الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الثاني: الاختلاف في سياق المتن
قد سبق بيان الاختلاف الذي يقع بين الرواة في إسناد حديث من الأحاديث وأوجه هذا الاختلاف، وكيفية الحكم في كل حالة.
وفي هذا المبحث نتعرض للاختلاف في المتن ونذكر أسباب هذا الاختلاف، مما يكون له أثر كبير في الحكم على الحديث صحة وتعليلاً، وتتمثل هذه الأسباب فيما يلي:
الاختصار والرواية بالمعنى، والإدراج، وسأتناول هذه القضايا بأمثلة تطبيقية من صنيع الإمام البخاري.
المطلب الأول: الاختصار وأثره في تغيير سياق المتن
قد يختلف الرواة فيما بينهم في سياق متن حديث ما، ويكون سبب هذا الاختلاف أن بعض الرواة ساق الحديث مختصراً، والآخر ساقه بتمامه، فهذا الاختلاف لا يقدح في الطريق التامة، وأما الطريق المختصرة فأحياناً تكون هي أيضاً صحيحة، وقد تكون خاطئة إذا كان الاختصار سبباً لتغيير معنى الحديث وفيما يلي أمثلة توضح ذلك.
قال الإمام البخاري في صحيحه:
"حدثنا أحمد بن أبي رجاء حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا جرير بن حازم، سمعت قتادة قال: حدثني النضر بن أنس بن مالك عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أعتق شقيصاً من عبد ".
حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أعتق نصيباً أو شقيصاً في مملوك فخلاصة عليه، إن كان له مال وإلا قوم عليه فاستسعى به غير مشقوق عليه".
تابعه حجاج بن حجاج، وأبان، وموسى بن خلف عن قتادة اختصره شعبة" (1) .
وقد انتقد الإمام الدارقطني هذا الحديث فقال بعد أن ساق هذا الحديث من صحيح البخاري:
"وقد روى هذا الحديث شعبة وهشام وهما أثبت من روى عن قتادة، ولم يذكرا في الحديث الاستسعاء، ووافقهما همام، وفصل الاستسعاء من الحديث فجعله من رواية قتادة"(2) .
فهذا الحديث قد اختلف فيه على قتادة.
يرويه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وذكر فيه الاستسعاء، وتابعه على ذلك كل من: جدير بن حازم، وحجاج بن حجاج، وأبان، وموسى بن خلف.
ورواه شعبة، وهشام الدستوائي، ولم يذكرا فيه الاستسعاء، ووافقهما همام، فقد فصل الاستسعاء من الحديث فلم يرفعه، ووقفه على قتادة.
(1) كتاب العتق، باب إذا أعتق نصيباً في عبد وليس له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه، على نحو الكتابة رقم (2526) ج5 ص185 (مع الفتح) .
(2)
التتبع ص150.
وقد اختلفت أنظار النقاد في الحكم على هذا الحديث.
وقد نقل الإمام النووي بعض أقوال من رجح رواية شعبة وهشام لموافقة همام لهما فقال:
" قال أبو بكر النيسابوري: ما أحسن ما رواه همام وضبطه ففصل قول قتادة عن الحديث.
وقال ابن عبد البر: الذين لم يذكروا السعاية أثبت من الذين ذكروها" (1) .
وقال أبو مسعود الدمشقي:
"حديث همام حسن عندي، إنه لم يقع للبخاري ولا مسلم، ولو وقع لهما حكماً بقوله"(2) .
وقال الحاكم – بعد أن ساق الحديث بسنده عن سعيد عن قتادة، وذكر فيه الاستسعاء-:"حديث العتق ثابت صحيح وذكر الاستسعاء فيه من قول قتادة، وقد وهم من أدرجة في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم "(3) ثم ذكره من حديث همام مفصلاً ثم قال: "فهذا أظهر من الأول أن القول الزائد المبين المميز، وقد ميز همام، وهو ثبت"(4) .
وقد ذكر الحافظ أيضاً بعض من رجح رواية هشام وشعبة، فقال:
"ونقل الخلال في العلل عن أحمد أنه ضعف رواية سعيد في الاستسعاء، وضعفها أيضاً الأثرم عن سليمان بن حرب.
(1) شرح النووي لصحيح مسلم: ج10 ص197.
(2)
نقله الشيخ مقبل بن هادي في تعليقه على "التتبع" ص149.
(3)
معرفة علوم الحديث ص40.
(4)
المصدر نفسه.
فقال النسائي: بلغني أن هماماً رواه فجعل هذا الكلام (أي الاستسعاء) من قول قتادة.
وقال الإسماعيلي: قوله (ثم استسعى) ليس في الخبر مسنداً، وإنما هو قول قتادة مدرج في الخبر على ما رواه همام.
وقال ابن المنذر والخطابي: هذا الكلام الأخير من فتيا قتادة ليس في المتن" (1) .
فهؤلاء الحافظ يرون أن ذكر الاستسعاء مدرج في الحديث من قبل سعيد، وليس هو بمرفوع، وإنما هو قول قتادة.
والقرائن التي استند إليها هؤلاء النقاد هي:
- مخالفة سعيد لمن هو أحفظ منه وهما: شعبة وهشام.
- تفرد سعيد بهذا الحديث.
- اختلاط سعيد في آخر عمره.
- قد ورد هذا الحديث من طريق همام مفصلاً، فجعل الحديث مرفوعاً، وجعل ذكر الاستسعاء فيه من قول قتادة، وهمام ثقة.
وقد أجاب الحافظ ابن حجر على هذه التعليلات (2)، ونلخصها فيما يلي:
1-
سعيد بن أبي عروة، أعرف بحديث قتادة لكثرة ملازمته له، وكثرة أخذه عنه من همام وغيره، وهشام وشعبة وإن كانا أحفظ من سعيد لكنهما لم ينفيا ما رواه، وإنما اقتصر من الحديث على بعضه (3) وليس
(1) الفتح: ج5 ص188.
(2)
فتح الباري: ج5 ص188.
(3)
حديث شعبة عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"في المملوك بين رجلين" فيعتق أحدهما قال: "يضمن"، وفي رواية أخرى لشعبة:"من أعتق شقيصاً من مملوك، فهو حر من ماله" أخرجه مسلم 5/96، وأبو داود (3935) ، والدارقطني 4/125، وأما رواية هشام الدستوائي، فأخرجها أحمد 2/531، وأبو داود (393) ، والدارقطني 4/126.
المجلس متحداً حتى يتوقف في زيادة سعيد، فإن ملازمة سعيد لقتادة كانت أكثر منهما فسمع منه ما لم يسمعه غيره.
2-
سعيد لم ينفرد بهذا الحديث فقد تابعه عليه جرير بن حازم، وحجاج بن حجاج، وموسى بن خلف، وحجاج بن أرطأه (1) .
3-
أما تعليل الحديث بكون سعيد بن أبي عروبة اختلط فلا يصح الاعتماد عليه لأن هذا الحديث في الصحيحين وغيرهما من رواية من سمع منه قبل الاختلاط كيزيد بن زريع.
4-
أما بالنسبة لرواية همام المفصلة، فهمام قد انفرد بهذا التفصيل، وخالف الجميع في القدر المتفق على رفعه، فإنه جعله واقعة عين (2) وهم جعلوه حكماً عاماً فدل على أنه لم يضبطه كما ينبغي.
هذه أهم الردود على القرائن التي اعتمد عليها من أعل حديث سعيد.
ولكن الإمام البخاري لم يعل هذا الحديث، ورأى صحة الطريقين معاً، كما نقل عنه الإمام الترمذي قال:"وسألت محمداً عن هذا الحديث (يعني حديث السعاية) فقلت أي الروايتين أصح؟ فقال: الحديثنا جميعاً صحيحان، والمعنى فيه قائم، وذكر فيه عامتهم عن قتادة السعاية إلا شعبة، وكأنه قوى حديث سعيد بن أبي عروبة، في أمره بالسعاية"(3) .
وقد ذكر الحافظ بعض القرائن التي اعتمد عليها البخاري في تصحيح رواية سعيد فقال:
(1) انظر تخريج هذه الروايات في الفتح: ج5 ص188.
(2)
رواية همام أخرجها أبو داود في سننه (3934) ، والدارقطني 4/127، ولفظه:"أن رجلاً أعتق شقيصاً من غلام، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم عتقه، وغرمه بقية ثمنه، وهكذا ورد من رواية محمد بن كثير عن همام عن قتادة، وقد رواه اعبد الله بن يزيد المقرىء عن همام عن قتادة، وزاد: وقال قتادة: إن لم يكن له مال استسعى العبد" رواه هكذا الإسماعيلي، وابن المنذر، والدارقطني، والخطابي، والحاكم، والبيهقي، والخطيب. انظر الفتح 5/188.
(3)
العلل الكبير ص204 – 205.
" وكأن البخاري خشي من الطعن في رواية سعيد بن أبي عروبة، أشار إلى ثبوتها بإشارات خفية كعادته، فإنه أخرجه من رواية يزيد بن زريع وهو من أثبت الناس فيه وسمع منه قبل الاختلاط.
ثم استظهر له برواية جرير بن حازم بمتابعته لينفي عنه التفرد.
ثم أشار إلى أن غيرهما تابعهما.
ثم قال: اختصره شعبة، وكأنه جواب على سؤال مقدر وهو أن شعبة أحفظ الناس لحديث قتادة، فكيف لم يذكر الاستسعاء (*) فأجاب بأن هذا لا يؤثر فيه ضعفاً لأنه أورده مختصراً، وغيره ساقه بتمامه، والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد" (1) .
والمقصود هنا بيان أن هذا الاختلاف الذي وقع بين أصحاب قتادة: شعبة وهشام من جهة، وسعيد بن أبي عروبة، ومن تابعه من جهة أخرى، ليس سببه الوهم والخطأ المحتمل من أحد الجانبين، وإنما سببه أن بعض الرواة اختصر الحديث فخالف من ساقه بتمامه فلا تكون روايته سبباً في تعليل رواية من ساق الحديث بتمامه، ولو كان الذي اختصره أثبت وأحفظ إن كان اختصاره لا يغير معنى الحديث أي أنه يقتصر على بعضه ويترك بعضه، وأما إذا اختصر الراوي الحديث بحيث يتغير عن المعنى الأصلي، فإنه يكون سبباً لتعليل الرواية المختصرة، وإليك مثلاً من صنيع الإمام البخاري.
قال البخاري – رحمه الله: "حدثني محمود حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة بمائة امرأة، تلد كل امرأة غلاماً يقاتل في سبيل الله فقال له الملك:
(1) معنى الاستسعاء أ، العبد يكلف الاكتساب والطلب حتى يحصل قيمة الشريك الآخر. فإذا دفعها إليه عتق. هكذا فسره جمهور القائلين بالاستسعاء، وقال بعضهم: هو أن يخدم سيده الذي لم يعتق بقدر ماله فيه من الرق ولا يكلف ما يشق عليه. وقد اختلف العلماء في مشروعيته. انظر: (الفتح 5/189 – 191، وتحفة الأحوذي 2/212) .
() الفتح: ج5 ص189.
قل إن شاء الله فلم يقل ونسي. فأطاف بهن، ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان، قال النبي صلى الله عليه وسلم "لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان أرجى لحاجته" (1) .
وقد رواه غير البخاري عن محمود بن غيلان، قال: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا محمد على ابن طاوس عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث"(2) .
فهذا المتن مغاير للمتن الأول، فأيهما الصحيح؟
قال الترمذي: "حدثنا محمد بن غيلان، حدثنا عبد الرزاق عن معمر ابن طاوس، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "م حلف فقال إن شاء الله لم يحنث".
سألت محمد عن هذا الحديث فقال: جاء مثل هذا من قبل عبد الرزاق وهو غلط إنما اختصره عبد الرزاق من حديث معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة سيمان بن داود حين قال: "لأطوفن الليلة على سبعين امرأة"(3) .
فالحديث المحفوظ بهذا الإسناد هو الحديث الوارد في قصة سليمان – عليه السلام – وعبد الرزاق كان يرويه تارة تاماً كما سمعه وتارة يختصره. فلما اختصره جاء بمتن مخالف ومغاير في سياقه للحديث الأصلي، ورفعه للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو قوله:"من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث" فهذا المتن بهذا الإسناد لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(1) كتاب النكاح، باب قول الرجل: لأطوفن الليلة على نسائي. حديث رقم (5232) ج9 ص250.
(2)
أخرجه أحمد 30912 وابن ماجه (2104) والترمذي (1532) والنسائي (7/20) .
(3)
العلل الكبير ص252.