الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كلمة الصفح في القرآن الكريم
وقد وردت كلمة الصفح في القرآن الكريم في ستّ مواضع:
الموضع الأول: في قول الله تعالى في سورة "البقرة": {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة: 109) ففي هذه الآية الكريمة يُبيّن الله عز وجل أن أمل كثير من أهل الكتاب أن يُخرجوا المسلمين من دينهم، وأن يردُّوهم من بعد إيمانهم كفارًا، وهذا كله بسبب الحسد الذي سيطر على قلوبهم فجعلهم لا يقبلون هذا الدين، ولا يدخلون هذا الدين، مع أن الحق قد تبيَّن لهم وهم أعرف الناس بأن الإسلام هو دين الحق، وقد قال الله للمسلمين:{فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} فذكر أن العفو والصفح هو الرد العملي على كيد هؤلاء الحاقدين الحاسدين، وهذا العفو والصفح موقوتٌ بوقت محدد ألا وهو {حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، وقد كانت هذه مرحلة من مراحل الجهاد الإسلامي، وهي مرحلة العفو والصفح إلى أن جاء الأمر بقتال هؤلاء الناس وقتال أهل الكتاب فقال تعالى:{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} (التوبة: 36) إلى آخر الآية الكريمة.
الموضع الثاني: جاء في سورة "المائدة" في قول الله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (المائدة: 13) فهذا الأمر بالعفو والصفح عن
هذا الفريق من أهل الكتاب من اليهود خاصة، الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظًّا عظيمًا مما ذُكّروا به، وما يزال هؤلاء يخونون أهل الإسلام ويدبِّرون لهم المؤامرات إلا من عصمه الله فدخل الإسلام كعبد الله بن سلام وأمثاله عليهم رضوان الله. وأن على الإسلام أن يواجهوا هذا الكيد بالعفو والصفح؛ لأنه لا قتال ولا شيء إنما هي الدسائس والمؤامرات، ومواجهة هذه المؤامرات إنما يكون بأن يعفو عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، وأن يصفحوا عن كيد هؤلاء الماكرين الحاقدين، وعليهم أن يلتزموا جانب الإحسان في دينهم، فإن جانب الإحسان تجويد وتعلية، وإعلاء بما جاء به هذا الدين في سلوك منضبط بشرع الله وهدي الله، وبهذا يستطيع أهل الإسلام أن يردُّوا كيد هؤلاء الكائدين الحاقدين الحاسدين.
الموضع الثالث: جاء في سورة "الحجر" في قول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} (الحجر: 85)، وكم في هذه الآية الكريمة من تهديد ووعيد لهؤلاء؛ لأن الله سبحانه وتعالى بيَّن أنه الإله القوي القادر القاهر حين قال:{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} وذكر سبحانه أن الموعد هو الساعة، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بل وعلى المؤمنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصفحوا الصفح الجميل.
والصفح الجميل هو الذي لا عتاب فيه، فهذا من الرَّدّ العملي على كيد الكائدين، وحقد الحاقدين وحسد الحاسدين أنه لا يعاتبهم، ولا يتحدَّث إليهم، ولا يناقشهم، ولا يسألهم عن الأسباب التي دعتهم لكل هذا الكيد الرهيب العجيب الذي تآمر فيه أهل الكتاب مع كل أعداء الإسلام، يريدون إطفاء نور الله، ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون.
الموضع الرابع: في قول الله تعالى في سورة "النور": {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النور: 22)، وهذه الآية الكريمة جاءت في سياق الحديث عما كان من أمر الكريمة العظيمة السيدة الشريفة أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- حين رماها أهل الإفك بما نطقوا به، وقد فتن بهذه المسألة بعض المسلمين، ومنهم واحد من هؤلاء الذين كان أبو بكر يتعهَّدهم بالرعاية والعناية والإنفاق عليه، ذلكم هو مسطح بن أثاثة وهو ابن الخالة أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى- عن أبي بكر؛ إذ صار في ركاب هؤلاء الذين تحدَّثوا بما تحدَّثوا به من رمي السيدة عائشة بجريمة بشعة هي جريمة الزنا، فأقسم أبو بكر أن يقطع نفقته على مسطح هذا جزاء بما صنع، فجاء قول الله تعالى:{وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} ، ثم قال مرغبًا في العفو والصفح:{أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، فلما نزلت هذه الآية قال أبو بكر:"والله إني لأحب أن يغفر الله لي؛ فأعاد نفقته على مسطح هذا"، فرضوان الله على أبي بكر الصديق.
أما الموضع الخامس: ففي سورة "الزخرف" في قوله تعالى: {أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ} (الزخرف: 5)، وهذا في الواقع ليس من باب الصفح والعفو، وإنما يقول الله سبحانه وتعالى معاتبًا ومهددًا المشركين الذين أسرفوا في عداءهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم:{أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ} في عداءكم وإشراككم وإجرامكم. إننا لن نضرب عنكم الذكر صفحًا وإنما سنوالي إنزال هذا القرآن حتى تفيئوا إلى دين الله وإلى شرع الله وإلى هدي الله، فهذا القرآن نزل ليكون آخر الكُتب التي أنزلها الله لهذه الدنيا.
الموضع السادس: وهو في سورة "التغابن" في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التغابن: 14) فماذا نرى في هذه الآيات الكريمة نرى أن الله سبحانه وتعالى يُنادي المؤمنين، يحذّرهم من فتنة الأزواج والأولاد؛ لأن الإنسان بطبيعته مشدودٌ إلى زوجته وأبنائه، وقد يَدْعُه هذا إلى أن يرتكب ما حرم الله، وأن يكتسب لهم من المال الحرام، فالله سبحانه وتعالى نبَّه إلى هذا، وبيَّن أن الإنسان عليه أن يحذر هذا الأمر، بل إن هذه الآية نزلت في هؤلاء الذين منعهم أبناؤهم وأزواجهم من الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما هاجروا ووجدوا ما وصل إليه الذين هاجروا من قبلهم من خير ومن علم ومن إحاطة بالقرآن الكريم، ومن حضور المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته حزنوا لذلك، وانقلبوا إلى أبنائهم وأزواجهم يلومونهم فقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} .
ولكن هذا الذي حدث ليس فيه ما يدعو إلى أن يُعَاقب هؤلاء، وإنما على هؤلاء الأزواج وهؤلاء الآباء أن يعفوا وأن يصفحوا عما كان من هؤلاء، وأن يغفروا لهم خطأهم؛ إذ كانوا سببًا في عدم إسراعهم في اللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى:{وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} لكم ولهم، هذا إذا هو العفو وهو الصفح كما جاء في كتاب الله عز وجل.
أيضًا كلمة العفو وردت في كتاب الله وصفًا لله تعالى، {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} ، {وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} ، {إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ} ، {وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ} عفو الله عنك كما جاءت وصفًّا للمؤمنين:{فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} ، {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} ،