الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بل قد يحصل أن الناقد الواحد يختلف اجتهاده من حين إلى آخر، كما وقع للبخاري في هذا الحديث.
والنتيجة التي نستخلصها في هذا المطلب أنه ليس للإمام البخاري حكم مطرد في مسالة اختلاف الرفع والوقف فتارة يرجح الوقف وتارة يرجح الرفع، وتارة يصحح الطرفين معاً، بحسب القرائن ظهوراً وخفاءً والله أعلم.
المطلب الثالث: الاختلاف في تسمية شيخ الراوي
قد يختلف الرواة فيما بينهم في تسمية من روى عنه شيخهم، أو من فوقه فيكون الترجيح بينهم خاضعاً للقرائن بغض النظر عن أحوالهم.
مثال ذلك، ما رواه البخاري في صحيحه قال:"حدثنا عياش بن الوليد أخبرنا عبد الأعلى حدثنا معمر عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج" قالوا: يا رسول الله أيما هو؟ قال: "القتل القتل".
وقال شعيب، ويونس، والليث، وابن أخي الزهري، عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة" (1) .
وقد ذكر الإمام الدارقطني هذا الحديث في كتابه "التتبع" وأشار إلى ترجيح رواية من خالف معمراً فقال:
"أخرج البخاري حديث عبد الأعلى عن معمر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يتقارب الزمان، ويلقى الشح،
(1) كتاب الفتن، باب ظهور الفتن، حديث رقم (7061) ج13 ص16 (مع الفتح) ، ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شبية عن عبد الأعلى به ج16 ص322 (مع شرح النووي) .
وتظهر الفتن، ويكثر الهرج" وقد تابع حماد بن زيد عبد الأعلى، وقد خالفهما عبد الرزاق فلم يذكر أبا هريرة وأرسله.
ويقال إن معمراً حدث به بالبصرة من حفظه بأحاديث وهم في بعضها، وقد خالفه فيه شعيب، ويونس، والليث بن سعد، وابن أخي الزهري، رووه عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة، وقد أخرجا جميعاً حديث حميد أيضا" (1) .
وقال الحافظ ابن حجر مبيناً قول البخاري: (وقال شعيب، ويونس والليث وابن أخي الزهري عن حميد عن أبي هريرة) .
" يعني أن هؤلاء الأربعة خالفوا معمراً في قوله عن الزهري عن سعيد فجعلوا شيخ الزهري حميداً لا سعيداً، وصنيع البخاري يقتضي أن الطريقين صحيحان، فإنه وصل طريق معمر هنا، ووصل طريق شعيب في كتاب الأدب، وكأنه رأى أن ذلك لا يقدح لأن الزهري صاحب حديث فيكون عنده عن شيخين، ولا يلزم من ذلك اطراده في كل من اختلف عليه في شيخه، إلا أن يكون مثل الزهري في كثرة الحديث والشيوخ، ولولا ذلك لكانت رواية يونس، ومن تابعة أرجح. وليست رواية معمر مدفوعة عن الصحة لما ذكرته"(2) .
فواضح مما سبق ذكره من كلام الدارقطني: أن معمراً يروي هذا الحديث عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الطريق محفوظ عنه إذ رواه اثنان من أصحابه هما: حماد بن زيد، وعبد الأعلى.
ويعتبر طريق عبد الرزاق المرسل وهم منه، إذ إنه خالف فيه من هم أكثر وأحفظ. أي أن معمراً كان يروي هذا الحديث مسنداً غير مرسل، والإرسال وهم يلزق بعبد الرزاق.
إذن لم يكن معمر يسنده تارة ويرسله تارة، كما فهم ذلك الشيخ مقبل
(1) التتبع ص121.
(2)
فتح الباري: ج13 ص18.
–حفظه الله- في تعليقه على التتبع (1) وجعل هذا قرينة لتعليل رواية معمر، أي أنه اضطرب فيه فتارة كان رسله وتارة يسنده.
ومن القرائن التي اعتمد عليها أيضاً لتعليل رواية معمر، وهو أن معمراً كان تارة يحدث به عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وتارة يحدث به عن همام عن أبي هريرة (2) .
وهذه القرينة – فيما أرى – غير صحيحة، وذلك لأن الحديث الذي يرويه معمر عن همام عن أبي هريرة، هو حديث آخر مخالف لهذا الحديث في نصه.
وهذا نصه كما في صحيح مسلم: "حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أحاديث منها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى تقتل فئتان عظيمتان، وتكون مقتلة عظيمة دعواهما واحدة" (3) .
فهذا كما ترى حديث آخر مختلف عن الأول في متنه وسنده، فلا يصح أن نقول إن معمراً كان يرويه تارة عن سعيد عن أبي هريرة، وتارة يرويه عن همام عن أبي هريرة، إذن فما هي القرائن التي تفيد ترجيح رواية شعيب ومن معه على رواية معمر؟
هذه القرائن أشار إليها الدارقطني – رحمه الله – وهي:
1-
إن معمراً حدث بهذا الحديث بالبصرة، وكان قد وهم في بعض أحاديثه التي حدث بها هناك، لأنه كان يحدثهم بالبصرة من حفظه.
2-
ومما يقوي أن الوهم من معمر أنه خالف هذا العدد من الرواة، وكلهم من الثقات وهم: شعيب، ويونس، والليث، وابن أخي
(1) التتبع ص122 (مع الحاشية) .
(2)
المصدر نفسه.
(3)
كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب إذا تواجه المسلمان بسيفهما، حديث رقم (2214) ج4 ص157.
الزهري، وهؤلاء كلهم قد اتفقوا في سنده، ويروونه عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة، فهذا العدد أولى بالحفظ من الراوي المنفرد، ولو كان ثقة.
ثم قال الدارقطني: وقد أخرجا جميعاً حديث حميد".
يشير بذلك إلى أن حديث حميد متفق على صحته، إذا أخرجه البخاري ومسلم.
أما حديث سعيد فقد رواه البخاري وأشار إلى علته، وكذلك صنع الإمام مسلم في صحيحه، فقد أورد طرق هذا الحديث في كتاب العلم من صحيحه (1) .
1-
قال: حدثنا حرملة بن يحيى أخبرنا بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب حدثني حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يتقارب الزمان".
2-
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يتقارب الزمان ويقبض العلم" ثم ذكر مثل حديثهما.
فواضح أن الإمام مسلم لما ذكر طرق هذا الحديث عن الزهري قدم حديث يونس ثم حديث شعيب لأنهما الأصح ثم ذكر في آخر الباب حديث معمر إشارة إلى تعليمه، لأن هؤلاء أحفظ واتفقوا على سنده.
(1) كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضة وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان، ج4 ص2057.
وقد صرح الإمام الدارقطني أيضاً في علله، بتعليل حديث معمر حيث قال: "حديث يتقارب الزمان يرويه الزهري، واختلف عنه:
فرواه معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
وخالفه يونس بن يزيد وإسحاق بن يحيى: فروياه عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة.
وكذلك قال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة، والمحفوظ حديث حميد" (1) .
إذاً تأكدنا من خلال هذه القرائن من صحة حديث شعيب ويونس ومن وافقهما، وخطأ حديث معمر.
لكن هل البخاري يصحح الطريقين معاً؟ كما نص عليه الحافظ لما قال: "وصنيع البخاري يقتضي أن الطريقين صحيحان، فإنه وصل طريق معمر هنا، ووصل طريق شعيب في كتاب الأدب ".
الظاهر أن الإمام البخاري ذكر طريق معمر معللاً لها، ولا يقتضي أنه لما وصلها أنه يصححها لأنه ذكر الخلاف عقبها، فهذا الخلاف مع انضمام القرائن السابقة يقدح في صحة رواية معمر أما طريق شعيب فلا غبار على صحتها سواء أوصلها أم أشار إليها.
وقول الحافظ: "كأنه ذلك لا يقدح لأن الزهري صاحب حديث، فيكون عنده عن الشيخين ".
هذا كله مبني على التجويز العقلي المجرد، والقرائن السابقة تدل على بطلانه.
(1) علل الدارقطني: ج3 ص80.