الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الأول: الاختلاف في سياق الإسناد
المطلب الأول: الاختلاف في الوصل والإرسال
المثال الأول:
قال البخاري رحمه الله: "حدثنا محمد بن خالد حدثنا محمد بن وهب بن عطية الدمشقي حدثنا محمد بن حرب حدثنا محمد بن الوليد الزبيدي أخبرنا الزهري عن عروة بن الزبير عن زيد بن سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال: "استرقوا لها فإن بها النظرة".
وقال عقيل عن الزهري: أخبرني عروة عن النبي صلى الله عليه وسلم، تابعه عبد الله بن سالم عن الزبيدي" (1) .
ورواه مسلم أيضاً قال: حدثني أبو الربيع سليمان بن داود حدثنا محمد بن حرب قال محمد بن الوليد به سنداً ومتناً (2) .
(1) كتاب الطب، باب رقية العين، حديث رقم (5739) ج10 ص210 (مع الفتح) .
(2)
كتاب السلام، باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة حديث رقم (2198) ج4 ص1725.
وقد ذكر الدارقطني هذا الحديث في كتابه التتبع وحكى الاختلاف في سنده وصلاً وإرسالاً ولم يحكم فيه بشيء (1) .
والاختلاف في الوصل والإرسال دائر بين محمد بن الوليد الزبيدي (2) فقد وصل الحديث وعقيل (3) فقد رواه مرسلاً، والإمام البخاري هنا قد رجح الموصول وأشار المرسل وكذلك الإمام مسلم.
فما هي القرائن التي اعتمد عليها الشيخان في ترجيح الطريق الموصولة على المرسلة؟ .
لقد أشار الحافظ رحمه الله إلى هذه القرائن في شرحه لهذا الحديث فقال:
"واعتمد الشيخان في هذا الحديث على رواية الزبيدي لسلامتها من الاضطراب، ولم يلتفتا إلى تقصير عقيل (4) فيه، وقد روى الترمذي من طريق الوليد مسلم أنه سمع الأوزاعي يفضل الزبيدي على جميع أصحاب الزهري، يعني في الضبط، وذلك أنه كان يلازمه كيراً حضراً وسفراً ن وقد تمسك بهذا من رغم أن العمدة لمن وصل على من أرسل لاتفاق الشيخين على تصحيح الموصول هنا، والتحقيق أنهما ليس لهما في تقديم الوصل عمل مطرد بل هو دائر مع القرينة، فمهما ترجح بها اعتمداه، وإلا فكم حديث أعرضا عن تصحيحه للاختلاف في وصله وإرساله"(5) .
(1) التتبع ص247 - 248.
(2)
هو محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي أبو الهذيل الحمصي القاضي، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. مات سنة 136 أو 147، وكان من الحفاظ المتقنين، أقام مع الزهري عشر سنين، له ترجمة في التاريخ الكبير قسم 1 ج1 ص254 وتهذيب التهذيب: ج9 ص502.
(4)
ورد في الأصل يونس وهو خطأ ظاهر والصواب ما أثبته.
(5)
الفتح م ج10 ص213.
وتتمثل هذه القرائن فيما يلي:
1-
سلامة رواية الزبيدي من الاضطراب وذلك لأنها وردت من طريق محمد بن حرب وهو حافظ، وتابعه عليها عبد الله بن سالم الحمصي، وهو حافظ أيضاً.
2-
إضافة إلى ذلك يعدّ الزبيدي من أثبت أصحاب الزهري رحمه الله وقد سئل الدارقطني عن اثبت أصحاب الزهري قال: "مالك، وشعيب بن أبي حمزة وابن عيينة، ويونس بن يزيد وعقيل والزبيدي"(1) ، وإنما عد الزبيدي من اثبتهم لأنه كان طويل الملازمة للزهري سنداً وحفظاً.
3-
إن تقصير عقيل في إسناد هذا الحديث يمكن أن يكون سببه الوهم والنسيان، ويمكن أن يكون سببه الشك وهذا الأخير أرجح وذلك أن الحفاظ المتقنين إذا شكوا قصورا في الأسانيد.
المثال الثاني:
قال البخاري رحمه الله: "حدثنا أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدثني محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال: لما قلنا من حنين سأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم ن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكاف، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بوفاته.
وقال بعضهم: حماد عن أيوب نافع عن ابن عمر.
ورواه جرير بن حازم وحماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم" (2) .
(1) سؤالات ابن بكير للدارقطني ص49 - 50.
(2)
كتاب المغازي، باب قول الله تعالى:{ويوم حنين} حديث رقم (14320) ج1 ص640 (مع الفتح) .
وقد ذكر الدارقطني – رحمه الله – هذا الحديث في كتابه التتبع وذكر الاختلاف فيه، ولم يحكم فيه بشيء قال رحمه الله: "وأخرجه البخاري عن أبي النعمان عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر قال: نذرت نذراً مرسلاً ووصله حماد بن سلمة وجرير بن حازم ومعمر عن أيوب.
ووصله عبد الله عن نافع" (1) .
فهذا الحديث فيه اختلاف بين أصحاب أيوب فقد أرسله حماد بن زيد، ووصله حماد بن سلمة وجرير بن حازم ومعمر.
والبخاري – رحمه الله: "إنما أورد طريق حماد بن زيد المرسلة للإشارة إلى أن رواية مرجوحة لأن جماعة من أصحاب شيخه أيوب خالفوه فوصلوه، بل بعض أصحاب حماد بن زيد رواه موصولاً كما أشار إليه البخاري هنا "(2) .
والقرائن التي اعتمد عليها البخاري في ترجيح الرواية المتصلة على المرسلة تتمثل فيما يلي:
1-
وجود الاضطراب في رواية حماد بن زيد فقد رواه عنه أبو النعمان، مرسلاً كما هو عند البخاري، وكذا أورده الإسماعيلي من طريق سليمان بن حرب، وأبي الربيع الزهراني، وخلف بن هشام كلهم عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر كان عليه اعتكاف في الجاهلية (3) .
ويرويه بعض أصحاب حماد بن زيد موصلاً، وهو أحمد بن عبيد الضبي، كما هو في رواية الإسماعيلي وعند مسلم – ولم يسق لفظه (4) – وعند ابن خزيمة (5) .
(1) التتبع ص253.
(2)
الفتح: ج7 ص630.
(3)
الفتح: ج7 ص630.
(4)
صحيح مسلم: ج3 ص1278.
(5)
المصدر السابق.
فأصحاب حماد بعضهم يرويه مرسلاً وبعضهم يرويه موصولاً، وهذا مما يوهن رواية حماد بن زيد.
2-
إذا سلمنا أن هذه الطريق إنما وردت عن حماد بن زيد مرسلة لكثرة من رواها كذلك فهي معارضة برواية غيره ممن رواه عن أيوب مسنداً وهم أكثر عدداً ممن رواه موصولاً، وهذه الروايات المعارضة لرواية حماد بن زيد هي:
1-
رواية جرير بن حازم أشار إليها البخاري وقد وصلها مسلم وغيره من رواية ابن وهب عن جرير بن حازم أن أيوب حدثه أن نافعاً حدثه أن عبد الله بن عمر حدثه أن عمراً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم
2-
رواية حماد بن سلمة وقد أشار إليه البخاري أيضاً ووصله مسلم من طريق حجاج بن منهال قال حدثنا حماد بن سلمة عن أيوب مقرونة برواية محمد بن إسحاق كلاهما عن نافع عن ابن عمر (1) .
3-
رواية معمر وقد وصلها البخاري ومسلم (2) .
4-
رواية سفيان الثوري وقد وصلها النسائي (3) .
فتكون رواية هؤلاء الجماعة أرجح، لا لكونهم جماعة ولكن بانضمام القرائن، وهي في رواية حماد بن زيد والقرينة الثالثة.
3-
إن حماد صاحب حفظ وليس صاحب كتاب، ومن عادته أنه ينقص من الحديث إذا طرأ له شك.
4-
القرينة الرابعة التي ترجح الطريق الموصولة على المرسلة هي كون الحديث محفوظاً عن نافع موصولاً وقد تابع أيوب على وصله عبيد بن
(1) صحيح مسلم ج3 ص1277.
(2)
المصدر نفسه.
(3)
كتاب الإيمان والنذر، باب إذا نذر ثم أسلم قبل أن يفيء رقم (3829) و (3830) ج7 ص20 دار المعرفة.
عمر وقد اخرج روايته البخاري وغيره (1) .
المثال الثالث:
حديث " لا نكاح إلا بولي " الذي يرويه أبو إسحاق السبيعي (2) .
هذا الحديث اختلف في وصله وإرساله، فقد رواه إسرائيل بن يونس (3) في آخرين: عن جدة أبي إسحاق السبيعي عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري عن الرسول صلى الله عليه وسلم مسنداً متصلاً.
ورواه سفيان الثوري (4) وشعبة (5) عن أبي إسحاق عن بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً وسئل البخاري – رحمه الله – عن هذا الحديث، فحكم لمن وصله وقال: الزيادة من الثقة مقبولة (6) .
(1) رواه البخاري في كتاب الاعتكاف باب الاعتكاف ليلاً رقم (2032) ج3 ص321، ورواه مسلم في الإيمان، باب نذر الكفار وما يفعل فيه إذا اسلم رقم (237) وأخرجه أبو داود في الإيمان والنذور، باب من نذر في الجاهلية ثم أدرك الإسلام (3325) والترمذي في النذور والإيمان، باب ما جاء في وفاء النذر (1539) والنسائي في الإيمان والنذور، باب إذا نذر ثم أسلم قبل أن يفي (3830) وابن ماجه في الصيام، باب في اعتكاف يوم وليلة (1772) وفي الكفارات، باب الوفاء بالنذر (2129) وأحمد في مسنده ج2 ص2 وص82.
(2)
هو عمرو بن عبد الله بن عبيد، أبو إسحاق الكوفي من أعلام التابعين، ثقة مكثر عابد، اختلط بآخرة. مات سنة (129هـ) له ترجمة في: تذكرة الحفاظ: ج1 ص114، تاريخ الإسلام: ج5 ص116، التقريب ص423.
(3)
هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أبو يوسف الكوفي، حفيد أبي إسحاق ثقة، تكلم فيه بلا حجة، روى له الجماعة، مات سنة (160هـ) ترجمته في التقريب ص104 وروايته أخرجها أحمد ج4 ص394 و 413 وأبو داود (2085) ، والترمذي (1101) والدرامي (2188) والبراز (كشف الأستار 1422) ، وأبن حبان (4070) والدارقطني ج4 ص208، والبيهقي ج7 ص107.
(4)
رواية سفيان الثوري عن أبي إسحاق أخرجا عبد الرزاق في المصنف حديث رقم (10475) .
(5)
رواية شعبة أخرجها الترمذي.
(6)
أورد هذه القصة الخطيب البغدادي بالسند في الكفاية، باب القول فيما روى من الأخبار مرسلاً ومتصلاً ص452.
وقد احتج الخطب البغدادي بهذا على أنه إذا ورد الحديث مرسلاً ومتصلاً فالحكم لمن أوصله إذا كان ثقة وتبعه على ذلك ابن الصلاح في مقدمته، محتجاً بصنيع الإمام البخاري في ترجيح الموصول على المرسل هنا، مع أن من أرسله شعبة وسفيان، وهما جبلان لهما من الحفظ والإتقان الدرجة العالية (1) .
فهل يصح أن نأخذ من هذا حكماً كلياً ننسبه إلى الإمام البخاري ونعده منهجاً له كما فعل الخطيب رحمه الله وتبعه على ذلك ابن الصلاح وكثير من المتأخرين؟
لقد تعقب الحفاظ ابن رجب الخطيب في هذه المسألة وتبين أنها لا تأخذ كحكم كلي مطرد وهذا من خلال الاستقراء لصنيع الإمام البخاري في كتابه التاريخي الكبير فقال: "وهذه الحكاية إن صحت فإنما مراده الزيادة في هذا الحديث، وإلا فمن تأمل كتاب تاريخ البخاري، تبين له قطعاً أنه لم يكن يرى أن زيادة كل ثقة في الإسناد مقبولة"(2) .
وبين ابن رجب أن هذا ليس منهجاً للبخاري فحسب بل هو منهج غيره من الأئمة النقاد فقال: "وهكذا الدارقطني يذكر في بعض المواضع أن الزيادة من الثقة مقبولة، ثم يرد في اكثر المواضع زيادات كثيرة من الثقات، ويرجح الإرسال على الإسناد فدل على أن مرادهم زيادة في تلك المواضع الخاصة وهي إذا كان الثقة مبرزاً في الحفظ"(3) .
فالحافظ رد على الخطيب ومن تبعه رداً مجملاً مبيناً أن قبول زيادة الوصل إنما هو لقرائن خاصة في مواضع خاصة ولم يفصل في ذكر تلك القرائن في هذا الحديث.
وقد رد أيضاً على الخطيب ومن تبعه كابن الصلاح، الحافظ ابن حجر –رحمه الله فقال:
(1) علوم الحديث ص65.
(2)
شرح العلل ص244.
(3)
المصدر نفسه.
"لكن الاستدلال بأن الحكم للواصل دائماً على العموم من صنيع البخاري في هذا الحديث الخاص ليس بمستقيم، لأن البخاري لم يحكم فيه بالاتصال من أجل كون الوصل زيادة، وإنما حكم عليه بالاتصال لمعان أخرى رجحت عناه حكم الوصل"(1) .
ثم ذكر هذه القرائن فقال:
"منها: أن يونس ابن أبي إسحاق (2) وابنيه إسرائيل (3) وعيسى (4) رووه عن ابن إسحاق موصولاً، ولا شك أن آل الرجل أخص به من غيره.
ووافقهم على ذلك أبو عوانة (5) وشريك النخعي (6) وزهير بن
(1) النكت ص238.
(2)
هو يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أبو إسرائيل الكوفي، صدوق يهم قليلاً، من الخامسة، مات سنة (152)(التقريب ص613) ، وقد ضعف الإمام أحمد حديثه عن أبيه (الضعفاء للعقيلي ج4 ت2111) وروايته أخرجها الترمذي (1101) والبيهقي ج7 ص109.
(3)
تقدمت ترجمته، وروايته.
(4)
هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أخو إسرائيل، كوفي نزل الشام مرابطاً، ثقة مأمون، مات سنة (187هـ) وقيل (191هـ) روى له الجماعة (التقريب ص441) ، ولم أقف على روايته مع طول البحث.
(5)
هو وضاح اليشكري الواسطي البزار، أبو عوانة مشهور بكنيته، ثقة ثبت، مات سنة (75هـ) أو (76هـ) روى له الجماعة، قال يحيى القطان: أبو عوانة من كتابه أحب إلى من شعبه من حفظه.
وقال يحيى القطان: ما أشبه حديثه بحديث سفيان وشعبة، وقال عفان: هو عندنا أصح حديثاً من شعبة: التقريب ص580، والشذرات: ج1 ص287، وروايته أخرجها ابن ماجه (1881) والترمذي (1101) والبيهقي ج7 ص107.
(6)
شريك بن عبد الله النخعي الكوفي، القاضي بواسط، ثم الكوفة، أبو عبد الله، صدوق، يخطئ كثيراً، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلاً فاضلاً عابداً شديداً على أهل البدع. مات سنة (177هـ) أو (187هـ) . روى له البخاري تعليقاً ومسلم وبقية الجامعة.
(التقريب ص266) وروايته أخرجها الدارمي (2189) والترمذي (1101) وابن حبان (4066) و (4078) والبيهقي: ج7 ص108.
معاوية (1) وتمام العشرة من أصحاب أبي إسحاق، مع اختلاف مجالسهم في الأخذ وسماعهم إياه من لفظه.
وأما رواية من أرسله وهما شعبة وسفيان، فإنما أخذاه عن أبي إسحاق في مجلس واحد، فقد رواه الترمذي فقال:
حديث محمود بن غيلان، ثنا أبو داود ثنا شعبة قال: سمعت سفيان يسأل أبا إسحاق سمعت أبا بردة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي" فقال: نعم (2) .
فشعبة وسفيان إنما أخذاه معاً في مجلس واحد، كما ترى، ولا يخفى رجحان ما أخذ من لفظ المحدث في مجلس متعددة على ما أخذ عنه عرضاً في مجلس واحد.
هذا إذا قلنا حفظ سفيان وشعبة في مقابل عدد الآخرين، مع أن الشافعي رضي الله عنه يقال:"العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد".
فبين أن ترجيح البخاري لوصل هذا الحديث على إرساله لم يكن لمجرد أن الواصل معه زيادة ليست مع المرسل بل لما يظهر من قرائن الترجيح، ويزيد ذلك ظهوراً تقديمه للإرسال في مواضع أخرى (3) .
ثم ذكر حديثاً قال فيه البخاري: الصواب قول مالك مع إرساله، ثم قال عقبه:"فصوب الإرسال هنا لقرينة ظهرت له فيه، وصوب المتصل هناك لقرينة ظهرت له فيه، فتبين أنه ليس له عمل مطرد في ذلك والله أعلم"(4) .
وممن صحح الوصل ي هذا الحديث الترمذي – رحمه الله – في جامعه وعلله، وصححه أيضاً ابن حبان والحاكم.
(1) هو زهير بن معاوية بن حديج الجعفي الكوفي نزيل الجزيرة، ثقت ثبت، مات سنة (173هـ)(التقريب ص218) وروايته أخرجها ابن حبان (4065)، والبيهقي: ج7 ص107.
(2)
كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي: ج2 ص176 (مع التحفة) .
(3)
النكت ص239.
(4)
المصدر نفسه.
وأسند الحاكم من طريق علي ابن المديني ومن طريق البخاري والذهلي وغيرهم أنهم صححوا حديث إسرائيل (1) وقال الحافظ، بعد أن ذكر كلام الترمذي على هذا الحديث:
"ومن تأمل ما ذكرته عرف أن الذين صححوا وصله لم يستندوا في ذلك إلى كوه زيادة ثقة فقط، بل للقرائن المذكورة المقتضية لترجيح رواية إسرائيل على غيره"(2) .
سبق أن ذكرت أن الإمام الترمذي قد صحح وسل هذا الحديث في جامعة وعلله الكبير معتمداً على القرائن السابقة التي فصلها الحافظ – رحمه الله – لكن محقق العلل الكبير تحامل على الترمذي ومن وافقه من الأئمة في تصحيح الطريق الموصولة على المرسلة ورماهم بالتعصب المذهبي واتباع الهوى قال: "قد حاول كثيرون تصحيح هذا الحديث ووصله وسلكوا في ذلك كل مسلك لحاجة في أنفسهم أساسها التعصب المذهبي والعياذ بالله"(3) .
وقال أيضاً: "ما صحح هذا الحديث أحد إلا لهوى في نفسه والعياذ بالله"(4) .
وما حجته في ذلك إلا مجرد أن هؤلاء الذين خالفوا شعبة وسفيان فيهم بعض الضعف واللين، وأما الثقات منهم فقد رووا عن أبي إسحاق لما تغير، وأن إسرائيل ومن تابعه على وصل الحديث ولو كان معهم أمثالهم لا يقفون بجانب شعبة وحده، فكيف ومعه سفيان الثوري.
هذه هي حجته، ويا ليته كف لسانه عن الخوض في أعراض هؤلاء الأئمة والطعن في نياتهم، ورواءه الطعن في علمهم ومنهجهم.
(1) الفتح ج9 ص89.
(2)
المصدر نفسه.
(3)
العلل الكبير ص156 (مع التحفة) .
(4)
المصدر نفسه.
أقول: إن الترمذي ومن معه من الأئمة الأعلام كالبخاري والحاكم وابن المديني والذهلي وغيرهم ممن صحح وصل هذا الحديث قد علموا أن شعبة والثوري أحفظ من هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث، وهذا قد صرح به الترمذي نفسه في جامعه (1) لكن شريك وإسرائيل هما من اثبت أصحاب أبي إسحاق بعد شعبة والثوري (2) .
فهؤلاء الحفاظ النقاد الذين لا شك في صدقهم وأمانتهم على الدين، لما صحوا هذا الحديث لم يكن بناء على ظاهر الإسناد وأحوال الرواة لأن الثقة قد يخطئ كما أن الضعيف قد يصيب فكيف لو كانوا عشرة أو أكثر فيهم الثقات والضعفاء وسمعوا في مجالس متعددة وأوقات مختلفة. نعم منهم من روى عن أبي إسحاق بعد الاختلاط والتغير ولكن اتفاقهم على وصل هذا الحديث مع كثرة عددهم وأخذهم في أوقات ومجالس متعددة مما يدل على أن أبا إسحاق كان يروي هذا الحديث موصولاً، ويمكن أن يكون أرسله أحياناً فسمعه منه شعبة وسفيان فروياه كما سمعاه، فيكون الحكم لمن أوصله، وهو العلم والعدل، وليس هو التعصب والهوى.
ثم قال: "وقد أراح البخاري ومسلم نفسيهما وأراحا الناس بعدم ذكر مثل هذا الحديث في كتابيهما"(3) .
نعم لم يذكر البخاري هذا الحديث في كتابه مسنداً ولكن ترجم لما يدل عليه صراحة فقال في كتاب النكاح: "باب من قال لا نكاح إلا بولي" وذكر فيه آيات وأحاديث تدل على اشتراط الولي في النكاح، قال الحافظ – رحمه الله – في شرحه لهذه الترجمة:
"استنبط المصنف هذا الحكم من الآيات والأحاديث التي ساقها لكون الحديث الوارد بلفظ الترجمة ليس على شرطه"(4) .
(1) الجامع: ج2 ص156 (مع التحفة) .
(2)
العلل الكبير ص156.
(3)
العلل الكبير (الحاشية) ص157.
(4)
الفتح: ج9 ص98.
والظاهر أن المعلق لم يدرك أن النقاد إذا حكموا بترجيح الموصول على المرسل أو العكس، فإن ذلك لا يقتضي صحة الحديث في نفس الأمر، وإنما هو حكم بما هو الصواب المطابق للواقع، أي كيف حدث هذا الراوي المختلف عليه في الحديث، ثم الحكم على الحديث بعد ذلك قوة أو ضعفاً متوقف على النظر في كل شروط الصحة الأخرى.
ولعل البخاري لم يخرج هذا الحديث مسنداً، لضعف بعض رواته، أو لوجوه الاختلاف فيه، وإخراج ما هو مجمع على صحته أولى، إذا كان في نفس معناه، كما هو الحال في هذه المسالة فقد أورد فيها الإمام البخاري ثلاث آيات وأربعة أحاديث صحيحة.
وعلى العموم حديث " لا نكاح إلا بولي " أقل أحواله أن يكون حسناً مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكثرة شواهده وقد أشار إليها الترمذي بقوله: "وفي الباب عن عائشة وابن عباس وأبي هريرة وعمران بن حصين وأنس"(1) والجمهور على العمل به ومنهم سفيان الثوري رحمه الله ولم يخالف في ذلك إلا أبو حنيفة – رحمه الله.
أمثلة لأحاديث رجح فيها الإمام البخاري الإرسال على الوصل:
ذكرت في الأمثلة السابقة أحاديث رجح فيها الإمام البخاري الوصل على الإرسال وقد نقلت من أقوال الحافظ المتأخرين ما يدل على أن هذا ليس عملاً مطرداً للإمام البخاري، وادعم تلك النقول بهذين المثالين مما رجح فيه البخاري الإرسال على الوصل بالرغم من أن الواصل ثقة.
المثال الأول:
ما رواه الثوري عن محمد بن أبي بكر بن حزم عن عبد الملك بن
(1) جامع الترمذي: ج2 ص175، وانظر تخريجها في التحفة في نفس الموضوع.
أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن شئت سبعت لك"(1) .
ورواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تزوج أم سلمة وأصبحت عنده قال لها:"ليس بك على أهلك هوان، إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ودرت" فقالت: ثلث (2) .
فالخلاف بين مالك والثوري، فالثوري أوصله، ومالك أرسله، والثوري ثقة إمام حافظ ومع ذلك قال الإمام البخاري في تاريخه:
"الصواب قول مالك مع إرساله"(3) .
ويظهر أن الثوري سلك فيه الجادة، والله أعلم.
المثال الثاني:
حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "قضى باليمين مع الشاهد" فهذا الحديث اختلف فيه على جعفر بن محمد.
قال عبد الوهاب الثقفي: عن جعفر عن أبيه، عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم:"قضى باليمين مع الشاهد"(4) وتابعه إبراهيم بن أبي حية (5) .
(1) أخرجه ملم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب قدر ما تستحقه البكر والثبت من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف رقم (41) ج2 ص1083، وأبو داود (2122) ، وابن ماجه (1917) ، وغيرهم.
(2)
رواه مالك في الموطأ كتاب النكاح، باب الإقامة عند البكر والأيم رقم (14) ج2 ص529، ورواه مسلم أيضاً، في نفس الكتاب والباب.
(3)
انظر النكت ص239.
(4)
أخرجه أحمد ج3 ص305، وابن ماجه (2369) والترمذي (1344) والدارقطني ج4 ص212 والبيهقي ج10 ص170.
(5)
عند البيهقي ج10 ص170.
وقال يحيى بن سليم وعبد العزيز بن سلمة، رواية شبابة بن سوار عنه، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم "قضى باليمين والشاهد"(1) .
قال الترمذي – رحمه الله:
" سألت محمداً عن هذا الحديث، فقلت: أي الروايات أصح؟ فقال: أصحه حديث جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ومرسلاً"(2) .
وقد تبع الإمام الترمذي البخاري في هذا الحكم، فقد قال في جامعه بعد روايته هذا الحديث وذكر الاختلاف فيه "حدثنا علي بن حجر ثنا إسماعيل بن جعفر ثنا جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين والشاهد الواحد، قال: وقضى بها على فيكم، وهذا أصح، وهكذا روى سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً"(3) .
وقد وافقهم على ترجيح الإرسال في هذا الحديث الإمامان أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان –رحمهما الله تعالى- قال ابن أبي حاتم: "وسألتهما عن حديث رواه عبد الوهاب الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين، فقالا: أخطأ عبد الوهاب في هذا الحديث، إنما هو عن جعفر عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم: مرسلاً"(4) .
فلماذا رجح البخاري وغيره من الأئمة الإرسال في هذا الحديث بالرغم من أن الذي وصله ثقة فإن عبد الوهاب الثقفي الذي وصله ثقة روى له البخاري وسائر الجماعة (5) .
(1) أخرجه الترمذي، في كتاب الأحكام، باب ما جاء في اليمين مع الشاهد ج2 ص281 (مع التحفة) والبيهقي ج10 ص169 و 173.
(2)
العلل الكبير ص202.
(3)
جامع الترمذي: ج1 ص180 (مع التحفة) .
(4)
علل الحديث رقم 1402.
(5)
التقريب ص368.
وقد تابعه على الوصل جماعة هم:
السري بن عبد الله السلمي، وعبد النور بن عبد الله بن سنان، وحميد بن الأسود، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير وغيرهم (1) .
وقال الترمذي بعد روايته لهذا الحديث عن عبد الوهاب الثقفي، وتابعه إبراهيم بن أبي حية (2) ولم يصح هنا أن تقبل زيادة عبد الوهاب الثقفي ومن تابعه في وصل هذا الحديث، لأنهم خالفوا من هو أوثق وأثبت منهم في هذا.
وهم: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وابن جريج، والدراوردي، وإسماعيل بن جعفر، وعبد الله بن جعفر، فكل هؤلاء رووه مرسلاً (3) .
تنبيه: لقد خالف بعض الأئمة النقاد في هذا الحكم ورجحوا الرواية المتصلة على المرسلة فمن هؤلاء الدارقطني – رحمه الله – فقد قال بعد روايته طريق الثقفي ومن تابعه:
"والحكم يوجب أن يكون القول قولهم، لأنهم زادوا وهم ثقات وزيادة الثقة مقبولة"(4) .
وقال الشافعي والبيهقي: "عبد الوهاب وصله وهو ثقة"(5) .
ولقد صحح حديث جابر الموصول أبو عوانة وابن خزيمة أيضاً (6) .
وليس المقام هنا مقام مناقشة هؤلاء الأئمة فيها ذهبوا إليه، وإنما القصد بيان أنه ليس لإمام البخاري طريقة مطردة في ترجيح الوصل على الإرسال أو العكس، وإنما الأمر تابع للقرائن دون مجرد الاكتفاء بالنظر في ظاهر الإسناد وأحوال الرجال.
(1) العلل للدارقطني: ج3 ص94 – 98.
(2)
العلل الكبير ص202.
(3)
المصدر السابق.
(4)
المصدر نفسه.
(5)
تحفة الأحوذي: ج2 ص281.
(6)
المرجع نفسه.