الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(4)
المقريزى: الخطط، جـ 2، ص 217، س 10 من أسفل؛ وانظر فيما يتصل بالضرائب التى فرضها على الإقطاعيات
(5)
ابن إياس، جـ 1 ص 184، والمنهل، الموضع المذكور.
صبحى [سوبرنهايم M. Sobernheim]
الشعبى
أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عمرو الشعبى المحدّث: كان من عرب الجنوب الكثيرين الذين برزوا فى أيام الإسلام الأولى، وقد انحدر من عشيرة شعب، وهى بطن من قبيلة همدان الكبيرة. ولد فى الكوفة حيث كان أبوه شراحيل من أعظم القراء. وثمة خلاف كبير فى التواريخ التى رويت عن سنة مولده، على أنه يحق لنا أن نذهب إلى أن التاريخ الذى ذكره الشعبى هو القريب من الصحة، فقد روى أنه ولد فى السنة التى جرت فيها وقعة جلولاء، وقد حدثت هذه الوقعة سنة 19 هـ (640 م)، ولكن رواية أخرى تقول إن أمه كانت من أسرى جلولاء، ومن ثم قد تكون سنة 20 التى قالت بها مصادر غير هذه أصح من ذلك. ويذكر لنا الشعبى نفسه أن الحجاج عند ما قدم الكوفة واليا لها سنة 75 هـ استقدمه ليسأله عن أحوال هذه المدينة فسرّه حسن اطلاعه على سير الأمور وجعله عريفا لأبناء قبيلة همدان وأجرى عليه رزقا. وظل الشعبى حائزا لرضا الحجاج حتى قامت فتنة ابن الأشعث سنة 81 هـ (700 م)، وهنالك جاءه لفيف من أكبر قراء الكوفة وقالوا له إن زعامته للقراء فيها تقتضيه أن يشارك فى الفتنة واستطاعوا آخر الأمر أن يجتذبوه إلى صفهم. وقد بلغ به الأمر حقا أن وجه خطابا إلى الجيشين المتقابلين ركب فيه الحجاج بالملام، فلما بلغ ذلك الحجاج قال "ألا تعجبون من هذا الشعبى الخبيث، لئن أمكننى اللَّه منه لأجعلن الدنيا عليه أضيق من مسك جمل".
ولم يلبث جيش ابن الأشعث أن حلت به الهزيمة سنة 83 هـ فى دير الجماجم، ومحمد الشعبى إلى
الاختفاء إبقاء على حياته فلما علم أن الحجاج قد أمن كل من اشترك فى جيش قتيبة بن مسلم الذى كان يجند فى ذلك الوقت لإنفاذه إلى خراسان، حصل بمعونة صديق له على حمار وزاد ثم شخص إلى فرغانة وأقام فيها لا يعرفه أحد، ولكنه استطاع أن ينال رضا قتيبة فاستخدمه كاتبا له، ودار فى خلد الحجاج من رسالة لقتيبة أن الشعبى هو كاتبها، وأمر قتيبة أن يبعث به إليه دون إبطاء. وقد كان الشعبى منذ وقت طويل وثيق الصلة بابن أبى مسلم، حاجب الحجاج، والراجح أن ابن أبى مسلم كان قد أحسن الشهادة فيه أمام الحجاج، قبل أن يمثل الشعبى بين يديه. وأشار ابن أبى مسلم وغيره من الأصدقاء على الشعبى بما يمكن أن يقدمه للحجاج من معاذير، فلما مثل بين يديه تحمل صامتا ما كاله له الحجاج من ملام على تنكره للمنن التى أفاءها عليه، ثم اعترف بجريرته وحمقه، ولا شك أن الحجاج قد قدر علم الشعبى، وربما كان تقديره لهذا العلم قد فاق تقديره لمكانته بين أبناء عشيرته، فعفا عنه عن طيب خاطر.
وما من ريب فى أن شهرة الشعبى قد بلغت الخليفة عبد الملك، ذلك أنه أرسل للحجاج يستقدم الشعبى. وأقام الشعبى السنوات القليلة التالية فى بلاط عبد الملك بدمشق. ومن العسير أن نصدق الرواية التى تقول إن إقامته هذه كانت مدتها ثلاث سنوات انتهت بوفاة عبد الملك، ذلك أننا نعلم نقلا عن الشعبى نفسه أنه استخدم فى سفارتين هامتين جدًا، إحداهما إلى إمبراطور الروم فى القسطنطينية، والأخرى إلى أخى الخليفة عبد العزيز الذى كان واليا على مصر. وكانت السفارة الأولى التى روى خبرها الشعبى نفسه سفارة مشهودة، إذ حاول الإمبراطور أن يثير شكوك الخليفة فى سفيره ولكنه لم ينجح فى ذلك لاستقامة الشعبى. أما السفارة الأخرى فكانت من أشرف السفارات صفة، ذلك أن الخليفة أثنى لأخيه على سفيره بعبارات أغدق عليه فيها المديح. ولم يخص الخليفة الشعبى بفضله، فقد روى أن الشعبى صحب معه فى سفارته ثلاثين رجلًا آخرين من أسرته أجرى عليهم الخليفة جميعًا الرواتب. والظاهر أن الشعبى بعد أن
شهد الخليفة وهو على فراش الموت، قد رجع عقب وفاة عبد الملك إلى الكوفة وفيها أدركته المنية قبيل وفاة الحسن البصرى الذى توفى سنة 110 هـ (728 م). وهنا أيضًا تختلف روايات المصادر اختلافا كبيرًا، فقد ذكرت كل سنة ما بين سنتى 103 و 110 هجرية تاريخًا لوفاته، والراجح أن سنة 110 هى السنة الصحيحة.
أما من حيث مظهره الشخصى، فقد كان الشعبى رجلًا ضئيلا نحيفا، وقد قال هو نفسه أن السبب فى ذلك يرجع إلى أنه ولد توأما. ولا شك أن كفاياته العقلية كانت عظيمة، كما أنه كان يتميز بروح الفكاهة. وسئل الأعمش لم لا يقضى إلى الشعبى ليسمع منه الأحاديث فأجاب:"ويحك! كيف آتيه وهو إذا رآنى سخر بى ويقول: هذه هيئة عالم! ما هيئنك إلا هيئة حائك! " ولكن إبراهيم النخعى كان يستقبله بالإكرام والتجلة.
ويقال إن الشعبى ذكر أنه سمع الأحاديث من نيف وخمسمائة صحابى، ويتفق نقاد الحديث بصفة عامة على أن روايته للحديث أهل للثقة الكبيرة. ومن تلاميذه الكثيرين الفقيه العظيم أبو حنيفة، وكان الشعبى أقدم رجال سنده، وما من عجيب أن أبا يوسف أنبه تلاميذ أبى حنيفة فقد استشهد به ما لا يقل عن سبع وثلاثين مرة. والشواهد التى رويت عنه فى كتب الأحاديث الصحاح أكثر من أن تحصى. ولم يكن الشعبى نفسه يزعم أنه فقيه، ومع ذلك فقد جرى فقهاء الكوفه على الشخوص إليه التماسًا لرأيه. وقد قال هو نفسه:"إنا لسنا فقهاء، ولكنا سمعنا الحديث، فرويناه الفقهاء، من إذا علم عمل". وكان الشعبى من أشد المعارضين للأخذ بالرأى.
وقد ذكر كثيرون ممن ترجموا له إنكاره لقواعد الرأى. على أن الشعبى لم يزودنا بالمعلومات فى الأحاديث فحسب، ذلك أننا ندين له أيضًا بقدر كبير من المعارف التاريخية عن أيام الأمويين. ونظرة واحدة إلى فهرس تاريخ الطبرى كافية لأثبات ذلك. وقد قال الشعبى نفسه إنه يستطيع أن يمضى فى رواية الشعر شهر، دون أن يستنفد ما عنده من ذخيرة فى هذا الباب. ولم يؤلف الشعبى أى كتاب،