الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهكذا كل الرسل، وهكذا يجب أن يكون أتباعهم ومن على طريقهم، ولهذا اعتنى القرآن والسنة بالدعوة إلى الصدق والأمانة، ورهَّبا من الكذب والخيانة في آيات وأحاديث كثيرة لا تخفى عليكم.
ومما يجب أن يتصف به الدعاة: الإخلاص، والإخلاص يعني التجرد لله، وهو قسمان: اعتقادي وعملي، الاعتقاديّ معناه: تنقية القلب مما سوى الله، فلا يتأله العبد لغير الإله الحق، ولا يعبد إلا هو، ولا يدين بالطاعة والولاء والحب إلا لرب العالمين، والإخلاص العملي: هو ألّا يقصد العبد بعمله وقوله وفعله إلّا الله، ويقابل الأول الشرك، ويقابل الثاني الرياء، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة، ومن الواضح أن من يعبد غير الله لا شأن له بالدعوة إلى الله، بل هو ممن توَجّه له الدعوة لإنقاذه من براثن الشرك وضياعه، ومن يقصد بعمله الرياء والسمعة لا يصلح في مقام الدعوة، فالإخلاص هو الأساس الذي تقام عليه دعائم الدعوة إلى الله.
هذه هي أهمّ الصفات التي يجب أن يتصف بها الدعاة، وكل صفة منها تحتاج إلى أن نقف أمامها طويلًا، نذكر كيف دعا القرآن إليها ورغّب فيها ونفّر من ضدها، لكن يكفينا هذا القدر فقد تغني الإشارة عن العبارة.
كيف ينجح الداعية في دعوته
لكن هذا الداعية ال ذي اجتمعت فيه هذه الصفات، كيف ينجح في دعوته؟ وكيف يؤدي رسالته؟ عليه أن يسلك الطريق الذي يضمن له النجاح، وهذا الطريق طرق وو سائل كثيرة متعددة، وهي تتطور بتطور الزمن، وفق ما يستجد من وسائل الاتصال وانتقاد الأفراد والجماعات، وما يتبع ذلك من تغير في العادات والتقاليد، فالله
خلق الخلق لحكمة وغاية، وجميع المخلوقات عدا الإنس والجن منقادة لله عابدة له، أما الإنس والجن فلهما حرية الاختيار بين الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، مع أنهما لم يخلقا أيضًا إلّا لعبادة الله، كما قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56)، وعبادته سبحانه إنما تكون وفق ما شرع، بل إن العبادة في مفهومها الواسع تشمل حركات الإنسان وسكناته {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام: 162، 163).
ولذلك لم يترك الله الإنسان سدى، إنما أرسل له الرسل وأنزل له الكتب، بدأ ذلك من آدم عليه السلام إلى أن ختمت سلسلة النبوات بمحمد صلى الله عليه وسلم، ووقف كل رسول يبلغ رسالة ربه، وعلى منهج هذا الرسول سار أتباعه ومن بعدهم، يدعون الناس إلى دين الله، فتنوّعت وسائل دعوتهم، فكان منها الاتصال المباشر بالأفراد فردًا فردًا، أو بعدة أفراد، وهي وسيلة ناجحة بها دخل في الإسلام الرعيل الأول كأبي بكر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة وأبي عبيدة، وغيرهم من السابقين للإسلام، وهذه الوسيلة في الدعوة قد تحتاج إلى معرفة سابقة بمن تدعوهم، فهم أصدقاء توثّقت بينهم وبين الداعية عرى الصداقة.
وقد بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته في بيته، فآمنت به زوجه خديجة، ومولاه زيد بن حارثة، وابن عمه علي بن أبي طالب، وبدأ الدعوة سرًّا مع أصحابه وأصدقائه، ثم أمره الله أن يجهر بدعوته فقال له:{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} (الحجر: 94) وقال له: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (الشعراء: 214) وبدأ يجهر بدعوته، فلم يقف خطيبًا يلقي العبارات، إنما وقف كما قلنا فأثبت أنه صادق، فلما أقروا له بذلك قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.
وإذا كان الله قد وجه رسوله إلى أن تكون الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة فقال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (النحل: 125)، فإن هذا التوجيه القرآني يجمع كل أساليب الدعوة، فقد تقتضي الحكمة الاتصال بالأفراد كلّ على حدة، أو بمجموعة منهم كما كان من عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه على قبائل العرب، أو أن يقف خطيبًا يوجه الناس كما كان من مواقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر أو في موسم الحج في حجة الوداع، وقد يكون هذا من خلال موعظة يلقيها، أو درس يشرح فيه بعض أمور الدين، ولكل واحد من هذه بواعثه ودواعيه، ولا غنى لواحد منها عن الآخر.
ومن وسائل الدعوة: الاقتراب من المدعوين بالسؤال عنهم وزيارتهم وعيادتهم إذا كانوا مرضى، وبمساعدتهم إذا احتاجوا، فهكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا الهدي النبوي يقوم الدعاة بإنشاء المؤسسات الخيرية، بما فيها من رعاية الفقراء واليتامى، وبما فيها من إنشاء المساجد والمدارس ومساعدة طلاب العلم، ومن الوسائل الحديثة الكلمة المقروءة والمسموعة والمرئية في الصحافة والمجلات والكتب والكتيبات والنشرات، مما يستدعي تضافر الجهود ليمتلك الدعاة الوسائل التي تعينهم على ذلك، من المطابع عالية الجودة، والمتخصصين المهرة في الإعداد والإخراج، وللإعلام المسموع عبر الإذاعات والمواقع الإسلامية على شبكة المعلومات -الإنترنت- أثر كبير في توصيل رسالة الإسلام.
أما الإعلام المرئي في التلفزيون، وفي عهد السموات المفتوحة، فيما يعرف بالفضائيات، فيجب أن يحتل فيه الدعاة مكانًا مرموقًا، بنقل الخطب والدروس والندوات حيّة على الهواء، وعليهم أن يدرسوا كيفية الإعداد الجيد لما يلقى على
الناس عبر هذه الوسائل، فليست المسألة مجرد معلومات تلقى، إنما هناك الاختيارات الجيدة، التي تتناسب مع ما عند الناس من قصور في فهم أو شطط في فكر، أو مشكلة تحتاج إلى الحل، وهناك الصوت وطريقة الإلقاء ومظهر الداعية في الإعلام المرئي، ومن خلال ذلك كله يتفنّن الداعية في تبليغ رسالته، من خلال ما يسوق من ترغيب وترهيب، وما يذكر من قصص يساق في أسلوب قشيب، وألوان من طريقة القرآن في جداله مع المخالفين له، ومن خلال عرض أساليب القرآن وطريقته في إقناع الآخرين.
وقد يحتاج الداعية إلى تبليغ رسالته لغير الناطقين بالعربية، فليكن هناك مجموعات تتخصّص، كل مجموعة في إجادة لغة من لغات أهل الأرض؛ لحمل رسالة الإسلام للعالمين، وليحققوا حكمة الله من اختيار رسوله صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين.
فهل لنا أن نفعل؟! هذه رسالتنا نسأل عنها أمام الله: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} (الزخرف: 44).
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.