الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بعرفات، فقلت: هذا والله من الخمس فما شأنه ها هنا " (1) .
قال الحافظ رحمه الله بعد أن أورد طرق هذا الحديث - " وفيه: أضللت حماراً لي في الجاهلية، فوجدته بعرفة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفاً بعرفات مع الناس فلما أسلمت علمت أن الله وفقه لذلك. ثم قال الحافظ: أفادت هذه الرواية، أن رواية جبير له لذلك كانت قبل الهجرة، وذلك قبل أن يسلم جبير، وهو نظير روايته أنه سمعه يقرأ في المغرب بالطور، وذلك قبل أن يسلم جبير "(2) .
3) حديث أبي سفيان بقصة هرقل (3) التي كانت قبل إسلامه فقد رواها البخاري في صحيحه كاملة في كتاب بدء الوحي ثم قطعها في مواضع كثيرة مستنبطاً منها في كل مرة حكماً فقهياً أو فائدة جديدة.
ثانياً: البلوغ:
هذا الشرط يتعلق بحالتين من حالات الراوي: حالة السماع والتحمل، ثم حالة الأداء والرواية.
ولقد تنازع العلماء والمحدثون قديماً في ذلك، فمنهم من اشترط سناً معيناً للتحمل، ومنهم من صحح سماع الصغير. وقد ذكر هذا الخلاف الخطيب البغدادي في الكفاية فقال: " قل من كان يكتب الحديث - على ما بلغنا - في عصر التابعين وقريباً منه إلا من جاوز حد البلوغ، وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء ومذاكرتهم، وسؤالهم. وقيل إن أهل الكوفة لم يكن الواحد منهم يسمع الحديث إلا بعد استكماله عشرين سنة، ويشتغل قبل ذلك بحفظ القرآن وبالتعبد.
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الوقوف بعرفة، رقم (1664) ج3 ص602 مع الفتح ط دار الريان.
(2)
المصدر السابق ج3 ص603.
(3)
أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب 6 حديث رقم (7) ، ج1 ص42 - 44 مع الفتح ط الريان.
وقال قوم: الحد في السماع خمس عشرة سنة، وقال غيرهم: ثلاث عشرة، وقال جمهور العلماء: يصح لمن سنه دون ذلك، وهذا هو عندنا الصواب " (1) .
وقد ذهب الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه إلى صحة سماع الصغير قبل البلوغ، وقد ترجم لهذه المسألة في كتاب العلم بقوله:"باب متى يصح سماع الصغير؟ " وأورد فيه حديثين:
أولهما: حديث ابن عباس قال: " أقبلت راكباً على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر لك علي "(2) .
وثانيهما: حديث محمود بن الربيع. قال: " عقلت من النبي صلى الله عليه وسلم مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو "(3) .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: " ومقصود الباب الاستدلال على أن البلوغ ليس شرطاً في التحمل. وأشار المصنف بهذا إلى الاختلاف وقع بين أحمد بن حنبل ويحي بن معين، رواه الخطيب في الكفاية عن عبد الله بن أحمد وغيره أن يحي قال: أقل سن التحمل خمس عشرة سنة لكون ابن عمر رد يوم أحد إذ لم يبلغها. فبلغ ذلك أحمد فقال: إذا عقل ما يسمع، وإنما قصة ابن عمر في القتال. ثم أورد الخطيب أشياء مما حفظها جمع من الصحابة ومن بعدهم في الصغر وحدثوا بها بعد ذلك وقبلت عنهم، وهذا هو المعتمد "(4) .
(1) الكفاية في علم الرواية - تحقيق د. أحمد عمر هاشم - دار الكتاب العربي - ط2 - 1406هـ - 1986م، ص73.
(2)
أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب متى يصح سماع الصغير حديث رقم (76) ج1 ص205.
(3)
أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب متى يصح سماع الصغير حديث رقم (77) ج1 ص207.
(4)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري: ج1 ص205.
وقال العلامة العيني: " ومراده (أي بهذه الترجمة) الاستدلال على أن البلوغ ليس شرطاً في التحمل "(1) .
ومن المحدثين من قيده بخمس سنين. قال ابن الصلاح رحمه الله:
" والتحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث من المتأخرين والذي ينبغي في ذلك أن يعتبر في كل صغير حاله على الخصوص، فإن وجدناه مرتفعاً عن حال من لا يعقل فهماً للخطاب ورداً للجواب ونحو ذلك صححنا سماعه، وإن كان دون خمس. وإن لم يكن كذلك لم نصحح سماعه وإن كان ابن خمس بل ابن خمسين "(2) .
وقال الذهبي (ت 748هـ) رحمه الله: " واصطلح المحدثون على جعلهم سماع ابن خمس سنين سماعاً، وما دونها حضوراً، واستأنسوا بأن محموداً عقل مجة، ولا دليل فيه، والمعتبر إنما هو أهلية الفهم والتمييز "(3) .
وما اختاره ابن الصلاح والذهبي - رحمهما الله - هو المختار إن شاء الله، وعليه يدل صنيع الإمام البخاري في صحيحه فقد أخرج أحاديث مجموعة من الصحابة ممن تحملوا في صباهم كابن عباس، ومحمود بن الربيع، وأنس بن مالك، والنعمان بن بشير، وعائشة، ونحوهم وهؤلاء سمعوا وهم دون البلوغ، وأخرج لمن دونهم في السن كالسبطين الحسن والحسين رضي الله عنهما.
فالمحققون من أهل العلم على عدم اعتبار تحديد سن معين بل المعتبر عندهم هو العقل والتمييز (4) .
(1) بدر الدين العيني: عمدة القاري شرح صحيح البخاري - دار الفكر، ج2 ص68.
(2)
ابن الصلاح: علوم الحديث - تحقيق د. نور الدين عتر - ط المكتبة العلمية - بيروت 1401هـ - 1981م، ص117.
(3)
شمس الدين محمد أحمد الذهبي: الموقظة " في علم مصطلح الحديث " - اعتنى به عبد الفتاح أبو غدة - مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، ص61.
(4)
انظر السخاوي: فتح المغيث تحقيق محمد محمد عويضة، ج2 ص14 - 15.