها تلاوة صحيحة، وإذا ذكر حديثًا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يضبط نطقه، ولا يدري درجته من الصحة، فربما جاء بحديث ضعيف أو موضوع أو قصة من نسج الخيال، ينسبها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يدري، وما ذلك إلّا لأنه خارج الحلبة، يفقد عنصر الإيمان بما يقول.
وهذا الإيمان -كما تعلمون- لا يأتي بين يوم وليلة، إنما يحتاج إلى تربية خاصة بالدعاة، تربية علمية وتربية عملية على طاعة الله والتعلق به، وحب القرآن والعلم به، والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، والسير على منهاجه.
ومن صفات الداعية: الإلمام الواسع بعلوم الكتاب والسنة، وما يعينه على فهم مجتمعه والمجتمعات الأخرى، وهذا معناه: أن يكون ضليعًا في علوم اللغة العربية نحوًا وصرفًا وبلاغة، وأسوأ ما تراه في بعض الدعاة أخطاؤهم التي لا تخفى على الطلاب المبتدئين، فترى الواحد منهم يجعل الفاعل مفعولًا، والمفعول فاعلًا، فلا يعرف أبسط قواعد الإعراب، وإلمامه باللغة يجعله دارسًا للأدب العربي شعره ونثره، وما يتبع ذلك من ألوان الحكم والمواعظ والأمثال والقصص.
ثم عليه أن يتبحر في التفسير وعلومه، والحديث ومصطلحه ورجاله، وعلم الدعوة وفنّه وأسلوبه، والتوحيد وقضاياه، والسيرة النبوية وتاريخ الخلفاء ومن بعدهم، كما يعينه على ذلك أيضًا أن يدرس علم الاجتماع والجغرافيا ومبادئ العلوم الطبية والفيزيائية، إلى غير ذلك من العلوم.
وقد كانت الدراسة الأزهرية قبل التطوير قائمة على هذا المنهج، وكانت دراسة تمتد لأربع سنوات في المرحلة الإعدادية، وخمس سنوات في المرحلة الثانوية، ولا يلتحق الطالب بالمرحلة الإعدادية إلّا إذا كان حافظًا للقرآن حفظًا جيدًا، وكانت العناية خلال هذه السنوات متجهة إلى إكساب الطلاب مهارة خاصّة في اللغة العربية والعلوم الإسلامية، بالإضافة إلى الإلمام بالرياضيات والكيمياء والفيزياء، فنبغ من هؤلاء الطلاب، وهم ما زالوا في مراحل التعليم الإعدادي والثانوي ممن لا نجهل أسماؤهم من شيوخنا وزملائنا.
وللقرآن عناية خاصة بهذا الجانب؛ حيث نجد الكثير من آياته تعلي من قدر العلم والعلماء، وهذه أول الآيات نزولًا تقول:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق: 1 - 5) والقرآن يقسم بالقلم وما يسطره، وتسمى السورة بسورة "القلم" فيقول ربنا:{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} (القلم: 1) وقد ذكرت كلمة أو قل: مادة العلم في القرآن مئات المرات، مما يحتاج إلى إفرادها ببحث في التفسير الموضوعي وليكن عنوانه: العلم في القرآن الكريم.
ولكننا هنا نبحث عن صفات الداعية في القرآن الكريم، والعلم هو الركيزة التي يقوم عليها بناء الدعوة، وهو السلاح الذي يخوض به الدعاة معركة الأفكار والمعتقدات والملل والنحل والمذاهب، ليثبتوا عظمة ما يدعون إليه، فتصل كلماتهم إلى القلوب، فتضيء للناس الطريق، وإذا كان الله قد قال:{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (البقرة: 256) وقال: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف: 29)، فإن الله يعلم أن الدين لا يأتي بالإكراه، والمكره على اعتقاد شيء قد يتظاهر بالإيمان به، لكنه من داخله غير
مقتنع به، فإن وجد فرصة للانقضاض على من أكرهه لم يضيعها، ولهذا لم يذكر التاريخ أن الإسلام حين فتح بلدًا في أرض الله أكره أبناءها على الدخول فيه، إنما وجه دعوته وانطلق المسلمون في أدب وعلم ووقار وحب ورحمة وعدل، يدعون الناس إلى دينهم، فدخلت شعوب الأرض في دين الحق طواعية واختيارًا، بل وحملت بعد إسلامها رايته، وجاهدت لإعلاء كلمته واستنارت بنوره.
كما أن الداعية يلزمه أن يكون قويّ الثقة بربه، وهذه الصفة وثيقة الصلة بالإيمان، وكلما ربا الإيمان في القلب كلما ازداد الداعية ثقة بربه، فلا يرجو من أحد دنيا يصيبها، ولا يخاف نقص رزق أو نقص أجل، وإذا كان من شأن المؤمن أنه يؤمن بأن الرزق والأجل مردّهما إلى الله، فإن الداعية أحوج ما يكون إلى تفعيل ذلك في نفسه ووجدانه، فهو خير من يعلم ويؤمن بقول الله تعالى:{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الزمر: 42)، وبقوله:{وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المنافقون: 11) وبقوله: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} (النساء: 78).
ويثق كل الثقة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي فيه: ((أن الجنين إذا ما أتم أربعة أشهر أرسل الله له الملك، وأمره أن ينفخ فيه الروح، وأن يكتب أربع كلمات: رزقه وأجله وعمله وشقيًّا أو سعيدًا))، والناس من خلال قدر الله تعمل، وكل ميسر لما خلق له، وقال صلى الله عليه وسلم:((والذي نفسي بيده، لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب))، وإحساس الداعية بذلك يكسبه ثقة عظيمة في ربه، فيكتسب بذلك صفة أخرى وهي العزة، والله
يقول في الرد على المنافقين: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} (النساء:138، 139) ويقول ربنا: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (المنافقون: 8)، وقال في سورة "فاطر":{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} (فاطر: 10).
والمؤمنون أرادوا هذه العزة، فطلبوها من العزيز الحكيم فمنحهم إياها، فعزتهم مستمدة من عزة الله وعزة رسوله، والدعاة في قمة من أراد ذلك، فلم يذلوا أمام مال أو جاه، ولم يبيعوا دينهم بعرض من أعراض الدنيا، ولم ينافقوا صاحب سلطان، ولم يتوانوا في تبليغ رسالة ربهم، ولم يستطع متجبّر أو متكبر أن يحول بينهم وبين الناس بترغيبهم أو بترهيبهم، وليست عزتهم كبرًا وتعاليًا على الآخرين، إنما عزتهم كرامة وترفُّع عن الدنايا، وإحساس بما أنعم الله به عليهم من نعمة الإيمان والقرآن، وأنهم ورثة الأنبياء ودعاة الحق، وعزتهم شجاعة في ثبات في المواقف، وكم للدعاة والعلماء من مواقف تكتب بمداد من نور أمام الولاة والحكام والملوك والرؤساء.
وهذه العزة والشجاعة يزينها صفة أخرى وهي صفة التواضع وصفة الرحمة، وبهذه الصفات يقترب الداعية من قلوب الناس، فيحظى بمحبتهم، فيوجههم إلى ما يدعو إليه من الخير، وقدوته في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال الله له:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} (الشعراء: 214 - 216).
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين أصحابه، فلا يكاد يعرف من بينهم، ودخل عليه رجل فأرعد من هيبته فقال له:((هوّن عليك، فلست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد))، وكان لا يدعوه أحد من أصحابه وغيرهم إلّا قال:
لبيك، وكان يجلس مع الناس، إن تكلموا في معنى الآخرة تكلم معهم، وإن تحدثوا في طعام أو شراب تحدث معهم، وإن تكلموا في الدنيا تحدث معهم رفقًا بهم وتواضعًا لهم.
ومن توجيهات القرآن ما تقرؤه في نهاية قصة قارون: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (القصص: 83) والمتكبرون مصروفون عن تدبر آيات الله وفهمها، قال تعالى:{سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} (الأعراف: 146).
والدعوة إلى الله في حاجة إلى هذا الخُلق؛ ليحظى الداعية بالمحبة والرضا، فيحتل من الناس قلوبهم، فيحظى وتحظى دعوته بالقبول، والرحمة عنوان التواضع، إنها إحساس المؤمن بحاجة إخوانه، فيعاملهم بالرفق، يزور مريضهم، ويحنو على صغيرهم، ويوقر كبيرهم، ويأخذ بيد الضعيف منهم، ويتودد إليهم ويساعد محتاجهم، ويدخل السرور عليهم، ويحوطهم برعايته وعطفه وبره، وقد قال تعالى:{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} (الفتح: 29) وقال في صفات من يختارهم لنصرة دينه: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} (المائدة: 54).
وكم تحظى الدعوة بالنجاح إذا ما اتصف الدعاة بهذه الصفة، بل إنّ هذه الصفة كانت الباب الواسع الذي دخل منه الإسلام إلى القلوب، سنّها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أعظم الناس رحمة بالناس، فتعلقت به القلوب، وسار عليه أصحابه وسلف الأمة الصالح، فانشرحت لمرآهم الصدور، وانتشر دينهم في كل مكان.
ومن صفات الداعية المواكبة لتواضعه ورحمته الحلم وحسن الخلق، والحلم صفة من صفات الله، فقد وصف الله نفسه بأنه غفور حليم، وغني حليم، وعليم حليم، وشكور حليم، ووصف الله بها إبراهيم فقال:{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} (التوبة: 114) وقال: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} (هود: 75) ووصف بها إسماعيل فقال: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} (الصافات: 101) وقال قوم شعيب له: {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} (هود: 87) وهكذا أنبياء الله جميعًا.
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعظم الناس حلمًا، في كثير من المواقف التي تغضب الحليم تراه لا يثور ولا يغضب، ولا يقابل السيئة بالسيئة، إنما يعفو ويصفح، وليت الوقت يسمح بذكر بعض تلك المواقف، ففيها عظات وعبر، وما أمر حاطب بن أبي بلتعة، وهو ممن شهد بدرًا عنكم ببعيد؛ إذ لمّا علِم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعد العدة سرًّا ليفاجئ أهل مكة ليفتحها دون أن يريق الدماء، أرسل حاطب إليهم يخبرهم بذلك، فأوحى الله لرسوله بهذا، فأرسل ثلاثة من أصحابه ليلحقوا بالمرأة التي حملت الرسالة، وجاءوا بها -أي: بهذه الرسالة- فلما سأله قائلًا: ((يا حاطب، ما هذا؟)) قال: يا رسول الله، لا تعجل عليّ، إني كنت امرأً ملصقًا في قومي، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهلهم، فأحببت إن فاتني ذلك من النسب منهم أن أتخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي، ولم أفعل ذلك كفرًا ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، ولا ارتدادًا عن ديني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((إنه صدقكم)) فقال عمر رضي الله عنه: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((إنه شهد بدرًا، وما يدريك لعلّ الله عز وجل قد اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم))، وبعد أن أتمَّ الله على رسوله فتح مكة وقف خطيبًا وسأل أهلها:((ما تظنون أني فاعل بكم)) قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال:((اذهبوا فأنتم الطلقاء)).
وهذا عفوه عن لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحره، وهذا عفوه عن الأعرابي الذي أراد أن يقتله، وعفوه عن الأعرابي الذي قال له: يا محمد، والله لئن أمرك الله أن تعدل فما أراك تعدل، إلى غير ذلك مما يدل على عظيم عفوه وحسن خلقه.
والدعاة أولى الناس بالاتصاف بهذه الأخلاق العالية، وبها يستلّون سخائم القلوب، ويجمعون الناس حولهم، لا يثورون ولا يغضبون إلّا إذا انتهكت حرمات الله، وقد قال تعالى في صفات عباد الرحمن:{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} (الفرقان: 63).
وهذا الخلق الكريم للدعاة يجعلهم في حاجة إلى التخلُّق بخلق مهمّ، ألا وهو الصبر، الصبر في معناه الواسع؛ صبر على الطاعات، وصبر عن المعاصي، وصبر في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصبر في مقام الدعوة إلى الله، وصبر على ما ينزل بهم من بلاء، وصبر على مشقات الجهاد في سبيل الله، فالصبر للدعاة عُدّة وزاد وذخيرة، يعينهم على مشقات الطريق ووعورته، ولذلك أكثر الله من الأمر به لرسله والمؤمنين، والآيات في ذلك كثيرة، تقرأ منها قول الله تعالى:{فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} (الأحقاف: 35)، {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (هود: 115)، {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} (طه: 130)، {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} (الروم: 60)، {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} (المزمل: 10)، {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} (مريم: 65)، {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} (طه: 132)، وفي توجيه المؤمنين إلى الصبر نقرأ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران: 200)، {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة: 45).
وهذا أمرٌ لبني إسرائيل الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهو نفس الأمر لأهل الإسلام:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة: 153)، وجزاء الصابرين عظيم {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر: 10)، {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (الرعد: 23، 24)، {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (البقرة: 156، 157)، {وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل: 96)، {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} (المؤمنون: 111)، {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (يوسف: 90) إلى غير ذلك من الآيات.
وليس من موضوعنا أن نتحدث عن الصبر في القرآن والسنة، إنما نتحدث عنه باعتباره ركيزة أساسية للدعاة، وصفة عظيمة من صفاتهم، مَن لم يتحلّ بها سقط في أول الطريق، فكم في الطريق من عقبات وابتلاءات تحتاج إلى رباطة الجأش وقوة اليقين وتحمل الأذى، والصبر لله ومن أجله، ومن صبر ظفر وفاز في الدنيا والآخرة.
ومن أبرز صفات الداعية: الصدق والأمانة، فهو مبلّغ عن الله ورسوله، ولو كذب أو خان فعُرِفَ ذلك منه، لم يثق أحد في حديثه، ولم يستطع أداء رسالته، بل ربما كان وبالًا على ما يدعو إليه، ولعله لا يغيب عنكم أنّ الصدق في الداعية، هو الأساس الذي يشاد عليه البناء، وهو المدخل لإقناع الآخرين بما يقول، ولذلك ترَوَن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أُمِر بتبليغ الدعوة وقف على الصفا ونادى بطون مكة، فلما اجتمعوا إليه لم يقل لهم من البداية إنّ الله اختاره رسولًا
للعالمين، وأن هذه الرسالة قائمة على وحي الله، وفيه كذا وكذا، إنما سألهم قائلًا:((أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بهذا الوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟)) قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا قط، حينذاك قال:((فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)).
فأثبت أولًا وقرر أنه صادق، فكيف يكذب الآن؟ وهذا هو الذي استدل به هرقل عظيم الروم على أن محمدًا هو رسول الله، حين جاءه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام، طلب بعض من في الشام من العرب، فكان أبو سفيان قبل إسلامه مع بعض العرب هناك في تجارة، فجيء بهم ووقفوا بين يديه، وأبو سفيان واقف أمامهم، وأخذ هرقل يسأله، فكان فيما سأله: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال أبو سفيان: لا. وبعد أن انتهى من أسئلته قال فيما قال: أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وهذا هو الذي جعل رسولٍ يدعو أمته يذكر لها أنه رسول أمين، اقرءوا ما ذكره الله في "الشعراء" على لسان نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، وكلٌّ منهم يقول لقومه:{أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} (الشعراء: 106 - 110).
وموسى قبل أن يختاره الله رسولًا، حين سقى لابنتي شعيب رأوا أمانته ورجولته، ولذلك قالت إحدى الابنتين لأبيها:{يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} (القصص: 26) وبعد الرسالة يذكر الله ما قال لفرعون وقومه فيقول: {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ * أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} (الدخان: 17 - 19).