الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثانى من القسم الأوّل من الفنّ الثالث فيما قيل فى الفهد والكلب والذئب والضبع والنّمس
ذكر ما قيل فى الفهد
يقال للذّكر: الفهد، وللأنثى: فهدة «وهما البنّة، ولذلك يكنى أبابنّة «1» » ، وجروه الهوبر، والأنثى هبيرة «2» ؛ قال أرسطو: إنّ الفهد متولّد بين أسد ونمرة، أو لبؤة ونمر؛ ويقال: إنّ الفهدة إذا حملت وثقل حملها حنا عليها كلّ ذكر يراها من الفهود، ويواسيها من صيده، فاذا أرادت الولادة هربت إلى موضع قد أعدّته لنفسها، حتى اذا علّمت أولادها الصيد تركتها؛ وبالفهد يضرب المثل فى شدّة النوم؛ قال بعض الشعراء:
رقدت مقلتى وقلبى يقظا
…
ن يحسّ الأمور حسّا شديدا
يحمد النّوم فى الجواد كمالا
…
يمنع الفهد «3» نومه أن يصيدا
وقال الجاحظ: قال صاحب «1» المنطق: والفهد إذا اعتراه الداء الذى يقال له:
(خانقة الفهود) أكل العذرة فبرأ منه؛ قال: والسباع تشتهى رائحة الفهود، والفهد يتغيّب عنها «2» ، وربّما قرب بعضها من بعض فيطمع الفهد فى نفسه، فإذا أراده الفهد «3» وثب عليه السبع «4» فأكله؛ قالوا: وليس شىء فى الحيوان فى جرم الفهد إلّا والفهد أثقل منه وأحطم لظهر الدابّة؛ والإناث أصعب خلقا وأكثر جراءة وإقداما من الذكور؛ ومن خلق الفهد الحياء، وذلك أنّ الرّجل يمرّ بيده على سائر جسده فيسكن لذلك، فإذا وصلت يده إلى مكان الثّفر «5» قلق حينئذ وغضب؛ ويقال: أوّل من صاد بالفهد كليب وائل، وقيل: همّام بن مرّة، وكان صاحب لهو وطرب؛ وأوّل من حمله على الخيل يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، وأكثر من اشتهر باللّعب بها أبو مسلم الخراسانىّ صاحب الدّعوة العبّاسيّة، وأوّل من استسنّ حلقة «6» الصيد المعتضد بالله؛ والمواضع التى توجد فيها الفهود ما يلى بلاد الحجاز إلى اليمن، وما يلى
الحجاز إلى العراق، وما يلى بلاد الهند الى تبّت «1» ، وتوجد أيضا فى برّيّة عيذاب من أعمال قوص من الدّيار المصريّة.
وقد ولع الشعراء والفضلاء بوصف الفهود نظما ونثرا؛ فمن ذلك قول أبى إسحاق الصابى فى رسالة طرديّة «2» جاء منها: ومعنا فهود أخطف من البروق، وأسرع من السهم حين المروق؛ وأثقف «3» من اللّيوث، وأجرى من الغيوث؛ وأمكر من الثعالب وأدبّ من العقارب؛ خمص الخصور قبّ «4» البطون، رقش «5» المتون؛ حمر الآماق خزر «6» الأحداق، هرت «7» الأشداق؛ عراض الجباه غلب «8» الرّقاب، كاشرة عن أنياب كالحراب؛ تلحظ الظّباء من أبعد غاياتها، وتعرف حسّها من أقصى نهاياتها؛ تتبع مرابضها وآثارها، وتشمّ روائحها وأبشارها.
ومن رسالة طرديّة لضياء الدّين نصر الله بن الأثير الجزرىّ يصف فهدا بعد ان ذكر ظبيا، قال: فأرسلنا عليه فهدا سلس الضّريبه «1» ، ميمون النقيبه، منتسبا إلى نجيب من الفهود ونجيبه؛ كأنما ينظر من جمره، ويسمع من صخره، ويطأ من كلّ برثن على شفره؛ وله إهاب قد جبل «2» من ضدّين: بياض وسواد، وصوّر على أشكال العيون فتطلّعت إلى انتزاع الأرواح من الأجساد؛ وهو يبلغ المدى الأقصى فى أدنى وثباته، ويسبق الفريسة ولا يقبضها إلّا عند التفاته.
وقال أحمد بن زياد بن أبى كريمة يصفها بعد أن وصف الكلب من ابيات:
بذلك أبغى الصيد طورا وتارة
…
بمخطفة الأكفال «3» رحب التّرائب
مرقّقة الأذناب نمر «4» ظهورها
…
مخطّطة الاذان غلب «5» الغوارب
مدنّرة «1» ورق «2» كأنّ عيونها
…
حواجل «3» تستوعى «4» متون الرّواكب
اذا قلّبتها فى الحجاج «5» حسبتها
…
سنا ضرم فى ظلمة الليل ثاقب
مولّعة «6» فطس «7» الأنوف عوابس
…
تخال على أشداقها خطّ كاتب
نواصب للآذان حتّى كأنّها «1»
…
مداهن، للإجراس «2» من كلّ جانب
ذوات «3» أشاف «4» ركّبت فى أكفّها
…
نوافذ فى صمّ الصخور نواشب
ذراب «5» بلا ترهيف قين «6» كأنّها
…
تعقرب أصداغ الملاح الكواعب
فوارس ما لم تلق حربا، ورجلة «7»
…
إذا آنست بالبيد شهب «8» الكتائب
تروّ وتسكين يكون دريئة
…
لهنّ «بذى الأسراب «1» » فى كلّ لاحب «2»
تضاءل حتّى ما تكاد تبينها
…
عيون لدى الضّبرات «3» غير كواذب
حراص يفوت البرق أمكث «4» جريها
…
ضراء «5» مبلّات «6» بطول التّجارب
توسّد أجياد الفرائس «7» أذرعا
…
مرمّلة «8» تحكى عناق الحبائب
وقال ابن المعتزّ:
ولا صيد إلّا بوثّابة
…
تطير على أربع كالعذب «9»
ملمّعة «10» من نتاج الرّياح
…
تريك على الأرض شيئا عجب
تضمّ الطريد إلى نحرها
…
كضمّ المحبّة من لا يحب
إذا ما رآى عدوها خلفه
…
تناجت ضمائره بالعطب
لها مجلس فى مكان الرّديف
…
كتركيّة قد سبتها العرب
ومقلتها سائل كحلها
…
وقد حلّيت سبحا من ذهب
متى أطلقت من قلاداتها
…
وطار الغبار وجدّ الطلب
غدت وهى واثقة أنّها
…
تقوم بزاد الخميس اللّجب
وقال محمد بن أحمد السّرّاج يصفه:
وأهرت «1» الشّدق فى فيه وفى يده
…
ما فى الصوارم والخطّيّة الذّبل
تساهم اللّيل فيه والنهار معا
…
فقمّصاه «2» بجلباب من المقل
والشمس مذ لقّبوها بالغزالة لم
…
تطلع لناظره إلّا على وجل
وقال آخر:
وأهرت «3» الشّدق بادى السّخط مطّرح الحياء
…
جهم المحيّا سيئ الخلق
والشمس مذ لقّبوها بالغزالة أعطته
…
الرّشاء «4» جدا «5» من ثوبها اليقق «6»