المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌شريعة (1) ويقال أيضًا "شرع" (مصدر فى الأصل): هى لغة الطريق - موجز دائرة المعارف الإسلامية - جـ ٢٠

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌شاه جهان

- ‌المصادر:

- ‌شاهد

- ‌المصادر:

- ‌شاور

- ‌المصادر:

- ‌الشاوى

- ‌المصادر:

- ‌الشبلى

- ‌ الشبلى

- ‌المصادر:

- ‌المصادر:

- ‌شبلى النعمانى

- ‌المصادر:

- ‌شبيب

- ‌المصادر:

- ‌شجرة الدر

- ‌المصادر:

- ‌شداد، بنو

- ‌سلاطين دولة بنى شداد

- ‌المصادر:

- ‌الشربينى

- ‌المصادر:

- ‌شرفا

- ‌المصادر:

- ‌شرف الدين

- ‌المصادر:

- ‌شركة إسلام

- ‌تاريخ الشركة المبكر:

- ‌المصادر:

- ‌شريعة

- ‌المصادر:

- ‌تعليق على مادة "شريعة

- ‌1 - نظرة عامة

- ‌2 - بين الحقيقة والشريعة

- ‌3 - الإجماع قديما. . وحديثا

- ‌4 - الشريعة والتعليل والمنطق

- ‌5 - المصادر المادية للشريعة

- ‌شريف *

- ‌المصادر:

- ‌تعليق على مادة "شريف

- ‌شريف باشا

- ‌المصادر:

- ‌الشريف الرضى

- ‌المصادر:

- ‌الششترى

- ‌المصادر:

- ‌شطرنج

- ‌المصادر:

- ‌شط العرب

- ‌المصادر:

- ‌شعبان

- ‌المصادر:

- ‌شعبان

- ‌ المصادر)

- ‌الشعبى

- ‌المصادر:

- ‌الشعر

- ‌المصادر:

- ‌الشعرانى

- ‌ شعيب" عليه السلام

- ‌المصادر:

- ‌شفاعة

- ‌المصادر:

- ‌شقيقة النعمان

- ‌المصادر:

- ‌‌‌الشماخى

- ‌الشماخى

- ‌المصادر:

- ‌المصادر:

- ‌شمر

- ‌المصادر

- ‌الشمس

- ‌المصادر

- ‌شمس الدولة

- ‌المصادر:

- ‌شمس الدين

- ‌المصادر:

- ‌شهاب الدين

- ‌المصادر:

- ‌التعليقات:

- ‌شهاب الدين

- ‌المصادر:

- ‌الشهرستانى

- ‌المصادر:

- ‌شهيد

- ‌المصادر:

- ‌تعليق على مادة شهيد للأستاذ أمين الخولى

- ‌1 - التمييز بين شاهد وشهيد

- ‌2 - مأخذ معنى الشهيد

- ‌3 - قضايا تنقصها الدقة

- ‌4 - ما فى تمنى الشهادة

- ‌5 - شهيد العشق

- ‌شوشترى

- ‌المصادر:

- ‌الشيبانى

- ‌المصادر:

- ‌الشيبانى

- ‌المصادر:

- ‌شيبة، بنو

- ‌المصادر:

- ‌شيث

- ‌الروايات المتأخرة:

- ‌المصادر:

- ‌شيخ الإسلام

- ‌المصادر:

- ‌شيخزاده

- ‌المصادر

- ‌المصادر

- ‌‌‌المصادر

- ‌المصادر

- ‌شيخ سعيد

- ‌المصادر:

- ‌شيخية

- ‌المصادر:

- ‌شيراز

- ‌المصادر

- ‌الشيرازى

- ‌المصادر:

- ‌الشيرازى

- ‌المصادر:

- ‌الشيرازى

- ‌المصادر:

- ‌حياة الشيرازى ومصنفاته

- ‌شيركوه

- ‌المصادر:

- ‌شيروان

- ‌المصادر:

- ‌الشيعة

- ‌دوافع الشيعة والعصر الأول

- ‌الحديث:

- ‌المصادر:

- ‌تعليق على مادة الشيعة

الفصل: ‌ ‌شريعة (1) ويقال أيضًا "شرع" (مصدر فى الأصل): هى لغة الطريق

‌شريعة

(1)

ويقال أيضًا "شرع"(مصدر فى الأصل): هى لغة الطريق إلى مورد الماء؛ والطريق الواضح الذى يجب سلوكه، والطريق الذى يجب على المؤمنين أن يتبعوه؛ والديانة الإسلامية؛ واصطلاحًا: القانون المعترف به فى الإسلام، وهو جملة أحكام اللَّه (وتستعمل كلمة "شريعة" أيضًا فى الدلالة على الحكم الواحد، والجمع شرائع = أحكام. وهو يستعمل فى معنى الشريعة) وترادف كلمة "شريعة" كلمة "شرْعة" التى كانت تستعمل أيضًا بمعنى العادة وأصبحت من بعد كلمة مهجورة.

أما كلمة "شارع" فتستعمل أيضًا اصطلاحا للدلالة على النبى عليه الصلاة والسلام بوصف أنه مبلغ الشريعة، لكنها تطلق فى الغالب على اللَّه بوصف أنه المشرِّع.

"والمشروع" هو ما نصت عليه الشريعة؛ والشئ الذى يدخل فى الشريعة أو يتفق معها وينطبق عليها يسمى "شرعيا". ويستعمل لفظ "شرعى" أيضًا مقابلا للفظ "حسى": فيطلق الأول على الأفعال الظاهرة المدركة بالحواس التى هى أيضًا صور للأحكام الشرعية؛ ويطلق الثانى على كل الأفعال التى لا يكون حالها هذا الحال أى التى ليس لها مدلول فى الشريعة (فمثلا الإيجاب والقبول فى التعاقد أشياء شرعية، وهى فى أحوال أخرى أشياء حسية). وعلى هذا النحو يكون الشرع والحكم مقابلين للحقيقة أى للعلاقات الواقعة فعلا والتى قد تكون مخالفة لما أوجده الشرع.

ويردّ الاستعمال الاصطلاحى للكلمة إلى بعض آيات من القرآن الكريم: (سورة الجاثية، الآية 18؛ وهى ترجع إلى أواخر الفترة المكية -وفيما يتعلق بالتواريخ انظر Ces Chichte des Koran: Noldeke-Schwully، جـ 1، ص 58 وما بعدها؛ Mohammed: Grimme، جـ 2، ص 24 وما بعدها): "ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون" وسورة الشورى الآية 3 (الفترة نفسها، وربما بعد ذلك بقليل): {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} . . . والسورة نفسها، الآية 21: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ

(1) فى هذه المادة حافظنا على الأصل، وأضفنا إليه بعض ما أضافه الكاتب أخيرا فى مختصر دائرة المعارف الإسلامية. . المترجم.

ص: 6198

يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}؛ وسورة المائدة، الآية 48 (مدنية، وربما كانت من أول الفترة المدنية): {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} . وكلمتا "شريعة" و"شرعة" فى هذا المقام لم تكونا قد أصبحتا بعد من المصطلحات.

ومن التعريفات القديمة للفظ "شريعة" ما يذكره الطبرى فى تفسير سورة الجاثية الآية 18 من أن الشريعة هى "الفرائض والحدود والأمر والنهى". أما فى المذاهب التى جاءت بعد ذلك فيفهم من "الشريعة" و"الشرع" جملة أحكام اللَّه المتعلقة بأفعال الإنسان، ومن هذه الأحكام يستبعد ما يتناول الأخلاق ويسمى "الآداب"، وعلم الفقه (هو وعلم التفسير وعلم الحديث، والعلوم المساعدة له) هو علم الشريعة أو علم الشرائع. ويمكن فى بعض الأحيان أن يستعمل مرادفا لعلم الشريعة كما أن "علم أصول الفقه" يسمى أيضًا "علم أصول الشرع". ويرى أهل السنة أن الشريعة هى منشأ الحكم على الأفعال بأنها حسنة أو قبيحة، ومردّ هذا الحكم عندهم إلى اللَّه وحده، على حين أن الحكم على الأفعال بأنها حسنة أو قبيحة فى نظر المعتزلة إنما يأتى مؤيدا الحاكم العقل السابق على الشرع.

والشريعة من حيث هى المحكمة الظاهرة Forum externum لا تضع القواعد إلا للعلاقات الظاهرة التى تربط المكلَّف باللَّه وتربطه بابناء جنسه، وهى لا تتناول باطنه، أى موقفه أمام المحكمة الباطنة (1) Forum internum، فالنية نفسها مثلا، مع أنها أمر مطلوب فى كثير من العبادات، لا تتضمن الباعث الباطنى من القلب. والشريعة إنما تطالب بأداء الواجبات الظاهرة المفروضة، وهى لا تنظر إلا إلى أدائها، وعلى هذا فإن الشريعة، والحكم على الأفعال بالاستناد إليها، وكذلك القضاء الذى لا يجاوز الواقع الظاهر، كل ذلك يجئ فى مقابل ما يكون فى قلب الإنسان وما يحس بأنه مسئول عنه شرعًا (وهذا ما يسمى الديانة والتنزه) وما يكون بينه وبين اللَّه، ولذلك فإن أهل الأرواح المتدينة، كالغزالى، عارضوا المبالغة فيما هو فقهى، والفقهاء أنفسهم

(1) المقصود محكمة الضمير.

ص: 6199

يقولون إن مجرد القيام الشكلى بأحكام الشريعة جميعًا غير كاف. ويتصل بهذا مكان الشريعة عند الصوفية (انظر فيما يتعلق بالصوفية Vorlesungen uber den Islam: I.Goldziher، الطبعة الثانية ص 165 وما بعدها؛ Al- Hartmann

Kuschairis Darstellung des Sufitums ص 72، 102 وما بعدها) والشريعة مرحلة بداية فى طريق الصوفى، ويمكن أن تكون من جهة أساسا لا بد منه للحياة الدينية التى تأتى بعد ذلك والتى يجب أن يكون فيها القيام بأحكام الشرع شيئًا باطنا، وعلى هذا فإن الشريعة التى هى أمر بالتزام العبودية والحقيقة التى هى مشاهد الربوبية تكوّنان مفهومين متضايفين. ويمكن أن تعد الشريعة من جهة أخرى مجرد رمز تصطنع فيه صور التعبير الحسية وإشارة لشئ آخر، أو أن تعد أخيرًا نافلة. وبالجملة فإن الشريعة هى العنصر المميز للتفكير الإسلامى، وهى لب الإسلام نفسه، وهى إلى جانب ذلك نوع خاص من "القانون المقدس".

وكانت المعرفة بالشريعة فى أول الأمر تُستمد من القرآن والحديث مباشرة (ولذلك كان علم التفسير وعلم الحديث من جملة الفقه)، وعند المتأخرين صارت المعرفة بالشريعة تستمد على نحو قاطع من المذاهب الفقهية التى اشتملت على أدق وأصغر المسائل التفصيلية والتى كان مرجعها الأخير إلى الإجماع وهو الحجة الكبرى التى لا يعرض فيها الخطأ. وكان لا يجوز لمسلم من أهل السنة أن يتنصل من حكم الإجماع، لكن المهدى محمد بن أحمد فعل ذلك ويفعله أصحاب التجديد (انظر مثلا فيما يتعلق بتركية A. Fischer: Ubersetzung and Texte; aus der neu osmanischen Literatur المؤلف نفسه Aus A. Muhiddin،: der religiosen Reformbe Die Kul-: wegung in der Turkei turbewegung in modernen Turkentum؛ وفيما يتعلق بمصر انظر كتاب الإسلام وأصول الحكم لعلى عبد الرازق، القاهرة 1344 هـ، وفيما يتعلق بالهند انظر كتاب سيد أمير على: Life and The Teachings of Mohammed وله أيضًا: The: M. Barakatullah;The Spirit of Islam Khilafet) . لكن التجديد قد أخذ ينال

ص: 6200

مكانا فى العصر الحديث، وهو ينازع فى سلطة الصورة التقليدية التى للشريعة، ويدعى لنفسه الحق فى أن يصلحها بحسب الآراء والحاجات الحديثة، وهذا لا يحدث بدون تعسف فى اختيار الأقوال التى يجب الأخذ بها ولا بدون تأويل للنصوص الأساسية لا يخلو من تكلف.

وكان من نتائج تطور الفقه أن الشرع لم يُرتب على هيئة "مجموعة قوانين" بالمعنى الحديث (انظر خاصة Verspreide Ge schriften: Snouck Hurgronje، مجلد 4، جـ 2، ص 260 وما بعدها) ثم إن كتب الفقه، وخاصة التى ترجع إلى عصر متأخر والتى تعد المقياس المقبول عند الكافة (بسبب الإجماع عليها)، هى فى الواقع "كتب الشريعة" عند المسلم السنى: فهو يجد فيها شريعة اللَّه مبينة على الوجه الذى يجب أن يتبعه وبحسب المذهب الذى ينتمى إليه، على حين أن القرآن الكريم والحديث بالإضافة إلى ما سبق فإنهما يثبتان الإيمان ويقويان اليقين. ولكن ليس كل إنسان قادرًا على أن يستخلص بنفسه من كتب الفقه وعن خبرة كافية رأى الشرع فى بعض الحالات، بل يحتاج غير المتخصصين فى الشريعة إلى سؤال المتخصصين فيها. ورأى هؤلاء يجئ فى صورة فتوى، والعالم الذى يعطى هذه الفتوى يسمى تبعًا لذلك بالمفتى.

وشرع اللَّه لا يمكن إدراك كل أسراره بالعقل، فهو تَعَبُّدى، أى أن الإنسان يجب عليه أن يقبله، وأحكامه حتى التى لا يدركها العقل، من غير نقد وأن يعد ذلك حكمة لا يمكن إدراك كنهها. ولا يجوز للإنسان أن يبحث فى الشرع عن علل بحسب مفهوماتنا، ولا عن مبادئ، ذلك أن منشأ الشريعة هو إرادة اللَّه التى لا تقيدها مبادئ. ولذلك فإن أنواع الرخص لا تعتبر أكثر من اصطناع وسائل وضعها اللَّه فى متناول الإنسان. والشريعة الإسلامية التى تكونت من الوجهة التاريخية بتضافر عوامل كثيرة لا يكاد يمكن تقديرها التقدير الدقيق (انظر Islam: Bergatrasser مجلد 14، ص 76 وما بعدها) بدت فى

ص: 6201

نظر أتباعها دائما شيئًا يعلو على الحكمة الإنسانية. ولذلك أيضًا لم يحرم البحث فى معنى القوانين الإلهية بقدر ما هدانا اللَّه نفسه إلى طريقة هذا البحث، وعلى هذا فإنه يشار فى كثير من الأحيان إلى الحكمة من شرع شرعه اللَّه. لكن المرء يجب عليه دائما أن يحرّز من المغالاة فى قيمة هذه الاعتبارات النظرية.

ولهذا السبب نفسه لا تعد الشريعة "قانونا" بالمعنى الحديث لهذه الكلمة ولا هى كذلك من حيث مادتها، ذلك أنها، وهى القانون الخلقى الذى لا يتطرق إليه الباطل، تشمل جملة الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية والعائلية والفردية لمعتنقى الإسلام على أوسع نطاق وبدون تقييد، كما تشمل حياة أهل الأديان الأخرى الذين يسمح لهم بالحياة بين المسلمين ما دام نشاطهم بريئًا من العداوة للإسلام.

والمكلف بالعمل بأحكام الإسلام هو الشخص البالغ العاقل، وعلى هذا فإن الشريعة لا تقيد غير المسلم شيئًا من التقييد إلا فى بلاد الإسلام، فهى تقصر انطباقها طبقا للمبدأ الذى يراعى الشخص ويراعى البلاد معًا (1).

وهذه النظرة التى تميز الشريعة تمييزًا تاما تبدو بارزة منذ مرحلتها الأولى، أى المرحلة القرآنية، وإن الأحكام الواردة فى القرآن كانت بعيدة عن أن تكون شاملة لكل تفاصيل الميادين التى تقدم ذكرها. وقد وضح القرآن أولًا وقبل كل شئ ما يجب على الإنسان أن يفعله بالنسبة لأنواع معينة من التعاقد، وبالنسبة لأحوال معينة، وأن يبين ما لا يجوز للإنسان أن يفعله؛ أما فيما يتعلق بالمصادر المادية التى استوعبتها الشريعة الإسلامية فإن عناصر كثيرة مختلفة جدًا فى أصلها (من آراء عربية قديمة وبدوية: قانون التعامل بمدينة مكة التى كانت مدينة تجارية؛ وقانون الملكية فى واحة المدينة؛ والقانون العرفى الذى كان فى البلاد المفتوحة، وهو قانون رومانى إقليمى إلى حدّ ما؛ وقانون هندى) قد احتفظ بها الإسلام وأخذ بها من غير تحرج

(1) زاد الكاتب الفقرة التالية على المادة الأصلية وأثبتها فى مختصر دائرة المعارف الإسلامية.

ص: 6202

بعد أن أخضعت لذلك التقييم الدينى الذى شمل كل شئ وأنتج من جانبه أيضًا عددا كبيرا من المبتكرات الفقهية البالغة أعلى درجة فى الأصالة. ومن طريق هذه النزعة الشاملة فى بيان الأوامر والنواهى صار مضمون الشريعة على تنوعه وحدة متماسكة غير قابلة للانحلال.

وأحكام الشريعة يمكن أن تنقسم من حيث مادتها إلى طائفتين كبيرتين:

1 -

أحكام تتعلق بالعبادات والشعائر.

2 -

أحكام ذات صبغة قضائية وسياسية.

وكل هذه الميادين هى بحسب طريقة التفكير الإسلامية من نوع واحد تماما (وإن كان المسلم يحس بطبيعة الحال بأن الأحكام الأولى المسماة العبادات أوثق صلة باللَّه). وهذا يصدق أيضًا على الأحكام الكثيرة المتفرقة فى جميع أنحاء كتب الفقه والتى تتعلق بأمور مختلفة أشد الاختلاف لا يكاد يمكن إدخالها فى إحدى الطائفتين الكبيرتين اللتين تقدم ذكرهما، وذلك مثل الأحكام المتعلقة بالآلات الموسيقية المباحة والمحرمة، وباستعمال آنية الذهب والفضة، والعلاقات بين الرجال والنساء، والمباراة فى الرماية والسباق، وتصوير الكائنات الحية، واتخاذ الملابس والزينة بالنسبة للرجال والنساء ونحو ذلك.

وكانت النزعة الكبرى عند نشأة الشريعة هى نزعة الحكم على كل أحوال الحياة على أساس النظرة الدينية، ولم تكن وجهات النظر القانونية إلا شيئًا ثانويا فحسب (انظر Bergstrasser، المصدر المتقدم) وأهل السنة يقسمون الشريعة أحيانا تقسيما شكليا إلى عبادات ومعاملات وعقوبات. أما الشيعة الاثنا عشرية، فقد قسموا الشريعة على نحو أكثر منهجية تقسيما شكليا أيضًا لم يمضوا فيه من حيث المنطق إلى نهايته، ذلك أنهم قسموها إلى عبادات وعقود وإيقاعات وأحكام.

وكان هناك إجماع بين الأجيال الأولى من المسلمين حول الواجبات الكبرى المفروضة على المسلم. فالقرآن كان قد جعل للصلاة والزكاة والصوم شأنا خاصا. ورأى الكثيرون إلى ذلك أن الاشتراك فى الجهاد فرض أساسى

ص: 6203

يجب على المسلم أن يقوم به، ثم إن المهدى محمد بن أحمد أيضًا قد جعل الجهاد من الواجبات الكبرى التى بينها هو من جديد (انظر Islam مجلد 14 ص 285). وعند الشيعة أن القول بإمامة أئمتهم والولاية لهم من الفروض الكبرى؛ ويضيف الإسماعيلية إلى ذلك الجهاد. ولكن بحسب الرأى الذى أصبح هو السائد عند أهل السنة يقوم الإسلام على خمسة أركان (جمع ركن): الشهادة والصلاة، والزكاة والحج، والصوم. وكتب الفقه فى العادة لا تتناول الشهادة: وذلك أن المسائل المتعلقة بالعقيدة كانت من الكثرة بحيث لم يلبث موضوع هذا الركن الأول من أركان الإسلام أن صار فرع دراسة قائما بذاته. وهو علم الكلام. أما الأركان الأربعة الباقية فتدرج هى والطهارة (وتعد عند الإسماعيلية ركنا جديدًا) سويا أحيانا بوصفها "العبادات الخمس".

وبحسب الترتيب المأثور فى كتب الفقه والحديث -وهو الترتيب الذى قامت عليه بالفعل أقدم الكتب التى وصلت إلينا والذى لا نعرف الكثير عن نشأته التى لا بد أن تكون أقدم من المذاهب ويرجح أنها ترجع إلى القرن الثانى- تخصص الأبواب الخمسة الأولى دائما للعبادات الخمس، وبعدها تُعالج على الولاء فى الغالب مسائل: العقود، والميراث، والزواج وقانون الأسرة، والحدود، والجهاد، وموقف المسلمين إزاء الكافرين بوجه عام، وأحكام الأطعمة المحلفة والمحرمة، وأحكام الذبائح والأضاحى، والأيمان والنذور، والتقاضى وإثبات الدعوى، وعتق الرقيق. وهذا هو التبويب الجارى عند الشافعية؛ أما ما يوجد عند الحنفية من تبويب فهو يختلف عن ذلك. لكن كل أنواع التبويب على اختلافها تشترك فى بعض الوجوه، ولابد أن هذا يرجع إلى القرن الثانى للهجرة (1).

وليست كل أحكام الشريعة أوامر ونواهى، ففى كثير من الأحيان يعتبر فعل الشئ أو تركه فى نظر الشرع مجرد أمر مرغوب فيه أو مكروه. ثم إن الشرع أخيرًا يرتب أعمالا لا يأمر بها

(1) من عند قوله: وهذا هو التبويب الجارى عند الشافعية إلى هذا الموضع موجود فى المختصر.

ص: 6204

ولا ينهى عنها بل يعتبرها مباحة. وعلى هذا فإن علماء الشريعة يميزون بين الأحكام الخمسة الآتية:

1 -

الفرض (أو الواجب، انظر ما يلى)، وهو الأعمال التى يثاب على فعلها ويعاقب على تركها. وأهم التقسيمات الأخرى للفرض (الواجب) التقسيم إلى "فرض عين" و"فرض كفاية"، وهذا التقسيم يصطنع أيضًا فى الطائفة التالية من الأعمال.

2 -

مندوب، أو سنّة، أو مستحب، أو نفل أو نافلة، وهو العمل المحمود الاختيارى، والقيام بهذا العمل يسمى "التطوع". ولا يصح الخلط بين السنة بهذا المعنى وبين سنة النبى عليه الصلاة والسلام التى هى أصل من أصول الفقه -هذا رغم أن المفهومين مرتبطان. على أن معنى السنة من حيث هى صفة للفعل لم يخل أحيانا من التأثر بالمعنى الآخر. وكل ذلك أعمال لا يعاقب على تركها لكن يثاب على فعلها.

3 -

مباح، (ويندر أن يسمى:"جائزًا" -انظر ما يلى)، وهو يشمل الأعمال التى لا يتعرض الشرع للأمر بها أو النهى عنها والتى لا يرجى من ورائها ثواب ولا يخشى عقاب.

4 -

مكروه، وهو الأفعال التى لا يعاقب على فعلها ولكن يجب استنكارها من وجهة نظر الشرع. وعند متأخرى الشافعية صنف من المكروه بعض الكراهة، وهو المسمى "خلاف الأولى"، وتبعا لهذا يوجد أيضًا ما يسمى "الأولى"، وهو وسط بين السنة والمباح.

5 -

حرام (ويسمى المحظور أيضًا)، وهو الأعمال التى جعلها اللَّه موضوع عقاب، أما الشئ الذى يرضى عنه الشرع فهو يسمى "مطلوبا"، وهو قد يكون "فرضا" أو"سنّة" أو"أولى". وفى بعض الأحيان تستعمل الألفاظ الدالة على المباح بحيث تشمل المكروه، أى ما ليس حراما بالمعنى الحقيقى. ولهذه الأقسام التى تقدم ذكرها أقسام أخرى صغيرة كثيرة ولها درجات متوسطة (انظر Snouck Hurgronje: Verspr.Geschr، الفهرس تحت مادة Kategorieen؛ De Wijsbegeerte in den Islam: Tj. de Boer هارلم، 1921، ص 33 وما بعدها؛ وانظر كتب الأصول).

ص: 6205

والأسباب التى ينبنى عليها وضع الأفعال فى أحد هذه الأقسام قد تكون غاية فى الاختلاف، وهنا مجال واسع للاختلاف بين علماء الشريعة؛ وكثيرًا ما اعتبر الشئ حراما مطلقا أو واجبا مطلقا فى نظر فريق، على حين اعتبر مكروها أو سنة بل مباحا فى نظر فريق آخر. على أنه تظهر فى ذلك "نزعة الإسلام" السمحة، فقد يحدث مثلا أن يُعتبر الشئ سنة فى أحد المذاهب لا لشئ إلا أن هذا المذهب لا يريد أن يبعد كثيرًا عن رأى مذهب آخر يعتبر الشئ نفسه واجبا. وإذا كان قد يحدث أن يكون الفعل بحسب الظروف حراما تارة، مكروها تارة، مباحا تارة، وسنة تارة، وواجبا تارة، فإن هذا شئ مسلَّمٌ به عند الجميع.

وإلى جانب التقسيم المتقدم (1) يوجد تقسيم للأعمال التى لها صلة بالشرع من حيث قيمتها القانونية إلى: صحيح، وضده باطل أو فاسد؛ وجائز (ولابد من التفرقة بين معنى هذا الجائز والمعنى الذى تقدم ذكره للجائز) على أن الاثنين يرجعان إلى أصل لغوى واحد، والسابق هو الأصلى (انظر Bergstrasser: المصدر نفسه)؛ وضد الجائز غير الجائز؛ ونافذ وضده غير نافذ؛ ولازم أو واجب (ولابد أيضًا فى الواجب من التفرقة بين معنيى الواجب؛ ومن البديهى أن الأول هو الأسبق، أما إنه أقدم من حيث المعنى الاصطلاحى للكلمة فهذا فيه نظر)؛ وضده "غير لازم" و"غير واجب"، وهذه تقسيمات متطابقة بعض التطابق، وعلاقتها من حيث التاريخ والمفهوم بعضها بالنسبة للبعض وكذلك علاقتها بالأقسام الخمسة السابق ذكرها لا تزال بحاجة إلى توضيح.

(1) من هنا نجد فى المختصر تفصيلا، ونحن نأتى به ترجمة عن هذا المختصر:

"وإلى جانب هذا التقسيم يوجد تقسيم للأعمال التى لها صلة بالشرع من حيث قيمتها القانونية. وهذا التقسيم قد فصله) وفى تفصيل فقهاء الحنفية على الوجه الآتى:

1 -

صحيح، وذلك إذا كان أصل الفعل ووصفه مطابقين لما يأمر به الشرع. 2 - مكروه، وذلك عندما يكون حال الفعل كما تقدم، لكن يخالطه شئ محظور 3 - فاسد، وهو إذا كان أصل الفعل مطابقا للشرع دون وصفه. 4 - باطل، وهو إذا كان أصل الفعل ووصفه مخالفين للشرع. وفى الحالة الأولى والثانية يكون الفعل نافذا نفاذا تاما، وفى الحالة الثالثة بشروط معينة أو بقيود معينة. وفى الحالة الثانية تدخل فى بعض الأحوال مسئولية جديدة. وفى الحالة الرابعة لا تترتب نتائج قانونية أصلا. =

ص: 6206

وبعد وفاة النبى عليه الصلاة والسلام تولى خلفاؤه (الخلفاء الأولون) وظيفته من حيث كان القاضى الأعلى للجماعة الإسلامية، على أنهم لم يكن لهم ما كان له من تبليغ الوحى الإلهى. صحيح أن الشيعة يعتقدون أن لأئمتهم هذا الشأن، لكن هذه العقيدة بقيت فى هذا الباب مجرد نظرية اعتقادية لا أكثر، وهى لم تؤثر فى تطور الشريعة تأثيرا فعليا. أما بالنسبة لأهل السنة (1) فإنه فى أثناء الثلاثين السنة الأولى من حياة الإسلام كان هؤلاء الأشخاص بأعيانهم فى الجملة هم الذين يصح أن يقال إنهم كانوا على علم بالأحكام الصحيحة فى الشريعة، وكان لهم أيضًا الشأن الحاسم فى قيادة الجماعة الإسلامية، وأولئك هم صحابة النبى عليه الصلاة والسلام وفى وسطهم الخليفة. وعلى هذا لم يكن هناك خطر كبير من سيطرة آراء بعيدة كل البعد من أن تكون عملية. وفى طول هذه الفترة كلها روعيت بطبيعة الحال أوامر القرآن والقواعد الأخرى التى وضعها النبى عليه الصلاة والسلام، لكن المسلمين أخذوا فى الوقت نفسه دون تحرج بالقوانين التى وجدوها أمامهم فى البلاد الجديدة التى فتحوها ما دام لم يكن عليها اعتراض دينى (2) لكن منذ قيام دولة بنى أمية فقد ممثلو

= والمذاهب الأخرى لا تفرق بين الفاسد والباطل، وكثيرا ما يستعمل الوصف بـ "صحيح" فى معنى الصحيح قانونًا، بحيث يشمل المكروه. والاصطلاحات الخاصة بهذا المفهوم الجديد هى "نافذ" أى من الناحية الموضوعية) و"لازم"(أى ملزم من الناحية الذاتية) و"واجب"(أى لا يمكن الرجوع فيه، ولا يصح الخلط بين معنى هذا الواجب ومعناه الذى ذكر آنفا)؛ فبهذا المعنى الجديد يكون الصحيح مرادفا للجائز (انظر ما تقدم) فكل من اللفظين يدل على كل ما هو جائز من وجهة نظر الدين وبالتالى صحيح شرعًا، وبحسب هذا المعنى تماما تستعمل كلمة إجازة فى داخل الميدان الفقهى الخالص: فإذا أقر الإنسان امرا صار صحيحا بذلك.

ويدل على أن التقسيمين للأعمال بحسب قيمتها غير منفصلين فى الميدان اشتراكهما فى مفهوم المكروه، لكن لا يمكن جعل احدهما ينطبق على الآخر تماما، فالأفعال المحظورة ليست وإنما باطلة من حيث نتائجها القانونية، بل هى فى بعض الأحيان فاسدة فقط أو حتى صحيحة تماما. وعلى هذا فان التطبيق السليم للتقسيم الثانى يعطى مقياسا موضوعيا لمعرفة المادة الفقهية الحقيقية التى احتفظت فى داخل الشريعة بقسط من صبغتها الخاصة".

(1)

من أول الفقرة إلى هنا منقول من المختصر.

(2)

من قوله: وفى طول هذه الفترة إلى هذا الموضع منقول من المختصر.

ص: 6207

المثل العليا الدينية والشرعية مركز الرياسة، وبقى الحال كذلك من بعد، ويستثنى من ذلك، بعض الاستثناء، العباسيون الأولون، وعند ذلك طاب لهم -وقد أصبحوا غير مقيدين بالواقع كما كان الحال من قبل- أن يمضوا فى التوسع فى نظرتهم عن الواجبات على نحو مثالى أصبح يوما بعد يوم يزداد مخالفة للحياة العملية. وهم كانوا ينظرون إلى الحياة كلها بمنظار الدين، فنظروا إلى القانون أيضًا بهذا المنظار وصاروا يستخلصون الأحكام الفقهية لا من القواعد الموجودة فى القرآن وحسب بل يستخلصونها أيضًا من الروايات الصحيحة لأقوال النبى عليه الصلاة والسلام وأفعاله (1): وهم فيما يتعلق بالقانون العام اشتدوا بصفة خاصة فى محاربة أى فساد بصرف النظر عن الأشخاص، لكنهم أظهروا أيضًا فى عرض المسائل ما هو معروف عند "الربانيين" من روح الجدل فى استنباطات وتفريعات افتراضية متجددة الصورة دائمًا، وهكذا نشأت مدرسة، أو قل هيئة فقهاء، من المجلس الذى كان يحيط بالخلفاء الأولين. ولم يستسلم أهل التقى إلا بعد محاولات كثيرة غير مثمرة أرادوا من ورائها أن يعودوا إلى السلطة وعقدوا نوعا من الهدنة مع الدولة، هدنة لم تُكتب فى أية وثيقة ولم توضع شروطها وضعا صريحا فى أى مستند، لكن الطرفين احترموها تحت وطأة الظروف. وعبثا حاول الخلفاء الأولون من بنى العباس أن يملئوا الفجوة التى وجدت بين الشريعة وبين واقع حياة الدولة (2) وكان أهل التقى يطيعون الحكومة عمليا (وكان فى الشريعة من الفهم لأمور الدنيا ما يكفى لأيجاب طاعة كل سلطة إسلامية موجودة بالفعل)(3)، لكنهم احتفظوا لأنفسهم بكامل الحرية فى أن ينقدوا الحكومة نظريا، ولذلك يجد المرء دائما الشكوى من "هذا الزمان" والتحذير من "أمراء الدنيا". وكان هؤلاء الأمراء من جانبهم يعترفون بقانون الشريعة وهم أيضًا لم يدعوا

(1) من قوله: وهم كانوا ينظرون إلى الحياة كلها حتى هذا الموضع منقول من المختصر.

(2)

من قوله: وعبثًا حاول الخلفاء إلى هذا الموضع منقول من المختصر.

(3)

ما بين القوسين منقول من المختصر.

ص: 6208

لأنفسهم أبدا حق إصدار قوانين فى ميدان الشريعة، لكنهم كانوا يصرفون الأمور بحسب ما يبدو ملائما عمليا وذلك بواسطة أوامر يصدرونها أحيانا (وتسمى سياسة وقانونا -انظر ما يلى)، كما أنهم أنشأوا محاكم إدارية (1). على أن هذا لم يمنعهم، إذا أرادوا الظهور بمظهر التقوى، على حساب الغير أحيانًا (2)، من أن ينفذوا هذا الحكم أو ذاك من أحكام الشريعة، خصوصا الأحكام المتعلقة بالحدود، لكنهم أحيانا لم يكونوا يفون بمجمل شروط الشريعة.

على أنه لا يصح أن يسرف الإنسان فيتصور أنه كان ثمة فاصل دقيق بين علماء الشريعة وسلطة الدولة. وهذا يتجلى بخاصة فى منصب القاضى، أعنى القاضى الشرعى الذى هو فى الوقت نفسه موظف فى الدولة (انظر Amsdroz فى JRAS، عام 1909، ص 1138 وعام 1910، ص 761؛ وعام 1911، ص 635، وعام 1913، ص 823؛ Bergstrasser فى ZDMG 1914، ص 395؛ Margoliouth فى JRAS، 1909 ص 307).

فأمراء (3) الإسلام كانوا دائما هم الذين يولون القضاة ويؤيدونهم من حيث المبدأ بالوسائل اللازمة لتنفيذ الأحكام. وكان القضاة يحكمون بحسب ما تمليه ضمائرهم مستندين فيما عدا اعتمادهم على أحكام القرآن وسنة الخلفاء إلى مراعاة الحق والعدل ومراعاة قانون العرف مع تفاوت فى إبراز المقاييس الدينية. وفى أثناء العصر الأول كله جاء القضاء بإضافات كبيرة نفت الشريعة، ولكن لم تكد الشريعة تبلغ مرحلة تكوينها النهائى حوالى الوقت الذى ظهر فيه العباسيون حتى أصبح القضاة مقيدين بهذا القانون الذى صار يعتبر أساسا ومقياسا، وصاروا مستقلين عن الحكومة استقلالا تاما.

هذا هو الوضع من الناحية النظرية، أما من الناحية العملية فإن القضاة لم يكونوا يستطيعون التخلص من تأثير

(1) هذه الجملة الأخيرة منقولة من المختصر.

(2)

هذه العبارة الأخيرة منقولة من المختصر.

(3)

من هنا إلى قوله فيما يلى: على حين أن المحتسب كانت اختصاصاته كاختصاصات الشرطة، منقول من المختصر.

ص: 6209

الحكومة التى كانت توليهم وتعزلهم والتى كانوا يعتمدون عليها فى تنفيذ أحكامهم. وكانت هناك أيضًا أنواع من القضايا تؤخذ من اختصاص القاضى، وبذلك أصبح لا يمكن تطبيق بعض أحكام الشريعة. وفى عصر بنى أمية كانت المحاولات التى تأتى بين حين وآخر من جانب السلطات السياسية للتدخل المباشر فى القضاء تقابل بالرفض. لكن هذا الحال لم يلبث أن تبدل فى أيام العباسيين رغم التمسك بخلاف ذلك من الناحية النظرية. والشريعة تعترف إلى حد ما بمحاكم ناظر المظالم والمحتسب، وهى لم للبث أن أصبحت فى طول مدة مديدة من الزمان نظما مستقرة إلى جانب محكمة القاضى. وكان ناظر المظالم مختصا بأحوال تعدى قانون الشريعة مما لم يكن القاضى يستطيع أن يوقفه عند حد، هذا على حين أن اختصاصات المحتسب كانت كاختصاصات الشرطة (1) ثم لم يبق للقاضى أخيرا إلا مسائل العبادات والشعائر ومسائل الزواج والأسرة والميراث والنذور، ثم مسائل الأوقاف إلى حد ما. وكل هذه بحسب شعور جمهور الناس ميادين وثيقة الصلة بالدين قليلًا أو كثيرًا، وفيها كان حكم الشرع دائما هو السائد بمقدار ما تسمح الظروف. وكان الناس يتحرزون من المعاصى بمعناها الحقيقى أكثر من تحرزهم من صحة العقود، ذلك أن الصبغة الدينية لأقسام الشريعة المختلفة كانت من أول الأمر متفاوتة فى القوة (Islam: Bergstrasser الموضع نفسه) ففى ميدان القانون التجارى الشريعة لم تطبق تطبيقا كليا، وهذا (2) القانون العرفى وما يدخل فيه من "حيل" لا يناقض الشريعة مناقضة صريحة بل يتمسك بقواعدها الأساسية، لكنه يصطبغ بصبغة المرونة، وهو أيضًا قد واصل بناء بعض أنظمته مكملا إياها إكمالا كبيرًا خصوصا فيما يتعلق بقانون الممتلكات وأخرج فى ذلك كثيرًا من المصنفات بما يتصل بالموضوع من أمر الوثائق (الشروط). وأخذت السلطة الدنيوية تستولى شيئًا فشيئا على المسائل المتعلقة بالقانون

(1) إلى هنا ينتهى ما نقل من المختصر.

(2)

من هنا إلى قوله: "بما يتصل بالموضوع من أمر الوثائق (الشروط) " مأخوذ من المختصر.

ص: 6210

العام، وبالعقوبات والضرائب، وكل ما يمس الممتلكات من أمور هامة، وصارت تقرر الأمور هنا طبقا لمزيج من التحكم ومراعاة العادة (انظر ما يلى) والشعور بالصواب وأخيرا طبقا لقوانين من الطراز الأوروبى، وهكذا نشأ فى جميع بلاد الإسلام وعلى نحو مستقل تمام الاستقلال عن تأثير الغرب صنفان من القضاء يمكن تسميتهما القضاء الدينى والقضاء الدنيوى.

والحق أنه (1) بقيام دولة آل عثمان بدأت حركة جديدة لاحترام الشريعة فى الناحية العملية أيضًا، وهذا الاحترام يتجلى مثلا فى منصب شيخ الإسلام وهو قد أدى أخيرًا إلى وضع القانون الشرعى موحدًا فى "المجلة" لكننا لا نجد هنا أيضًا تطبيقا فعليا للشريعة، وقد بقى القضاء الدنيوى قائما فى هذه الحالة أيضًا. وبعد، فإن هذه الفترة لم يمض عليها زمان طويل فحسب (انظر الكتب المذكورة فيما تقدم حول حركة التجديد التركية) بل إن الترك يحاولون أن يبعدوا الشريعة عن الحياة العامة إبعادا تاما وإخراجها أيضًا من الميادين التى بقيت حتى الآن. وأخذوا بكتب تشريع أوروبية بأكملها (انظر أخبار ذلك فى مجلتى Oriente Moderno و Revue du Monde Musulman).

أما فى مصر فلم يبدأ إدخال القوانين على النمط الأوروبى فى الميادين التى أخلتها الشريعة عمليا إلا فى سنة 1833. وفى سنة أدخلت لأول مرة بعض التعديلات على قوانين الإثبات الشرعية، وهى تشبه ما جاء فى "المجلة" لكنها ملزمة للمحاكم الشرعية. وأخيرًا عُدّلت بعض الأحكام المادية للقانون الخاص بالأسرة وذلك فى شئ من الحذر أول الأمر فى سنة

(1) من هنا إلى نهاية الفقرة نجد فى المختصر: "فى أثناء عصر الازدهار فى الدولة العثمانية فى القرنين السادس عشر والسابع عشر بلغت الشريعة أخيرًا تحت رعاية حكام أتقياه أكبر تطبيق فعلى وصلت إليه حتى فى ميدان القانون المدنى والتجارى. ونظمت أمور القضاء فى الدولة كلها تنظيما واحدًا، وأنشئت درجات متفاوتة للقضاة، وكان على المفتى الأكبر، وهو شيخ الإسلام أن يسهر على الشريعة. ولكن حتى هنا بقى قانون العقوبات والضرائب والممتلكات من اختصاص التشريع الدنيوى المسمى "قانون نامه" الذى زعم أنه لا يريد سوى إكمال الشريعة لكنه جاء فى الواقع معارضا لها.

وجاءت حركة الإصلاح التى بدأت فى القرن التاسع عشر بوضع مجموعات قوانين على النمط =

ص: 6211

1920.

ثم فى شئ من الجرأة فى سنة 1929 و 1931 (وهنا أيضًا كانت تركية قد سبقت إلى ذلك فى سنة 1917).

على أن الفقهاء أنفسهم كانوا دائما بحكم الواقع شاعرين باستحالة تطبيق أحكام الشريعة فى الأحوال السائدة؛ ومهادنتهم للسلطة الدنيوية تستند إلى هذا الادراك. وهم لم يستطيعوا أن يدمغوا جميع المسلمين تقريبا بأنهم عصاة أو مارقون؛ لأن الأحوال كانت دائما تضطرهم إلى تعدى حدود الشريعة إذا كانوا لا يريدون أن ينفضوا يدهم من الدنيا نفضا تاما. وكان لا بد من اعتبار أن هذه الأحوال شئ قد وقع بل شئ أراده اللَّه، وهكذا (1) بقى للشريعة ما كان لها فيما سلف من الاعتراف بها نظريا دون قيد أو شرط، ومن قصَّر فى هذا الاعتراف فإنه يعتبر كافرًا. لكن الشريعة جردت بالفعل من سلطانها من حيث إن أحكامها لم تكن تنفذ عمليا، وهذا (2) يتجلى فى أن بعض الأعمال اعتبرت سُنّةً فحسب أو مكروها، كما يتجلى فى عدم تطبيق العقوبات الشرعية على تاركى معظم فروض الدين، بل لقد بين الطريق للتملص من أحكام الشريعة، واستندوا إلى أن الضرورات تبيح المحظورات، وزعموا إن الإنسان لا يكفر بتعدى حدود الشريعة بل بالشك فى صحتها من الأزل إلى الأبد. واقتنع البعض بأن الانحلال سيظل فى الجماعة الإسلامية بعد عصرها الذهبى إلى أن يظهر المهدى، وهم استخلصوا هذا الاقتناع من مجرى تطور الأحوال وعبروا عنه فى أحاديث موضوعة نسبت إلى النبى

= الأوروبى، وكان ذلك للقانون التجارى ثم لقانون العقوبات. أما القانون المدنى الشرعى فقد وضع مجموعا فى "المجلة" لكن هذه المجلة لا تتفق فى صورة موادها مع ما تقضى به الاعتبارات النظرية بصرف النظر عما تضمنته من انحرافات واقعية. ثم إنه كان لا بد أن تطبقها المحاكم الدنيوية لا المحاكم الشرعية. وجاءت آخر خطوة فى عام 1926 بإدخال القانون المدنى السويسرى (وقانون العقوبات الايطالى أيضا)؛ وبذلك جردت الشريعة من سلطانها حتى فى مسائل قانون الزواج والأسرة والميراث. وأخيرًا فى سنة 1928 ألغى آخر ذكر للشريعة من الدستور وعمل بمبدأ أن الدولة ليست لها الصيغة الدينية فى صورته المتطرفة. وألبانيا حتى اليوم هى الإسلامية التى اقتفت أثر تركيا فى الغاء الشريعة إلغاءً تامًا.

(1)

من هنا إلى قوله: "فإنه يعتبر كافرا". منقول من المختصر.

(2)

من هنا إلى قوله فروض الدين منقول من المختصر.

ص: 6212

عليه الصلاة والسلام، وبذلك اعتبرت هذه الأحوال تصديقا لما أخبر به عليه الصلاة والسلام؛ وصفوة القول أن الشريعة، بحسب اقتناع الفقهاء أنفسهم، إنما يقصد بها الجماعة المثالية الكاملة فى العقود الأولى من حياة الإسلام وفى عصر المهدى المنتظر. وكان هذا اعترافا من جانب أهل التقى بعجزهم أمام أحوال العصر. لكن الشريعة، التى تتسم بطابع أكاديمى فى جوهرها، كان لها دائما سلطان تهذيبى كبير على العقول، وهى لا تزال تدرس بشغف، وتعتبر عند دوائر كبرى من المسلمين الموضوع الوحيد للعلم الحقيقى، بالرغم من أن الغزالى قد ذهب إلى خلاف ذلك، ولكن اعتبار الشريعة مثلا أعلى لا يمكن تحقيقة، والقول بتنزه الإجماع عن الخطأ وأنه علاوة على الاقتناع بأن عصر الاجتهاد انتهى، كل أولئك قد منع كل انحراف عن السنة السابقة فجمدت الشريعة من ثم جمود، تاما. على أنه توجد بعد أحكام كثيرة لا يزال القوم يعنون بها، وهى لا تتعلق إلا بأحوال العرب القدماء وليست لها أهمية عملية اليوم حتى فى نظر المسلم السنى المتشدد.

وقد تقدم ذكر أبواب الشريعة التى لها شأن عملى بالنسبة للمسلم (بصرف النظر عن أحدث تطور فى تركية). على أنه لا بد لنا أن نزيد الملاحظات الآتية، ولكن لا يصح بحال أن يغيب عن بال المرء فى هذا المقام أنه يمكن أن توجد من حيث التفاصيل فوارق كبيرة بين مختلف العصور ومختلف البلاد، وأن شدة التمسك باتباع أحكام الشريعة أو التراخى فى ذلك لا شأن له بدرجة التعصب، فالجهل والتراخى الظاهر منتشران جدًا حتى فيما يتعلق بالعبادات وبفروض الدين بمعناها الضيق التى هى أهم شئ بالنسبة للمسلم. لكننا نلاحظ فى العالم الإسلامى كله اجتهادا للقيام بفروض الدين الجوهرية على الأقل والاستمساك بها ما أمكن وخصوصا العادات التى يتميز بها المسلمون فى ظاهر حياتهم من معتنقى الديانات

ص: 6213

الأخرى، فهم يراعونها فى الغالب تمام المراعاة، ويعدونها مهمة جدًا، وإن كانت لا تتفق كل الاتفاق مع نص الشريعة، هذا على حين أن كثيرا من الواجبات الدينية التى لا مفر منها من الناحية النظرية لا تراعى فى الجملة، ففيما يتعلق بقوانين الزواج والأسرة والميراث، وهى القوانين التى يمكن أن تتبع فى الغالب على أدق وجه ممكن، نجد قيود العادة أو العرف ماثلة، وهما القانون العرفى القائم منذ عهد سحيق فى مختلف البلاد الإسلامية. وأما سائر أبواب الشريعة فلم تعد لها قيمة عملية، وإن كان يوجد فى كل مكان وفى كل زمان أتقياء متحرزون يجتهدون حتى فى المسائل التجارية أن يراعوا أحكام الشريعة إلى حد ما (وحتى فى أيامنا هذه يرفض البعض فوائد البنوك)(1). وهنا ترجح العادة على الشريعة فى كل مكان، وإن كانت العادة بحسب كتب الفقه لا يكون لها التطبيق الملزم إلا فى الحالات التى يشير فيها القانون إلى العادة إشارة صريحة. على أن هذا التقليل من شأن العادة لا يتفق مع ما كان للعادة من مكانة فى تاريخ الشريعة: فالنبى نفسه عليه الصلاة والسلام أبقى العادات العربية على ما هى عليه ما دامت العادة لا تتعارض مع مبادئه. وقد وضع النبى [صلى الله عليه وسلم] قواعد قليلة فحسب، ولم يكن يراد بحال إزالة العادة عن عرشها، وإن كان النبى عليه الصلاة والسلام لم يقرر هذا بحيث يجعله مبدأ. وقد نقل الإسلام العادات العربية إلى البلاد الأجنبية كما أنه أقر أيضًا فى أول الأمر بعض العادات الأجنبية إقرارا واسع المدى، لكن هذه النزعة تركت بعد ذلك من الناحية النظرية، وإن كانت العادة قد احتفظت دائما بسلطانها الكبير. وقد اشتكى الفقهاء دائما من ذلك أيضًا، ولم يرضوا بأن يعتبروا العادة أصلًا خامسا من أصول الفقه. لكن شعور جمهور الناس لا يعرف إلا العادة، بل إن الواجبات الشرعية التى يؤديها الناس بالفعل إنما تؤدى لأنها من جملة العادة. وفى جزائر الهند الشرقية الهولندية مثلا يعترف للعادة حتى من الناحية النظرية بمكانها إلى جانب

(1) ما بين القوسين منقول من المختصر.

ص: 6214